نوفل سلامة يكتب: الوباء يعصف بالبلاد…وحكّام غرقوا في ترف تأويل الدستور وأحكامه!!

كتب: نوفل سلامة  

كل التقارير الواردة من الجهات بخصوص الوضع الصحي في علاقة بانتشار وباء كورونا مخيفة جدا وكل المعطيات عن الوضع الصحي بالبلاد تصف الوضع الوبائي بأنه خطير للغاية وهو منذر بحصول كارثة صحية من شأنها أن تذهب بأرواح العديد من الناس… 

فإلي جانب ولايتي القيروان وسليانة المصنفتين مناطق عالية الخطورة بعد أن ارتفع فيهما عدد الإصابات بالفيروس وانتشار العدوى وارتفاع عدد الوفيات ، التحقت ولايات أخرى بهذا الوضع الصحي الخطير كولاية زغوان وبنزرت وقبلي وتوزر والمنستير وسيدي بوزيد حيث بدأت الأصوات تتعالى فيها محذرة من  تسارع العدوى وتمدد حالات الإصابة بالفيروس وارتفاع في عدد الوفيات مع ما تشهده المستشفيات المحلية في هذه الجهات من صعوبات جمة في استقبال المصابين من حيث عدم توفر الإطار الطبي وعدم توفر المعدات الطبية من أسرة إنعاش وقوارير الاكسجين وفقدان الأدوية اللازمة لمعالجة المرضى…
ومع مؤشر الإنذار المرتفع في العديد من الولايات التي بدأت تفقد السيطرة على انتشار الوباء وتفقد التحكم في العدوى نتيجة نقص الإمكانيات وضعف المستلزمات الطبية لمجابهة مثل هذه الكوارث، بدأ الاحتقان في صفوف سكان هذه الجهات وبدأ الغضب الواضح من المسؤولين لتأخرهم في التصدي لهذه الكارثة الصحية وبدأت الأصوات ترتفع وتصرخ منددة بتعاطي الحكومة مع هذا الوباء الذي يحقق كل يوم تمدده وانتشاره في المجال الجغرافي من دون أن نجد حزما في مواجهته…
وبدأت الأسئلة تطرح في علاقة بكامل الوضع الاجتماعي للمواطن التونسي في هذه الجهات التي فتك بها الوباء بشدة وبدأت الحيرة تظهر عند الكثير من المواطنين من ضعف الأداء الحكومي وطرح السؤال لماذا يحصل لنا كل هذا بعد سبعين سنة من الاستقلال وبناء الدولة الحديثة التي نتباهى بها؟ ولماذا يحكم على الإنسان في هذه الجهات بالحرمان من أبسط ضروريات العيش الكريم ؟ ولماذا يحكم على الفرد في هذه المناطق المنسية والمقصاة والمهمشة أن يولد هناك ثم يدرس في مدرسة لا تليق بأن تكون صالحة للتدريس ثم إن حالفه الحظ وأكمل دراسته وتحصل على عمل وأدى ما عليه من معاليم جبائية للدولة من منطلق كونه مواطنا صالحا محمول عليه واجب أداء ما عليه لدولته ثم إثر ذلك ويرتكب الخطأ القاتل في حياته فيؤسس عائلة وينجب أبناء ليجد نفسه فيما بعد وبعد كل هذا التعب أمام وضع لا إنساني، وفي حالة المذلة المقرفة التي تفرض عليه أن يتعايش مع الفقر والبؤس وأن ينام على الأرض وأن يموت على فراش ملقى على الأرض ليطرح السؤال بأي قانون يحصل هذا للمواطن في الجهات الداخلية؟ 
وكيف نفسر أنه بعد كل النرجسية التي دوما ما تصاحبنا عندما نتحدث عن تاريخ البلاد من أننا أبناء 3000 سنة حضارة!!! أن نجد مدنا وجهاتا لا تتوفر على أبسط مستلزمات العيش الكريم ؟ وكيف نفهم أن ولايات بأكملها لم تقدم لها دولة الاستقلال شيئا ولم تصلها خدمات الدولة لعقود من الزمن؟ فلماذا يحصل كل هذا لجزء كبير من شعبنا؟ فهل هو الإقصاء والتشفي السياسي؟ أم هو العقاب التاريخي لمواقف اتخذت ضد من بنى تونس الحديثة جاءت في مناخات وسياقات محددة ولم تعد موجودة اليوم؟ أم أن وراء ما يحصل في عمقنا التونسي من إذلال لجزء كبير من الشعب سببه تقصير دولة وتوقف قطار التنمية بعيدا عنها ؟ أم هو بسبب إهمال دولة لأبنائها الذين لم يصلهم هذا القطار ومرّ من جهات أخرى؟ أم أن المسؤولية ملقاة على عاتق المسؤولين ومن تعاقبوا على إدارة الدولة والشأن العام الذين تعوزهم الخبرة والمسؤولية والكفاءة والوطنية؟
