نوفل سلامة يكتب: حديث ” لا عدوى في المرض ” وأزمة العقل المسلم

كتب: نوفل سلامة
صادف أن شاهدت في إحدى القنوات الخاصة التي تنشط على شبكة التواصل الاجتماعي الفايس بوك برنامجا يسائل المارة في إحدى الأسواق الأسبوعية حول السبب الذي يجعل التونسيين يتحفظون في وضع الكمامة للتوقي من مخاطر انتشار فيروس كورونا….
فاستوقفني جواب إحدى المستجوبات وكانت امرأة تلبس الحجاب الشرعي ويبدو عليها مظاهر اليسر و الانتماء إلى مستوى تعليمي محترم من خلال حديثها حيث صرحت أنها ترفض وضع الكمامة على وجهها للتوقي من تنقل الفيروس ولحمايتها من العدوى واستدلت في ذلك على أن لا عدوى في الشرع وأن الدين لا يعترف بتنقل المرض من خلال العدوى وأن الرسول الأكرم قد أنكر العدوى في المرض في حديثه الذي جاء فيه ” لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا سفر ” وهو ما يفسر حسب رأيها كيف أن أفراد عائلة واحدة البعض منهم يمرض والبعض الآخر لا يناله شيء من المرض…
ثقافة دينية مشوشة..
ما يقلق في هذا الكلام لهذه السيدة التي تستشهد بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يُفهم منه أنه لا يقر انتشار المرض من خلال العدوى أنه خطاب يكشف عن ثقافة دينية مشوشة ومعرفة دينية مبتورة ويعكس نوعية من الذهنية المعطوبة ويؤكد أننا نعيش أزمة عميقة في العقل المسلم والخطاب الديني المعاصر.
الخطير في حديث هذه المرأة وهي عينة من الناس الذين يرفضون التقيد بالتوصيات الطبية أنه مبني على معلومات دينية مبتورة وعلى فهم أعرج أعوج لا يأخذ من الحقيقة إلا نصفها ليقوم بتوظيفها والاعتقاد فيها عن جهل وتلك مصيبة الكثير من عامة المسلمين…
ما غاب عن هذه المرأة التي تتحدث بكل وثوق وكأنها قد صدعت بحقيقة غير معروفة أن المسألة لا تفهم بهذه البساطة ولا كما قدمت حيث أن مسألة انتقال العدوى في المرض في زمن الإسلام المبكر قد نقلها إلينا الصحابي أبو هريرة الذي روى الحديث وخلافه والرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وضدها بما يعني أن نفس الصحابي أبو هريرة هو الذي روى حديث ” لا عدوى ولا طيرة … ” و هو نفسه الذي روى عن سيد الخلق دعوته إلى عدم مخالطة المريض بالجذام مخافة العدوى حينما قال ” وفرّ من المجذوم كما تفر من الأسد ” وهو نفسه الذي روى حديث ” لا يورد ممرض على مصح ” أي لا يخالط الرجل الصحيح المريض ولا تخلط الدواب الأصحاء بالدواب المريضة مخافة العدوى.
وكل هذه الأحاديث رواها البخاري ومسلم وغيرهما وهي أحاديث في ظاهرها متعارضة قد يبدو متضاربة فكيف عولجت هذه المسألة ؟ وكيف تعامل علماؤنا القدامى مع حقيقة اختلاف الأحاديث في موضوع العدوى؟
حقائق قائمة…
في الحقيقة بالرجوع إلى كل هذه الروايات المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ودراستها والتأمل في مضمونها ننتبه إلى أن علماءنا القدامى لم يحسموا فيها ولم ينهجوا نهج رفض بعضها وقبول بعضها الآخر بناء على أن البعض منها مناف للحقيقة الطبية ومعارض للحقيقة العلمية الثابتة التي تقول بأن هناك نوع من الأمراض يتم نقل العدوى فيها من خلال الاختلاط بالمريض من دون أخذ الاحتياطات اللازمة وإنما قاموا بعملية توفيق وتأليف بين كل هذه الأحاديث لإظهار التجانس بينها ونفي التعارض عنها فقالوا بأن حديث ” لا عدوى ولا صفرة ولا هامة. فقال أعرابي : يا رسول الله : فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها ؟ فقال : فمن أعدى الأول ؟ هو حديث خاص جاء في سياق بداية الإسلام والعرب قريبي عهد بالجاهلية التي لا تؤمن بوجود خالق مؤثر في المخلوقات فكان لا بد من تصحيح العقيدة وهو إثبات أن الفاعل الأصلى هو الله وفي سياق سياق نقاش دار بين الرسول وأحد الأعراب حول حدوث العدوى في صفوف الحيوان وفي سياق التجربة العملية والخبرة الحياتية وهو رأي قد قاله الرسول من منطلق معرفته بحياة الحيوان ولا من منطلق الوحي والإلهام الإلهي وهو رأي يخضع للتجربة ويقبل بالخطأ والصواب كما هو الحال في حديث تأبير النخل أي تقليمها لإعطاء انتاج أكثر فقال لمن سأله ” لا أظن يغني ذلك شيئا ” فترك المسلمون تأبير النخل فجاء الإنتاج ضعيفا فأخبروا الرسول بالنتيجة فقال لهم ” إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن …”
وفي نفس هذا المنطق الذي توخاه العلماء القدامى في محاولة التوفيق بين هذه الأحاديث وخاصة عدم رد حديث ” لا عدوى ولا طيرة …” على اعتبار أن هذا الحديث لا يفهم على ما ظنت العامة وفهمته من أن الشرع لا يقر انتقال العدوى وإنما القصد من هذا الحديث هو اقرار العدوى بأنها لا تؤثر بذاتها وإنما بقدرة الله وإرادته هي التي تؤثر وتجعل المريض مريضا والصحيح صحيحا فهو حديث جاء يتحدث عن المؤثر الأول وهي مسألة في الاعتقاد لجعل المسلم يؤمن بان الفاعل الأول في الاشياء والمخلوقات والوجود هو الله سبحانه وتعالى وأن القرار يتفرد به الله فهو المؤثر في كل شيء حتى في المرض وفي انتقاله من شخص إلى آخر فهذا الحديث سياقه مسألة في الاعتقاد لا العمل و مقصده وغايته ارجاع كل ما يحصل لنا إلى الصانع الاول والخالق للوجود فالمقصود منه نفي تأثير المرض بمعزل عن إرادة الله لأنه لا ممرض إلا المولى عز وجل ، أما في باب العمل فان الشرعي قد أثبت العدوى ذلك أن الله كثيرا ما يخلق المرض عند التقاء الصحيح مع المريض وعلى هذا فقد أمر الشرع بأن نتخذ بالأسباب وأن نلتزم الحيطة وأن نحتكم للتجربة والخبرة وأن نأتمر بما يقوله العارفون والعلماء في مجالاتهم كما هو الأمر في المرض حيث لم ينزل الله داء إلا وقد أنزل معه دواء وهذا حث على العلم والبحث والتجربة حتى نجد لكل علة دواءها وكما في موضوع الرزق فقد حثنا الله على العمل و الكد وبذل الجهد والسعي في الأرض رغم علمنا بأن الرزق من الله وعلى هذا فقد حاول علماؤنا من خلال هذه القراءة وهذه الرؤية القول بأنه لا تضارب ولا تعارض بين الروايتين وأن لكل نص حديثي مجاله وميدانه وسياقه فحديث ” لا عدوى ولا طيرة … ” يركز على أنه في الاعتقاد كل المكاره مقدرة من الله وهو وحده المؤثر فيها وفي مجال العمل والحياة فنحن مأمورون بأن نتخذ بالأسباب ونلزم الحيطة ونأتمر بما يقوله أهل الخبرة والمعرفة والعلم وعلى هذا فإن الحديثين يكملان بعضهما بعضا لكن جهل الناس هو الذي جعل البعض يروج لحديث نبوي دون غيره عن جهل وقلة معرفة ودون دراية بالأحاديث النبوية الأخرى المثبتة للعدوى مما أنتج ثقافة مشوهة تسيء للدين أكثر مما تنفعه. فالاختلاط يؤثر والتقاء الشخص الصحيح بالشخص المريض ينقل العدوى لذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن لا يلتقي الشخص الصحيح بالشخص المريض وقال ” لا يورد ممرض على مصح ” و طلب بأن نهجر المريض بمرض الجذام وبأن لا نختلط به مخافة العدوى وانتقال المرض للشخص الصحيح فقال ” فرّ من المجذوم فرارك من الأسد ” .
