نوفل سلامة يكتب/ جدل واسع في العالم الإسلامي : بعد إنكار حجية حديث الآحاد…السعودية تسير على خطى القرآنيين

كتب: نوفل سلامة
في خطوة اعتبرت مثيرة ومفاجئة ولها تداعياتها الخطيرة والمؤثرة على المشهد الديني في المملكة العربية السعودية والعالم الاسلامي بأسره، قال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حوار تلفزي نقلته الكثير من الصحف العربية والأجنبية “بأن القرآن الكريم هو دستور المملكة وسوف يستمر إلى الأبد والنظام السياسي في الحكم ينص على ذلك بشكل واضح ونحن ملزمون بتطبيق نصوص القرآن، ولكن في الشأن الاجتماعي والشخصي فنحن ملزمون بتطبيق العقوبة الشرعية متى كان هناك نص قرآني واضح أو نص من السنة وعندما أتكلم على نص صريح من السنة فإني أقصد الأحاديث المتواترة ولا خبر الآحاد غير أنه في مصنفات كثيرة لعلماء المسلمين فإن المرجع الرئيسي في استنتاج الأحكام واستنباطها من الناحية الشرعية هي السنة النبوية من دون تفريق بين ما هو متواتر من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الحديث الذي روته جماعة عن جماعة إلى أن وصل الخبر إلى الرسول وعدد هذا النوع من السنة قليل، وبين أحاديث الآحاد وهو الخبر الذي يرويه فرد عن فرد عن فرد حتى يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو الذي ترويه جماعة عن فرد والموقف الذي نتبناه والذي نجده عند الكثير من العلماء أن خبر الآحاد غير ملزم إلزامية الحديث المتواتر إلا إذا عاضده نص من القرآن أو اقترن بنصوص شرعية واضحة أو اقترن بمصلحة دنيوية واضحة خاصة إذا كان حديث الآحاد سنده صحيح… وهذا النوع الأخير من الأحاديث على عكس الصنف الأول يشكل السنة النبوية العظمى وخطورتها في كونها على كثرتها و ورودها من طريق شخص واحد فهي ملزمة للناس من الناحية الشرعية بما يحول دون أي اجتهاد جديد وهذا التفكير فيه طعن في قدرات الله سبحانه وتعالى من حيث أن القرآن جاء صالحا لكل زمان و مكان والحكومة في الجوانب الشرعية ملزمة بتطبيق نصوص القرآن ونصوص الحديث المتواتر و تنظر لحديث الآحاد حسب صحته وضعفه ووضعه ولا تعمل به إلا اذا كان فيه مصلحة واضحة للإنسان … “
هذا الموقف الذي صدع به ولي العهد السعودي قد أثار جدلا كبيرا في الأوساط العلمية والفكرية داخل العالم الإسلامي وخارجه وأهميته تعود إلى كونه رأي قادم من المملكة العربية السعودية البلد الذي عرف عنه تمسكه الحرفي بالسنة النبوية واعتماده على المذهب الحنبلي أحد أهم مذاهب أهل السنة الذي قامت عليه دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب وتبنته المملكة منذ تأسيسها وهو مذهب يعلي من الشأن السنة النبوية ويمنحها مكانة متقدمة في عملية تشريع الأحكام من دون تفريق بين ما كان منها متواترا أو آحادا مع نصوص القرآن و يمنح أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم قيمة كبرى في حياة المسلمين لا تقل قيمة عن التزامهم بنصوص الكتاب.
واليوم إذ يصدع ولي العهد بمثل هذا الموقف من السنة النبوية ويجري تفرقة مهمة من حيث الحجية والإلزامية في التشريع بين ما هو حديث متواتر و ما هو خبر آحاد ويزيد بأن يؤكد على أن السنة المتواترة هي قليلة من حيث العدد مقارنة بأحاديث الآحاد ويحسم الأمر في خصوص إلتزام الحكومة مستقلا بتطبيق خبر الآحاد الصحيحة في وصورة واحدة وهي توافقها مع مصلحة الإنسان بما يعني رد الكثير من السنة النبوية متى رأى الاجتهاد الذي يعتبره لا يزال مفتوحا أنها تخالف المصلحة البشرية.
وتابع يقول ” متى ألزمنا أنفسنا بمدرسة معينة أو بعالم معين فهذا معناه أننا ألهنا البشر في حين أن الله سبحانه وتعالى والرسول صلى الله عليه وسلم لم يضع بينه وبين الناس حجابا . لقد نزل القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم يطبقه على الأرض وهذا يعني أن الاجتهاد يظل مفتوحا إلى الأبد ويقيني أن الشيخ محمد عبد الوهاب لو خرج من قبره ووجدنا نلتزم بنصوصه و نغلق عقولنا عن الاجتهاد ونؤلهه أو نضخمه لعارض هذا الأمر. اليوم لا توجد مدرسة ثابتة ولا يوجد شخص ثابت وكل فتوى وكل فهم يخضعان لزمانهما ومكانهما.
إذ يصدع ولي العهد بهذا الموقف وبكل هذه الجرأة التي لم نتعود عليها من مسؤول سعودي فإن ذلك يعني أن رياح التغيير القوية قادمة إلى هذا البلد الذي عرف بسلفيته المتشددة وبتبنيه مذهبا دينيا قد جلب فهمه من بعض الناس التطرف والغلو وقام على التكفير من تداعياته أن جلب إلى العالم الإسلامي التطرف والإرهاب فما يحصل اليوم مع هذا الموقف الذي أثار زوبعة كبرى فإن ولي العهد قد قدم رؤيته عن السعودية في سنة 2030 التي يراها قائمة على ضرورة الإصلاح الديني الحقيقي وضرورة الذهاب نحو إصلاحات فكرية واجتماعية عميقة تمكنها من مواكبة التطور الحاصل في العالم إذ من غير الممكن البقاء على نفس الرؤية الأولى التي تأسست عليها المملكة ولا تبني نفس الفلسفة الدينية التي رافقت بناء السعودية والمهم فيما قاله ولي العهد أن السعودية تحتاج اليوم إلى إصلاح حقيقي ومن الجذور لا إصلاحا شكليا يكون قادرا على هدم حصون التشدد والغلو الذي جلب الفكر التكفيري والنزعة الإرهابية التي أضرت بالدين وبالتاريخ وبصورة المسلمين، إصلاحا يمثل انفتاحا متوازنا يوازن بين التمسك بالدين في نصوصه الثابتة من قرآن وسنة متواترة وبين الانفتاح على الحريات وقيم الحداثة في مجالات الفكر والثقافة والفن والحريات الاجتماعية.
لقد فهم موقف ولي العهد من السنة النبوية وخاصة موقفه من خبر الآحاد وربطه في حديثه بين هذا النوع من أحاديث الرسول و ظاهرة الغلو في الدين والنزوع نحو التطرف والإرهاب على أنه تحويل السلطة السياسية مذهبها من المدرسة الوهابية الحنبلية إلى مدرسة القرآنيين التي تعلي من شأن نصوص الوحي ولا تعترف بالسنة النبوية التي لا تعدها مصدرا للتشريع . كما فهم كلامه على أنه يمثل انتصارا كبيرا للتيار الإصلاحي داخل المملكة ورموزه ومفكريه خاصة وأن الذي يقوده اليوم هو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يقول عنه وزير الخارجية الأمريكي ” أتوني بليكين ” بأنه سوف يقود بلاده لفترة طويلة وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تتعامل معه .”