نوفل سلامة يكتب: بيان الخارجية الأمريكية…والسيادة الحقيقية لا الوهمية!

تونس وأمريكا

كتب: نوفل سلامة

خلفت نتائج استفتاء 25 جويلية الأخير نقاشا مجتمعيا واسعا في علاقة بصحة الأرقام المعلن عنها ونسبة المشاركة التي يراها البعض لا تعكس أهمية الرهان السياسي وقيمة الحدث التاريخي…

وردود أفعال دولية جاءت في معظمها ناقدة للنتائج التي اعتبرت ضعيفة ولا تعبر عن رغبة معظم التونسيين مع تخوفات من التراجع عن مكسب الحريات ومآل التمشي الديمقراطي بعد التصويت على مشروع الدستور الجديد…

لغط وجدل…
وقد جاءت هذه التحفظات المتعددة فضلا عن الصحافة العالمية – صحيفة دير شبيغل الألمانية الغارديان البريطانية وخاصة الإعلام الفرنسي بأهم عناوينه لوبارزيان، لا كروا صوت الحزب المسيحي ، لوبوان ، لوموند و لومانيتي اليسارية وغيرها – من كبرى العواصم الغربية المؤثرة ونعني بالأساس دولة كندا والخارجية البريطانية والاتحاد الأوروبي غير أن موقف وزارة الخارجية الأمريكية يبقى الأكثر اهتماما وإثارة حيث أحدث بيانها عن تونس لغطا وكثيرا من الضجيج لمضمونه الذي اعتبر حادا ويستبطن تهديدا وربما يشير إلى تحول في التعامل مع المسؤولين التونسيين مستقبلا….

ومما جاء فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية تساند المنظومة الديمقراطية في تونس وهي منشغلة بتدني نسبة مشاركة الناخبين و تشاطر نفس انشغال العديد من التونسيين من أن المسار المتبع في صياغة الدستور الجديد قد قيّد مجال النقاش الحقيقي، وأن الدستور الجديد يمكن أن يُضعف الديمقراطية في تونس ويحد من احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية…
وأبرزت مخاوفها من التراجع المفزع للمعايير الديمقراطية وانتقاص العديد من المكاسب التي تحققت بفضل التضحيات الجسام التي قدمها التونسيون منذ سنة 2011 وانهى بلاغ الخارجية الأمريكية نصه بموقف خطير فيه تنبيه عن تحول في النظرة للمسؤولين السياسيين الحاليين بالقول ” إن الشراكة بين الولايات المتحدة وتونس تتخذ أقوى وأمتن صورها عندما يكون هناك التزام مشترك بالديمقراطية وحقوق الانسان” في إشارة إلى أن المشهد السياسي الحالي في ظل الدستور الجديد لا يسمح بحياة سياسية ديمقراطية ولا يضمن تكريس الحقوق و الحريات واحترامهما”.

مسّ من السيادة الوطنية؟

هذه الانفعالات التي صدرت ساعات قليلة بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء من جهات خارجية عديدة وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة في وزارتها للخارجية فُهمت واعتُبرت في الداخل التونسي مسا من السيادة الوطنية وتدخلا سافرا في مسائل داخلية تهم الشأن الوطني ولا تهم غير الشعب التونسي ولا دخل لغيرهم فيها وتم التعامل معها رسميا على أنها محاولة للضغط على القرار السياسي التونسي ومحاصرة السيادة الوطنية التي تحاول أن تتحرر من الهيمنة الغربية وأن تفك ارتباطها مع الاستعمار الجديد من أجل استرجاع الدولة والشعب استقلالهما السياسي والسيادي.

إن المشكلة التي يثيرها الموقف الغربي من عملية الاستفتاء وخاصة الموقف الأمريكي وردة فعل الخطاب السياسي التونسي في كون البيان الصادر عن الخارجية الأمريكية قد اعتبر مواصلة للتدخل في الشأن الداخلي ومواصلة في محاصرة السيادة الوطنية أو إضعافها. ومشكلة السيادة الوطنية هي قضية تكثف الحديث عنها في خطابات الرئيس و تعتبر مسألة مركزية في جهاز مفاهيمه في مواجهة خصومه السياسيين والرد على معارضيه ومنتقديه الذين يصفهم دون هوادة  بالعملاء للخارج و المرتهنين لجهات أجنبية لا تريد الخير للبلاد.

