نوفل سلامة يكتب: الوضع العام بالبلاد لم يعد يحتمل مزيدا من التأزم

كتب: نوفل سلامة
لم يعد خافيا على أحد أن الوضع العام بالبلاد قد بلغ اليوم درجة من التعفن والانسداد إلى الحد الذي لم يعد معه الأمر قابلا للمواصلة على هذه الشاكلة..كما أن الحالة الاجتماعية والاقتصادية وخاصة السياسية قد بلغت درجة من التأزم…
ولا نبالغ إن قلنا من العبث إلى الحد الذي أثرت بشكل سلبي على نفسية الكثير من المواطنين جعلتهم يكرهون كل شيء ويلقون باللائمة على الثورة وعلى كل من تحمل إدارتها وخاصة الطبقة السياسية التي جاءت بعد 14 جانفي 2011 ونقصد هنا الخصومة المفتعلة وغير المفهومة بين رئيس الجمهورية وكل من رئيس الحكومة ورئيس البرلمان وهي معركة صلاحيات وتموقع الشعب غير معني بها ولا تهمه قد زادت من تعميق حالة العجز والتكبيل التي أتعبت البلاد منذ عشر سنوات وما خلفته من تداعيات خطيرة أجلت عملية الاصلاح وأخرت الاقلاع الذي يرقبه الجميع.
هذه الصورة القاتمة التي يتفق فيها الجميع والتي وصلت إلى درجة أن وصف ذهاب الحكومة خلال الأسابيع القادمة لملاقاة صندوق النقد الدولي لاستئناف الحوار معه حول إمكانية منح تونس قرضا ماليا جديدا لفك أزمتها المالية الخانقة قد وُصف بالتسول وبالحوار المهين الذي يجعل البلاد ترتمي في أحضان المانح الدولي في جولة جديدة من التبعية المالية والاستعمار الجديد.
المهم أن حالة البلاد لم تعد تحتمل مزيدا من المعارك “الدنكيشوتية ” ومزيدا من الخلافات السياسية العبثية ومزيدا من النزاعات الصبيانية، فلا الزمان ولا المجال يسمحان بها، غير أن المشكل أن هذه الأزمة الخانقة هي في تواصل مستمر ويبدو أنها لن تنتهي ويبدو كذلك أن الفاعلين فيها غير شاعرين بخطورتها وليست لهم الرغبة في إنهائها وإيقافها أو على الأقل تأجيلها والبلاد على وقع أزمة صحية خطيرة للغاية حذر منها كل المختصين من الأطباء والمهتمين بإدارة هذه الجائحة التي تضاف إلى كل أزمات البلاد.
والسؤال اليوم هو ما العمل للخروج من هذا المستنقع الذي وجدت فيه البلاد نفسها؟ وما هو المخرج من حالة التكبيل والإنسداد الذي يعيش على وقعه الشعب؟ لا مندوحة من ضرورة فعل أي شيء من أجل هذه البلاد وهي تمر بأصعب فترة في تاريخها المعاصر هي شبيهة بما كانت قد عرفته في أواخر القرن التاسع عشر حينما قدم «الكومسيون المالي الأوروبي» لإنقاذ المالية العمومية للإيالة التونسية في زمن الصادق باي بعد أن عرفت حالة من الإفلاس مهدت لدخول الاستعمار الفرنسي.
من الحلول المقترحة تكوين جبهة وطنية تضم كل الذين لا يرضيهم ما يقوم به رئيس الدولة من محاولات تعطيل لأعمال البرلمان والحكومة بعد أن تحول إلى سبب للأزمة وجزء من المشكل، وهي جبهة وطنية من أجل إعادة الأمور إلى نصابها وإلزام قيس سعيد بأن يلزم مكانه وحدوده التي رسمها له الدستور والنظام السياسي وإجباره على احترام المشهد السياسي في محاولة للضغط عليه وإنهاء حالة العبث التي يقوم بها من خلال التأويل الفردي لفصول الدستور وفتح معارك قانونية لا الوقت ولا المجال يسمح بهما.
من الحلول الأخرى المقترح الذي يقدم رؤية متكاملة للأزمة والقاضي بإجراءات متلازمة أولها تخلي راشد الغنوشي عن رئاسة البرلمان ولكن في المقابل على القوى السياسية والبرلمانية التعهد بعدم تعطيل أعمال مجلس نواب الشعب وبالتوازي التزام قيس بعدم التدخل في شؤون الحكومة والبرلمان والتعهد بالكف عما يقوم به من معارك تأويل الدستور العبثية وترك الحكومة تواصل مهامها بعد أن أصبح من غير المفيد استقالتها خاصة وأن البلاد مقبلة على مفاوضات هامة مع صندوق النقد الدولي الذي يطالب بحكومة مستقرة.
هناك مقترحات أخرى غير أنها تؤدي إلى طريق مسدود وتزيد من تعميق الأزمة يرى أصحابها المرور بقوة و أنه من الضروري انهاء معركة الصلاحيات بكل الطرق ومن خلال مواجهة رئيس الجمهورية وعدم السكوت على كل ما يفعل وهي معركة كسر عظام عواقبها غير مضمونة وغير مجدية في مثل الحالة التونسية والبلاد على شفا أزمة صحية خطيرة وأزمة مالية خانقة لم يبق معها إلا الإعلان عن حالة إفلاس البلاد وأزمة مجتمعية أخرى بتراجع كل القيم والمرجعيات القيمية كتنامي مظاهر الفوضى والتسيب ترافقها حالة من الاحتقان الشعبي جراء تراجع المقدرة الشرائية وموجة من غلاء للأسعار وتردي الخدمات الاجتماعية…