نوفل سلامة يكتب: جولة جديدة من معركة مكانة الإسلام في الدستور… المنطلقات والغايات

الإسلام في الدستور

كتب: نوفل سلامة

ما يحصل اليوم من عودة الجدل حول الفصل الأول من دستور سنة 2014 وما نستمع إليه من تصريحات لمسؤولين سياسيين ومن شخصيات قريبة من السلطة يعبّر عن رغبة قوية جامحة تتجه نحو تغيير الفصل الأول من دستور سنة 2014…والتخلي عن عبارة “دينها الإسلام”

هو حلقة متواصلة من حلقات معركة قديمة جديدة و فصل جديد من فصول الصراع الفكري والسياسي والأيديولوجي بين خصوم تاريخيين بخصوص مكانة الإسلام في المجتمع التونسي وموقعه في الدولة ودوره في سن القوانين والتشريعات وتأثيره في الحياة العامة….

وهي معركة متواصلة رغم القول بأنها قد حسمت في سنة 2014 بالطريقة التوافقية التي سوف نعود عليها…

اندلاع المعركة

…بداية المعركة قد اندلعت فجر الاستقلال حينما تصدرت النخبة السياسية التي تولت الحكم وبناء دولة الوطنية عندما تم إلغاء نظام الملكية وإنهاء حكم البايات، والانتقال إلى تأسيس جمهورية على شاكلة الجمهوريات الأوروبية وكتابة دستور لها يقطع مع كل مظاهر وحياة مرحلة تونس الاستعمارية ومنظومة البايات، بظهور مشروعين مختلفين مشروع يعمل على تجذير تونس في محيطها العربي والإسلامي ويدعم ارتباطها بعمقها التاريخي والثقافي، ويتمسك بعناصر هويتها الثابتــة من ديـــن ولغـــة وتاريخ مشتــــرك…

ومشروع ثان حاول أصحابه فصل البلاد عن هويتها وعمقها العربي الإسلامي وإنشاء دولة على النمط الأوروبي منبهرة بما حققه الغرب من حداثة ونهضة وتقدم، فكانت معركة هوية الدولة في دستور 1959 التي أخذت حيزا كبيرا من النقاش والحوار مع المشروع الذي تقدمت به النخبة السياسية العلمانية التي يمثلها الرئيس الحبيب بورقيبة الذي اقترح في البداية مشروع دستور علماني لدولة علمانية صرفة لا مجال فيه لحضور الدين أو لتدخله في مجالات الحياة من خلال صيغة كان قد تقدم بها إلى المجلس القومي التأسيسي تقول إن “الشعب التونسي هو صاحب السيادة وأن الإسلام هو دين الدولة وأن العربية لغتها والدولة تضمن حرية المعتقد وتحمي حرية القيام بالشعائر الدينية ما لم يخل بالقانون « …

موقف للتاريخ…

ويرجح بعض المؤرخين أن تكون الصيغة النهائية التي وردت في دستور 1959 وتم الإبقاء عليها في دستور سنة 2014 هي من صياغة الأستاذ علي البلهوان المقرر العام للدستور في المجلس القومي التأسيسي ولكن هناك شهادات تاريخية أخرى تقول بأن الذي فرض هذا الفصل المتعلق بهوية الدولة في دستور 1 جوان 1959 هو الشيخ الشاذلي النيفر وقد كان وقتها عضوا بارزا ومؤثرا في المجلس القومي التأسيسي، بعد أن كانت النية متجهة في البداية نحو جعل تونس دولة لائكية حيث ذكر الشاذلي النيفر أن الوزير الباهي الأدغم قد قال له ” يا سي الشاذلي إن الرئيس بورقيبة يريدها لائكية ” فكان أن قايضته بفصلين آخرين كانت الحكومة تريد تمريرهما في الدستور بفصل ينص على أن الإسلام هو هوية الدولة مقسما له بأن الفصلين لن يمرا ما لم يمر الفصل الأول ذاكرا أنه قد استعمل علاقاته القوية بأفراد المجلس القومي التأسيسي للتوافق حول صيغة الفصل الأول على شاكلته التي تم إقرارها.