إن الغريب في الأمر أنه في الوقت الذي لا نزال فيه نبحث عمن يوفر لنا اللقاحات المطلوبة وفي الوقت الذي تشكو فيه الكثير من المستشفيات من انعدام المستلزمات الطبية لمواجهة الوباء وفي الوقت الذي يرتفع فيه عدد الوفيات وتتسع فيه مساحة تمدد الفيروس نجد بلدانا أخرى عرفت هي الأخرى انتشار فيروس كورونا واكتوت من خطورته غير أنها بالحرص والتجند والرغبة والجدية استطاعت أن تتجاوز أزمتها الصحية وأن توفر اللقاحات لكامل شعبها وأن تشرع في فتح البلاد بعد أن اتخذت إجراءات صارمة لإغلاقها وبدأت تتعامل مع الوباء بإدخال عادات جديدة للمجتمع وفي المقابل ماذا فعلنا نحن؟
الحقيقة الواضحة هي أننا انشغلنا عن المعركة الحقيقية التي تتطلب تكاتف جهود الجميع من أجل مواجهة هذه الجائحة الصحية ولم نؤجل معاركنا الحزبية ولم نترك المشاحنات جانبا ولم نغلب المصلحة الوطنية وإنما قدمنا المسائل السياسية واهتممنا بقضايا الدستور والنظام السياسي والحوار الوطني للاتحاد وتأويلات الرئيس وغير ذلك من الترف الفكري الذي مجاله غير مجال الأزمة الصحية.
الخطير اليوم فيما يحدث في الكثير من ولايات الجمهورية من كارثة صحية هو أننا غلّبنا منطق الأزمة السياسية على كل منطق آخر، فهل هو اختيار مقصود ؟ وهل هو موقف ممنهج غايته جعل الناس تكره الديمقراطية تندم على أننا فكرنا يوما أن نقوم بثورة نسترجع بها إرادتنا وكرامتنا؟ 
وفي هذا السياق يطرح السؤال الذي حيّر الكثير من التونسيين لماذا لدينا رئيس جمهورية لا يتحدث إلا على القضايا السياسية ولا يهتم إلا بمسائل الدستور وتأويل فصوله؟ ولماذا لم نر تركيزا من الرئيس قيس سعيد في حديثه اليومي على انتشار فيروس كورونا؟  ولماذا لم نشهد اهتماما وعناية من الرئيس بالمسألة الصحية وإعطائها الأولية ومنحها كل جهده وتفكيره؟ ولماذا لدينا رئيس دولة لا يخصص كل اهتمامه لكيفية محاربة هذا الفيروس؟
يبدو أن القيادة العليا في البلاد مهتمة بقضايا أخرى جانبية غير القضية الوبائية ولها أولويات أخرى غير أولوية الوضع الصحي ويبدو أن كل الجهد مبذول في المعارك السياسية لا غير…أما صحة المواطن ووضع الجهات فهي مسائل ثانوية لا تلقى المكانة الأولى في الاهتمامات.
يبدو اليوم أن للمسؤول السياسي أولويات أخرى وتفكيره في قضايا أخرى ومعاركه لا علاقة لها بما صرّح به أحدهم من أن “من عجائب التّونسيين أنّهم يتوقون لإنتاج الأزمات التي تعطّل وضع البلاد حتّى يخيّل إليك أنّ كلّ شيء سينهار من حولهم ثمّ يدخلون في مرحلة شدّ وجذب بحثا عن الحلول وبعد التوصّل لحلّ يحتفون به ويسوّقون له كأنّه نصر سياسي عظيم يعبرون به مرحلة ثمّ يعودون من جديد لنفس النّسق من إنتاج الأزمات والبحث عن الحلول…إنها ثقافة إنتاج الأزمات ومنطق التعايش معها وطريقة للحكم من خلال افتعال الأزمة…