رفض كامل للتدخلات الأمريكية

والمواجهة مع القوى الخارجية في مسألة رفض التدخل في الشأن الداخلي من خلال المواقف أو البيانات والتصريحات التي تصدرها قوى المنتظم الدولي والجهات العالمية الماسكة باللعبة الدولية وخاصة من يتحكم في هذا النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وتحكم به العالم ليس جديدا.. ولم يبدأ اليوم وإنما ظهر بقوة وبوضوح مع مجيء الرئيس قيس سعيد إلى الحكم وانتخابه رئيسا للبلاد في انتخابات سنة 2019 حيث برز واضحا أن هناك توجها جديدا رافضا كليا لأي تعليق أو تدخل في ما يدور داخل حدود ترابنا ومعلنا بصوت عال أننا دولة مستقلة لها سيادة مطلقة وحرية كاملة فيما تتخذه من قرارات وما يدور داخلها من حراك سياسي واجتماعي…
وما الموقف الأخير من بيان الخارجية الأمريكية واستدعاء القائمة بالنيابة بأعمال السفارة الأمريكية إلى وزارة الخارجية التونسية وإبلاغها امتعاض الدولة التونسية ورفضها ما صدر من موقف أمريكي إلا مواصلة في هذا النهج السياسي الرسمي من الرفض في التدخل الأجنبي.
المشكلة الأخرى تتعلق بتحديد المعنى الحقيقي للسيادة الوطنية والإجابة على سؤال هل ما صدر من موقف أمريكي بخصوص نتائج الاستفتاء يعد من قبيل التدخل الخارجي في شؤوننا الداخلية وإنقاصا من سيادتنا؟

أي سيادة وطنية؟

ما يغيب دوما عند الحديث عن السيادة الوطنية وكل الكلام الذي يسوّق عن استقلالية القرار الوطني في علاقة بموقف من المواقف التي تصدرها من حين إلى آخر جهات أجنبية في علاقة بمسألة أو حدث داخلي أن السيادة الحقيقية التي يجب أن نتحدث عنها وأن المعنى الحقيقي لاستقلال القرار الوطني الذي يجب أن ندافع عليه هو أن تكون ثروات البلاد تحت حكم الدولة التونسية التي لها كامل الحرية في التصرف فيها بكل استقلالية…
وأن لا تكون البلاد مرتهنة للأجنبي في ثرواتها التي بمقتضى اتفاقيات تفكيك الاستعمار أبقت على رابط الهيمنة والسيطرة والتصرّف عليها لفائدة المستعمر القديم وحلفائه .. أن تكون السيادة لنا يعني أن نمتلك القدرة والإرادة الحرة في التصرف في فلاحتنا وأن نكون أحرارا في اتباع منوال التنمية الذي نراه ملائما لوضعنا ولمقدراتنا وطالما أننا لم نحقق الأمن الغذائي المطلوب ولم نحقق الاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية ما يجعلنا في غير حاجة الى توريد النقص لتوفير الغذاء للشعب..
وطالما أننا لم نحقق الأمن الثقافي والاستقلالية عن المركزية الأوروبية في المعرفة التي تجعلنا دوما في تبعية فكرية وثقافية وخاصة تبعية في التعليم والبرامج والمناهج المسقطة من الخارج .. و طالما أننا لم نحقق ذلك فان الأجنبي سيبقى يتدخل في أحوالنا وسنبقى دوما في تبعية مقيتة هي نوع من الاستعمار الجديد مهما صرخنا ونددنا بما يصدر من مواقف خارجية لا تعجبنا…
السيادة الحقيقية التي نطالب بها هي حينما نجد إرادة سياسية حقيقة وفاعلة في محاربة الجهات التي تعمل لصالح الأجنبي وتحقق أهدافه وهي مرتبطة به فكريا و ماليا وسياسيا وهذه الجهات نجد لها تمددا وأذرعا في التجارة وعالم المال والأعمال وفي ميدان المشاريع والاستثمار وحتى في جامعاتنا وعقول بني جلدتنا وإدارتنا التونسية .. اليوم مع كل أسف لدينا جهات مرتبطة عضويا بالخارج وهي نافذة في بلادنا وتعمل على تحقيق مصالح أجنبية هي اليوم المؤثرة في كل شيء وتمتلك المال ولها القدرة على التوجيه السياسي والتأثير على الحكم والقرار السياسي وطالما لم نفكك هذه المنظومة المرتبطة بمصالح الجهات الخارجية فإننا لا يمكن أن نتحدث عن سيادة وطنية ولا على استقلال القرار السيادي للدولة…