ولم تتوقف معركة مكانة الإسلام ودوره عند حد الدستور بل تواصلت مع كتابة مجلة الأحوال الشخصية ومع مسار توحيد هياكل الدولة ومؤسساتها في مجال القضاء والتعليم وإلغاء التعليم الديني وجعله مدنيا بالكلية وإلغاء القضاء الشرعي وجعله قضاء مدنيا موحدا لكل التونسيين بقطع النظر عن ديانة المتقاضين على خلاف ما كان عليه الحال قبل الاستقلال…

وتواصلت المعركة في أواسط الثمانينات وقبلها حول مسألة ما بات  يعرف بمعركة الحجاب وصيام رمضان.

معركة الهوية

وبعد الثورة ظهرت من جديد معركة الهوية وسؤال مكانة الإسلام في المجتمع وفي الدستور، ولكن بأكثر حدة وذلك بمناسبة كتابة الدستور الجديد للجمهورية الثانية وكان الصراع الهووي مداره احتجاجات في الشارع وداخل قبة مجلس نواب الشعب ظهر ذلك في الفصل الأول الذي كانت نية التيار العلماني متجهة نحو التخلي عنه ونية القوى الإسلامية التي تعمل على التوسيع فيه  لجعله مؤثرا بقوة في الحياة العامة، غير أن هذا الجدل قد انتهى بإقرار صيغة توافقية تم من خلالها الإبقاء على نفس النص القديم الذي تضمنه دستور 1959 مع إضافة فقرة مهمة تقول بأنه ” لا يجوز تعديل هذا الفصل”.

وإضافة فصل جديد وهو الفصل الثاني الذي ينص على أن تونس ” دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون ” وهكذا تم حسم صراع الهوية وإنهاء المعركة بخصوص هوية الدولة التونسية التي تم تعريفها على أنها دولة مدنية حرة ومستقلة ذات سيادة و الاسلام دينها …”

وبهذه التوليفة تم مصالحة الإسلام مع قيم الحداثة ومفاهيم الدولة العصرية وتم إنهاء كل اللبس حول مدى توافق الإسلام مع المدنية بل تم التأكيد من خلال القراءة المتكاملة للفصلين الأول والثاني على أن الدين الإسلامي هو دين مدني ويقر المدنية.

جدل المساواة

كما كان مجال المعركة الهوية من خلال الجدل حول المساواة بين الرجل والمرأة بعد طرح تصورين الأول يعتبر أن المرأة مساوية للرجل في الحقوق والواجبات والثاني يعتبر أن المرأة مكملة للرجل والرجل مكمل للمرأة وبالتالي لا أفضلية لأحدهما على الآخر  بمعنى أن الأصل هو التكامل وليس المساواة ولكن هذا الجدل الفلسفي والقانوني قد تم حسمه هو الآخر وإنهاء هذه المعركة بإقرار المساواة مبدأ عاما يحكم العلاقة والنظرة إلي الجنسين وذلك في الفصل 21 من دستور سنة 1914 الذي جاء فيه ” أن المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز “

وتواصلت معركة الهوية في الدستور من خلال مكانة اللغة العربية والانتماء إلى الفضاء العربي والإسلامي حيث طفح  الجدل من جديد  واشتد مرة أخرى بعد رفض القوى العلمانية هذا التصور لينتهي الخلاف مرة أخرى بإقرار الانفتاح على المجال المتوسطي وحضارات الأمم الأخرى وهو الأمر الذي تم إقراره في الفصل 39 من الدستور من خلال صيغة توافقية تقر أنه ” … على الدولة تأصيل الناشئة في هويتها العربية الاسلامية وانتمائها الوطني وعلى ترسيخ اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها مع الانفتاح على اللغات الاجنبية والحضارات الانسانية ونشر ثقافة حقوق الاسلام “

