نوفل سلامة يكتب/ بعد رفض الفيلسوف الألماني “يورغن هابرماس” جائزة الشيخ زايد للكتاب:لا أقبل أن أكون أداة دعاية لنظام سياسي

كتب: نوفل سلامة
أثار رد الفيلسوف الألماني وصاحب الإنتاجات الفكرية الغزيرة ” يورغن هابرماس ” الجائزة التي ترصدها كل سنة مؤسسة الشيخ زايد الإماراتية للكتاب وهي جائزة تقدمها دولة الإمارات لأفضل إنتاج فكري وأدبي جدلا كبيرا في الساحة الثقافية العربية، كما خلف رفض تسلم هذا المفكر العالمي المعروف بمواقفه الجريئة بخصوص حرية الرأي والتعبير من خلال تركيزه على فكرة أن الفضاء العام ليس ملكا للسلطة والدولة وإنما هو فضاء يعود للشعب والأفراد وأن الدولة المتقدمة الديمقراطية هي تلك التي لا تحتكر التصرف أو امتلاك هذا المجال وتأسيسا عليه فانه ليس من حق الحكومات التحكم أو التدخل في كل ما هو مجال وفضاء عمومي ، خلف عدم قبول هابرماس مبلغ 225 ألف يورو من واحدة من أغلى الجوائز العالمية التي تمنح للكتاب والمؤلفين والمبدعين نقاشا واسعا في العالم في علاقة بدور المثقف في راهن الفكر والثقافة وقيمة استقلالية المفكر وابتعاده عن مثل هذه المنابر السياسية التي قد تسيء إليه و تضره أكثر مما تنفعه رغم قيمة الإغراءات المالية التي ترصد لهذه الغاية.
ويعود رفض هابرماس تسلم جائزة الشيخ زايد على قيمتها المالية إلى اللوم الكبير والانتقاد اللاذع الذي وجهته له مجلة ” دير شبيغل الألمانية ” بعد أن أبدى هذا الفيلسوف ذائع الصيت في أول الأمر موافقته على قبول الجائزة قبل أن يتراجع عنها إثر قراءته المقال في المجلة واعتذر لأنه أساء التقدير حينما قبل جائزة مالية من دولة تقول عنها كل التقارير الدولية بأن لها نظاما اشتهر بالقمع وتنعدم فيه الحياة الديمقراطية.
وأضاف هذا المفكر الكبير القول : إني اعتذر عن سوء تقديري و اليوم أصححه واعترف بأني لم أفهم بشكل كاف العلاقة الوثيقة بين المؤسسة التي تمنح هذه الجوائز في أبو ظبي والنظام السياسي القائم فيها وأعلن رفضي النهائي لجائزة الشيخ زايد لأن في قبولها إساءة فكرية للدولة الألمانية ولكل الدول الحرة وخيانة فكرية لكل الجهد الذي أبذله مع غيري من مفكري الزمن الراهن في الدفاع عن حق الفرد في حرية التعبير وحقه في أن يعيش في نظام سياسي يحترم حقوقه وإنسانيته.
وقد زادت مجلة دير شبيغل على تصريح هابرماس الأخير بأن السائحين الأوروبيين القادمين إلى دولة الإمارات لا يلتفتون غالبا إلى ما قاله هذا الفيلسوف ولا يتفطنون إلى هذه الاخلالات وفي المقابل يعجبهم التفوق العمراني وما يقع استثماره في البناء والحجارة كما تبهرهم الدعاية الثقافية الرائعة التي يسوقها النظام السياسي ويصادف أن يلتقون بمحاورين متعلمين تعليما جيدا ولكن الأمر الذي يغيب عن كل زائر غربي أن كل هذا السحر الخادع لا يراعي قيم التسامح الحقة والحياة الديمقراطية وسيادة القانون.
إن المهم في هذا الرفض لجائزة فكرية من أهم الجوائز العالمية في مجال الإصدارات والانتاجات الفكرية أنه رفض جاء هذه المرة من مفكر وفيلسوف له ثقله في المساحة الثقافية العالمية ومن واحد من أهم فلاسفة العصر الراهن تأثيرا في الفكر والمعرفة، كما أن المهم الأبرز والذي أشارت إيه مجلة دير شبيغل أن في تدارك هابرماس موقفه وتراجعه عن قبول هذه الجائزة قد طرح السؤال المهم حول علاقة المثقف بالسلطة وعن إمكانية ترويض المثقف لتحويله خادما لها والحال أنه خلق ليكون صاحب عقل حر وفي خدمة الجماهير والسؤال الآخر حول الإغراءات التي يتعرض لها المثقف حتى يتحول إلى أداة دعاية للنظام القائم بعد أن يتم تدريبه على إخفاء وحشيته وراء ستار من المفردات السامية والتألق الثقافي وهابرماس بما هو عليه من قامة علمية وبما يحتله من مكانة معرفية على الصعيد العالمي والإنساني كان على مقربة من أن يتحول إلى أداة تبييض ووسيلة دعاية … من أجل ذلك فقد أشادت المجلة بتصريح هابرماس أنه لن يقبل أن يكون أداة دعاية لنظام سياسي لا يحترم قيم الإنسان العليا.