السيادة الحقيقية

السيادة الحقيقية التي نريدها ونعنيها هي التي تجعل كل القرارات والبرامج التي نتفق عليها في خدمة الشعب وخدمة الوطن وطالما أن صاحب القرار السياسي يقرأ ألف حساب للمصالح الخارجية وغير قادر على التحلل من شروطه وإملاءاته طالما نعجز عن تغيير توجهاتنا وخياراتنا فيما فيه مصلحة الشعب فإن سيادتنا لن تكون بأيدنا ولن يكون قرارنا السيادي مستقلا .. اليوم مع كل أسف نحن غير قادرين دون موافقة الخارج أن نغيير أولوياتنا الاقتصادية كما نريد وبكل إرادة حرة ولا اتباع منوال تنمية جديد ولا تغيير الاستراتيجية التنموية بجعل تونس بلدا فلاحيا متقدما وجعل الزراعة قاطرة الاقتصاد ..
اليوم غير مسموح لنا أن نعتبر قطاع السياحة الذي لم يعد قادرا على تحقيق الثروة قطاعا ثانويا ولا رئيسيا في الاقتصاد .. نحن غير قادرين نتيجة هيمنة الأجنبي علينا أن نقطع مع نمط الفلاحة الحالي نحو فلاحة أخرى عصرية تحقق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي ونحقق الاستقلال الزراعي الحقيقي .. اليوم حتى البذور والأسمدة والأدوية ومساحة الأرض المزروعة وكمية القمح المستوردة والتي كان من الممكن زراعتها فوق أراضينا لسنا أحرارا في تحديدها .. اليوم البلاد مرتهنة للخارج في تجارتها وفلاحتها وغذائها وصناعتها وتعليمها وثقافتها ولباسها ولغتها وعقول أبنائها وكل شيء تقريبا يأتينا من بلدان ما وراء البحار، وهذا الارتباط للأجنبي يجعلنا نفقد سيادتنا ويضعف قرارنا السياسي والسيادي…

ما أردنا قوله والتنبيه إليه هو أن السيادة الوطنية الحقيقية ومعنى أن نكون أسياد أنفسنا ومستقلين حقيقة في قرارنا وإرادتنا لا يفهم من خلال مواقف و قرارات الآخرين تفاعلا مع شأن من شؤوننا الداخلية بقدر ما يقاس ويفهم حينما لا نكون في حاجة للأجنبي ولا يربطنا بالخارج غير تبادل علاقات ندية متكافئة ومتساوية …

سيادة حقيقية لا وهمية

ما أردنا قوله هو أن مضمون البيان الأمريكي رغم أنه أثار حفيظة الكثيرين إلا أنه في العمق لا يتحدث عن السيادة الوطنية وإن كان له رابط خفي بها و إنما جاء في إطار العلاقات الدولية التي تربط الدولة التونسية بالمنتظم الدولي بصفتنا دولة تابعة لمنظومة العولمة التي قبلنا الانضمام إليها وقررنا أن نكون من مكونات هذه القرية الصغيرة التي تتحكم فيها قواعد ومواثيق وارتباطات دولية ملزمة للجميع وهذه القواعد الدولية التي تسمى منظومة الحقوق و الحريات الكونية والتي امضينا على اتفاقيات بشأنها هي التي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية تتجرأ وتصرح ” بأن شراكتها مع تونس تكون متينة وقوية وفاعلة كلما التزمنا بمنظومة الديمقراطية وحقوق الانسان التي تحكم العالم ” وهذا يعني أنه إذا كنا فعلا حريصين على استقلال قرارنا السياسي السيادي وإذا كنا نرفض حقيقة أي تدخل أجنبي في شؤوننا فإن هذا يبدأ أولا بامتلاك عناصر قوة السيادة الوطنية وهي مجتمعة في كلمة واحدة أن نحقق الأمن الوطني في كل شيء وأن نحقق الاكتفاء الذاتي في الطاقة والغذاء والفكر والثقافة واللغة والتجارة والمال والتعليم والتجارة ودون ذلك هراء ومزايدات لا طائل منها….
أن تكون مستقلا وسيد نفسك ولا يتدخل غيرك في شؤونك يعني أن تفك الارتباط مع الأجنبي في كل هذه المجالات وعندها فقط بالإمكان أن تقف ندا للند مع هذه الجهات الأجنبية وتصرخ في وجهها عاليا .. اليوم هناك خطاب وممارسة سياسية عليهما أن يتغيرا من أجل تحقيق السيادة الوطنية الحقيقية لا الوهمية .. فهل وعينا الدرس الروسي ؟