ولم يتوقف الصراع حول الهوية عند هذا الحد بل تواصل مع مسألة خطيرة أخرى أسالت الكثير من الحبر في وقتها وفتحت نقاشا لم ينته إلى اليوم في عقول النخبة العلمانية واليسارية وهو جدل يخص مكانة الشريعة الإسلامية في منظومة القوانين وسن التشريعات وحول ضرورة التنصيص في الدستور على أن يكون الإسلام هو المرجع الذي تستقي منه الدولة قوانينها وتشريعاتها بما هي فقه إسلامي واجتهادات العلماء ونصوص الدين المؤسسة من قرآن وحديث نبوي وتفسيرات وشروح فقهية وكانت الصيغة المقترحة هي أن يتم التنصيص على أن الشريعة الإسلامية مصدر أصلي أو أساسي أو هي مصدر من بين مصادر أخرى قد يلجأ إليها المشرع التونسي كلما احتاجت الضرورة إلى تشريع جديد وقد انتهى هذا الجدل الذي تجاوز مداه قبة البرلمان إلى الشارع و اندلاع مظاهرات واحتجاجات مضادة إلى التخلي عن تضمين فصل في الدستور يتحدث عن اعتبار التشريع الإسلامي مصدرا للتشريع وتعويضه بفقرة في توطئة الدستور وهي الفقرة الثانية منه التي تقر بـ ” تمسك الشعب التونسي بتعاليم الإسلام ومقاصده المتسمة بالانتفاخ والاعتدال وبالقيم الانسانية الكونية واستلهاما من رصيدنا الحضاري على تعاقب أحقاب تاريخنا ومن الحركات الاصلاحية ومكتسبات الحضارة الانسانية …” بهذه الصيغة الضمنية تم اقرار مقاصد الإسلام مصدرا من مصادر التشريع ومرجعا لقوانين الدولة.

معركة الفصل السادس

وآخر جولة في معركة مكانة الإسلام في الدستور كان ميدانها الفصل السادس الذي يتعرض إلى المعادلة المرنة بين حرية الضمير من ناحية بما هي حرية الفرد في أن يختار ما شاء من أفكار ورؤى ومعتقدات وبين تجنيب المقدسات الانتهاكات والنيل و حماية المعتقد من كل تعد عليها من ناحية ثانية واحترام إيمان غالبية الشعب وهو فصل جاء في صيغة توافقية حسم الخلاف حول الهوية مرة أخرى من خلال الاقرار صراحة بأن الدولة التونسية لها دين وهي راعية له ومحمول عليها أن تحمي مقدساته ورموزه المؤثرة من كل انتهاك أو تطاول أو سخرية أو النيل منها ومن خلال حمايتها حرية كل فرد في أن يؤمن أو يعتقد فيما شاء من دون اكراه بشرط أن لا تتحول هذه الحرية في الايمان إلى تعمد الإساءة  لمقدسات الشعب المسلم باسم حرية الضمير وفي المقابل لا يعني رعاية الدين من قبل الدولة أن يمنع الأفراد من أن يعتقدوا فيما يشاؤون من أراء وأفكار وعقائد طالما كان كل ذلك في كنف الاحترام والتسامح.

كان من المفترض أن تكون هذه المعركة حول مكانة الإسلام في الدستور قد حسمت من خلال كل هذه الجولات التي دامت ما يزيد عن نصف قرن من الصراع الهووي غير أن المفاجأة كنت مع عودة النقاش والجدال من جديد حول مكانة الإسلام في المنظومة القانونية وفي الدستور وحول مكانة الإسلام ودوره في المجتمع وفي علاقات الناس وأخلاقهم وذلك بمناسبة وصول الرئيس قيس سعيد إلى السلطة و الإعلان الرسمي عن كتابة دستور جديد لجمهورية جديدة يقطع مع كل ما تم انجازه خلال عشرية كاملة بعد الثورة. هذا المسار الجديد الذي يقترحه رئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيد وتقوده مجموعة من رموز اليسار الماركسي استعان بهم يعرف اختلافا بين مكوناته حول المنطلقات والبدايات مع واتفاق حول النهايات والمآلات.

