نوفل سلامة يكتب: بعد المصادقة على قانون المحكمة الدستورية..هل تحمل الأيام المقبلة مفاجآت كبرى؟

كتب: نوفل سلامة
بعد جلسة عامة ساخنة خصصها مجلس نواب الشعب يوم الثلاثاء 4 ماي الجاري لمناقشة رفض رئيس الجمهورية ختم قانون المحكمة الدستورية بعد إدخال تعديلات عليه وحصوله على أغلبية 109 صوت ورده ثانية إلى المجلس في قراءة ثانية التي يوجبها الدستور أن تكون بأغلبية معززة أي 131 صوتا ، صادق المجلس مرة ثانية على قانون المحكمة الدستورية ولكن بأغلبية 141 صوتا وبهذه المصادقة التي فاقت الأغلبية المعززة يكون البرلمان ومن ورائه الحكومة قد سجلا نقطة مهمة على حساب رئيس الجمهورية قيس سعيد في معركة الصلاحيات وما بات يعرف في الآونة الاخيرة بتنازع تأويل الدستور.
وبهذا التصويت المعزز تكون الرئاسة قد تلقت ضربة قاصمة للظهر من طرف النواب الذين على ما يبدو قد حسموا أمرهم بخصوص رئيس الدولة واتخذوا موقفا رافضا بقوة لكل ما يقوم به من تأويل للدستور قال عنه أغلب رجال القانون الدستوري بأنه تأويل غريب وشخصي وخارج عن قواعد التأويل التي يتعلمها الطالب في كلية الحقوق، وفيه تعسف على الفصول الدستورية وتحميلها أكثر مما تتحمل فضلا عن تعمد الرئيس فرض رأيه وتأويله الخاص والشخصي بما يوحي أن الرئيس له نزعة تسلطية ونية لاحتكار فهم الدستور وتطبيقه لغايات سياسية خطيرة على المسار الديمقراطي وعلى أهداف الثورة في الوقت الذي قالت فيه المحكمة الإدارية خلال استشارتها حول رفض رئيس الجمهورية قبول الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية أمامه بأن الجهة الوحيدة المخولة بتأويل الدستور هي المحكمة الدستورية لا غير، وفي غيابها فإنه لا أحد يملك أحقية احتكار التأويل بما يعني أن ما يقوم به الرئيس قيس سعيد من إثارة مسائل تأويلية يبقى رأيا شخصيا غير ملزم في غياب الجهة المختصة قانونا بالحسم في النصوص التي تكون محل نزاع وجدال.
واليوم وبعد أن صادق مجلس نواب الشعب في قراءة ثانية على قانون المحكمة الدستورية بأغلبية معززة ومريحة جدا وهي 141 صوتا بعد أن رده الرئيس قيس سعيد لاعتبارات قال عنها بأنها دستورية في إشارة إلى انقضاء أجل إنشاء المحكمة الدستورية وهو سنة بعد المصادقة على الدستور الجديد لسنة 2014 أي خلال سنة 2015 وهو الأمر الذي لم يقع ولكن لا شيء يمنع من وقوعه في المستقبل لكون أجل إرساء المحكمة الدستورية هو أجل استنهاض لا يسقط بمرور الوقت، لم يبق أمام البرلمان إلا إجراء عرضه على رئيس الجمهورية لختمه حتى نمر إلى إرساء هذه المحكمة التي طال الجدل والنقاش حولها وحتى ننهي العبث الحاصل في فهم فصول الدستور ونوقف ما بات يُعرف بفوضى التأويل الذي اختصت به الرئاسة.
غير أن السؤال المطروح اليوم هو ما العمل لو رفض قيس سعيد ختم قانون المحكمة الدستورية بعد أن أعاد البرلمان التصويت عليه بأغلبية فاقت النصاب المطلوب؟ وكيف سيتصرف البرلمان في حالة أن امتنع الرئيس عن ختم القانون وهي فرضية واردة جدا بل محققة نظرا لعلمنا أنه سيرفض ختم أي قانون يُحال عليه من مجلس نواب الشعب ؟
في هذه الحالة فإن الرأي القانوني والدستوري الراجح يذهب إلى أنه على البرلمان أن يفعّل نظرية الإجراءات المستحيلة التي يفرضها تعنت الرئيس وامتناعه عن ختم قوانين صادق عليها مجلس نواب الشعب وتعمده تعطيل أعمال المجلس برفضه ختم مشاريع قوانين تحال عليه من البرلمان مما يؤكد حالة الوضع الدستوري المعطل والمستحيل وهي وضعية غير مريحة وغير طبيعية تحتم الذهاب نحو تطبيق الاجراءات المستحيلة التي تسمح لرئيس الحكومة في حالة تأكد الاستحالة الدستورية التي يتم إثباتها بكل الوسائل بالتوجه مباشرة ودون تردد إلى نشر القانون الذي صادق عليه مجلس نواب الشعب بالرائد الرسمي لإكسائه الصفة القانونية التي تسمح بتطبيقه والمرور إلى تركيز المحكمة.
ما حصل اليوم إثر المصادقة على قانون المحكمة الدستورية بـ 141 صوتا فاق الأغلبية المعززة المطلوبة بعد رده من قبل رئيس الجمهورية لعرضه على قراءة ثانية فإن صفعة كبرى قد وجهت للأحزاب الداعمة للرئيس وضربة وجهت كذلك لقيس سعيد بما يعني أن الحزام البرلماني الرافض لتصرفات ساكن قصر قرطاج و غير الراضي بما يقوم به من إثارة معارك لتأويل الدستور البلاد ليست في حاجة إليها وفيها توجه بات معلنا للسير نحو إعادة الديكتاتورية واستعادة النظام التسلطي بعد تجميع كل السلطات في يد الرئيس قد توسع وبات هذا الحزام أغلبية مريحة تسمح للسير نحو اتخاذ إجراءات أخرى لحماية المسار الديمقراطي ووقف عبث التجاذبات حول فهم الدستور وإنهاء فوضى التأويل.
فهل يمكن اليوم القول لو ذهبت الحكومة اعتمادا على نظرية الإجراءات المستحيلة إلى تجاوز عقبة الرئيس وإقرار نشر قانون المحكمة الدستورية بالرائد الرسمي من دون حاجة الى ختمه بأن أيام الرئيس قيس سعيد باتت معدودة في علاقة بالرغبة الجامحة التي نجدها اليوم عند الكثير من البرلمانيين وجانب كبير من الشعب للمطالبة باستقالته وسحب الثقة منه من خلال إثارة مسألة الخرق الجسيم للدستور الموجب لتقديم لائحة لوم ضد قيس سعيد و المطالبة بعزله؟ هذه فرضية تبقى امكانية تحققها رهن ما ستكشف عنه الأيام القادمة من مفاجآت .