لبس في الفهم
قلنا بأن اللبس الذي وقع فيه الكثير من المسلمين بخصوص هذه الأحاديث هو في عملية التوفيق التي قام بها علماؤنا القدامى وفي القراءة التراثية التي سعت إلى ” التلفيق ” و نفي التعارض بين النصوص ومحاولة التأكيد على وجود التلازم والتكامل بين الأحاديث حينما اعتبروا أن حديث ” لا عدوى ولا طيرة … ” إنما هو حديث مخصوص تعلق بالجانب الاعتقادي في حدوث الأشياء و رد كل التأثير إلى الله من دون نفي انتقال المرض بالعدوى الذي أثبتته أحاديث كثيرة أخرى وهي محاولة اعتبرت في نظر بعض مفكري الإسلام المعاصرين متعسفة ومقلقة ولم تحسم الإشكال في فهم النص الديني وهذا الاتجاه الفكري يعتبر أن الاتجاه الغالب في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم هو إقراره بوجود العدوى في المرض وتنبيهه إلى خطورة المخالطة بين الناس في انتقال المرض ونصحه بالتوقي من الاختلاط مخافة انتقال المرض كما جاء في حديث ” المجذوم ” وحديث ” لا يورد ممرض على مصح ” وحديث ” إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها و إذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها ” مخافة المرض وانتقال العدوى وهو إقرار على أن الوباء ينتقل بالاختلاط والتلاقي والمباشرة وهذا ما جعل جريان العمل في عهده وبعد وفاته أن يقع عزل المرضى بالطاعون في أماكن معزولة لفترة من الزمن حتى تنكسر حلقة العدوى .
المشكلة في كون العلماء لم تكن لهم الجرأة العلمية في الحسم في مثل هذه الأحاديث المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تبدو في ظاهرها مخالفة للمنطق الصحيح والعلم الثابت وجرأتهم على استبعاد أحاديث نبوية من دائرة التدين لضعف مضمونها المعرفي والعلمي حتى وإن كان سندها صحيحا وفق منهج علم التجريح والتعديل. فحديث ” لا عدوى ولا طيرة ..” وإن كان لا ينفي العدوى في المرض ولا ينفي انتقال المرض بالمخالطة وإنما جاء ليقر مسألة اعتقادية تثبت أن الفاعل الأصلى والمؤثر المباشر هو الله وحده وأن المرض لا يؤثر لذاته وإنما تأثيره يكون بإرادة الله وقدرته ، إلا أنه يثير إشكالا آخر في علاقة بنفي قاعدة السببية وهي قاعدة علمية تقول بأن هناك أسباب موضوعية تؤدي إلى نتائج موضوعية وأن السبب قانون كوني وهو أن نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج وهو الأمر الذي أثبته القرآن الكريم في قصة ذي القرنين ” إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا ، فاتبع سببا ” الكهف / 44 و 45 وفي موضوع الحال فإن عملية الاختلاط بين البشر في زمن الوباء والأمراض المعدية من دون اتخاذ بأسباب التوقي والتزام الحيطة وإتباع توجيهات العلماء المختصين نتيجته انتشار العدوى وانتشار الوباء وكثرة المرضى والوفيات.
معرفة مبتورة…
ما أردنا قوله هو أننا نعيش في هذا الزمن أزمة فى العقل المسلم الذي عششت فيه الكثير من الثقافة الدينية المشوشة والمعرفة المبتورة وأزمة في الخطاب الديني الأعرج الذي عجز عن تقديم ثقافة دينية صحيحة ومتكاملة ونعيش أزمة علماء فقدوا الجرأة العلمية للحسم في الكثير من القضايا ومالوا إلى طريقة التلفيق والتوفيق بين النصوص بطريقة متعسفة فأنتجوا معرفة وثقافة دينية متهافتة متهالكة لا تصمد كثيرا فعملية التعسف في الفهم هي التي جعلت من أمثال المرأة المستجوبة تقول عن جهل بأن الشرع ينفي العدوى وبالتالي لا ضرورة من وضع الكمامة وهي تعتقد في كون الشرع لا يقر العدوى في المرض وهي تتوهم أنها بهذا السلوك فإنها تتقرب إلى الله وتكون أكثر تقى من غيرها الذي لزم النصائح العلمية والتعليمات الطبية . أنه عالم مجنون وعالم يعم المسلمين دون غيرهم جهل مركب وتلك مصيبتنا وقاصمة ظهورنا.
ما أردنا قوله أن هذا الحديث تم توظيفه عن خطأ وجهل من خلال إقرار الخضوع لمبدأ القضاء والقدر وحده دون تدخل أسباب موضوعية أوجدها الله ودعانا أن ننتبه إليها وأن نأخذ بها والحال أنه الرواية ذاتها لا تنفي العدوى وإنما تبت وجودها وتقر بموجبها.