منطلقات مختلفة لمآلات واحدة مشتركة  

من المهم التنبيه إلى أن الدعوة إلى كتابة دستور جديد يجب ما سبقه ويلغي كامل النص الأول الذي كتب سنة 2014 والرجوع عن بعض فصوله وخاصة الفصل الأول منه سواء بمحوه بالكلية والرجوع عن صيغته التي اتفق عليها الشعب التونسي أو بالتخلي فقط عن فقرة ” ودينها الإسلام ” هي دعوة وأن اشترك فيها الرئيس قيس سعيد مع بعض القوى الأخرى إلا أن منطلقات كلا منهما ودوافعهما مختلفة وهنا وجب التوقف عند مسألة مهمة وهي أن رهانات ومنطلقات الرئيس بالتخلي عن الفصل الأول هي ليست نفس منطلقات الطبقة اليسارية التي تساند هذا التوجه وهذه الفكرة بل هي مختلفة عنها تماما فالهواجس ليست هي نفسها…

مبررات الرئيس سعيّد…

فمبررات الرئيس قيس سعيد التي دعته إلى الذهاب نحو القول بأنه لا داع من التنصيص في الدستور على أن دين الدولة التونسية هو الإسلام أو أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، ومن ثمّ فإن الدستور الجديد حسب رأيه سوف لن يتضمن فصلا أو فقرة تشير إلى أن الاسلام هو دين الدولة نجدها في محاضرته المرجعية في فهم موقفه من هذه المسألة كان قد ألقاها بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس بمناسبة افتتاح السنة الدراسية 2018 / 2019 حيث بالرجوع إليها نجد فكرتين أساسيتين برر بهما الأستاذ قيس سعيد نظرته لمسألة مكانة الإسلام في الدستور. الفكرة الأولى هي أن الدولة ومفهومها قد ظهر حديثا لتشير إلى كيان معنوي غير طبيعي لا وجود لها حقيقة على أرض الواقع، وهي من صنع العقل البشري ابتكرها لتنظيم الحياة البشرية وبالتالي فإن هذا الكيان المعنوي لا يمكن أن يكون له دين وإنما الدين يكون للذوات الطبيعية لذلك فقد كان من الأولى حسب تحليله أن ننسب الإسلام للأفراد وللشعب ولا للدولة….

قال قيس سعيد خلال حضوره احتفالا دينيا في شهر أفريل من سنة 2022 أن الإسلام هو دين الأمة وليس دين الشعب وأن الدولة ذات معنوية مثل الشركات لا يمكن أن يكون لها دين ولا معنى من أن يكون لها دين “

والمبرر الثاني الذي يؤسس عليه الرئيس فكرته أن الدولة لا دين لها هي قراءته التاريخية وتحليله للأسباب والملابسات التي جعلت أغلب الدول العربية التي تأسست بعد حل الخلافة العثمانية وخروج الاستعمار من أراضيها تنص في دساتيرها على أن الإسلام هو دين الدولة هي القراءة التي تقول بأن الذي حصل كان من وراء مطلب القوى الاستعمارية التي فرضت على الحكام العرب أن تتضمن دساتيرهم هذا الفصل وبتدخل من قوى الخارج وهو إجراء مسقط لقناعات غربية الغاية منها كانت ايقاف المد الشيوعي من أن يصل إلى هذه البلدان وبهدف تحصين الشعوب العربية من الدعاية الماركسية . وبناء على هذا المعطى التاريخي الذي ينتصر إليه الرئيس وقدم له بشواهد من التاريخ عن تدخل قوى الهيمنة الغربية في كتابة الكثير من الدساتير العربية والإسلامية منها تدخل انقلترا مثلا في فرض هذا الفصل في الدستور المصري وهذا يعني أن المنطلقات التي ينطلق منها الرئيس قيس سعيد هي أفكار فلسفية ودستورية وتاريخية لا علاقة لها بالموقف الأيديولوجي من الدين.

وهذا يحيلنا إلى أن نتوقف قليلا عند غايات الصادق بلعيد منسق الهيئة الوطنية الاستشارية لإعداد دستور الجمهورية الجديدة و” جماعة الفقهاء الجدد ” الذين أوكلت إليهم مهمة  كتابة الدستور الجديد حيث صرح بلعيد في أكثر من وسيلة إعلامية أن النية متجهة نحو تغيير الفصل الأول من الدستور من خلال إلغاء عبارة ودينها الإسلام والتخلي عن الإسلام  كمرجعية للدولة وهذا التعديل حسب قوله هو ضروري لقطع الطريق أمام تكوين أحزاب على أساس الدين والتصدي للأحزاب ذات المرجعية الاسلامية على غرار حركة النهضة.

اختلافات

وهذا الاختلاف بين التوجهين، توجه الرئيس وتوجه الفقهاء الجدد يفيد أن منطلقات الرئيس قيس سعيد الذي قادت رؤيته و فكرته حول علاقة الإسلام بالدولة والتي ترجع صفة الإسلام إلى الشعب و الأمة لا إلى الدولة هي مقاربة فلسفية تاريخية قانونية وليس لها ارتباط بما يطرح من توجه علماني يراد اقراره في الدستور بغاية إقرار الفصل الصارم بين الدين والدولة كما تطالب به جماعة الفقهاء الجدد وهذا الموقف  يبرز نفس الرئيس في هذه المسألة و هو نفس إصلاحي غير محكوم بخلفية ايديولوجية ولا بموقف عدائي للدين وغير محكوم بمعركة مع الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية وإنما على العكس هو توجه يعتقد من خلاله الرئيس أنه يحرر به الإسلام من هيمنة المركزية الأوروبية للمعرفة ويفك به الارتباط مع هيمنة الغرب في الفكر السياسي وإنهاء التبعية المعرفية للغرب وهي معركة يخوضها اليوم قيس سعيد في الكثير من المجالات وقد رأينا فصلا منها في رده على تقرير هيئة البندقية حينما قدمت موقفها من التمشي السياسي من مسار 25 جويلية 2021 والتي تراه هيئة  البندقية مخالفا للمواثيق الدولية للديمقراطية والقضايا الدستورية..

نفس ايديولوجي عدائي؟

في مقابل هذا النفس الإصلاحي للرئيس قيس سعيد والخلفيات الفكرية التي حكمت موقفه من المسألة نجد منسق الهيئة الوطنية الاستشارية لكتابة الدستور الصادق بلعيد وجماعة الفقهاء الجدد يحكمهم نفس ايديولوجي عدائي الدين عامة ونفس فيه مواصلة لخصومة قديمة مع التوجه الإسلامي للبلاد  وإتمام لمعركة خلنا أنها قد انتهت ويراها الفقهاء الجدد أنها لم تكتمل وهي خصومة تتواصل اليوم مع الدستور بدعوى محاربة حركات الإسلام السياسي وأبرز مكوناته حركة النهضة كما صرح بلعيد ومن أجل قطع الطريق أمام التطرف الديني ومعارضة توظيف الدين لأغراض سياسية والمتاجرة به على حد تعبيره.

ومهما يكن من أمر فإن اختلاف المنطلقات والبدايات واختلاف النفس العميقة لكلا من الرئيس وجماعة الفقهاء الجدد من بعض رموز اليسار لم يمنع من أن تكون نتيجة هذا الموقف من مكانة الإسلام في الدستور واحدة ومآلات هذا التمشي  هي نفسها وهي التخلي عن هوية الدولة التي لازمتها لأكثر من نصف قرن والتخلي عن تعريف الدولة التونسية بصفتها التي عرفت بها شعبها كونها دولة تنتمي الى فضاء عربي إسلامي له تاريخ مشترك له ماض ومصير واحد مع فارق جوهري وهي أن الجماعة اليسارية التي تدى اليوم الفقهاء الجدد يعتبرون أن الإسلام عبء عليهم وهو في نظرهم عبء معطل نحو تحقيق حلمهم تكوين دولة علمانية بقيم ماركسية وفكر شيوعي وإن تحايلوا على هذا الشعب وسوقوا لما يقومون به على أنه حداثة وتنوير ونهضة وتقدم.