نوفل سلامة يكتب: حراك 25 جويلية أو الرئيس في مواجهة ‘الكارتلات’

كتب: نوفل سلامة  

حينما بدأ بعد الثورة الحديث عن موضوع الفساد وتعالت الأصوات بكثافة على ضرورة محاربة الظاهرة التي تمددت في المجال واتسعت رقعتها لتصل إلى كل مفاصل المجتمع أصبح النقاش منصبا حول الكيفية التي تجعل المجتمع يرفض التعايش معها ولا يقبل بها وحول محاسبة الفاسدين الذين إزداد عددهم في السنوات الأخيرة وخرجوا عن الصورة النمطية القديمة…

ظهر مصطلح ” جماعة الكونترا  التي تستعمل الاقتصاد الموازي وتنشط سوقا تجاريا خارج عن سيطرة الدولة وبدأنا نلمح في الإعلام وفي التحاليل السياسية في منابر الحوار استعمال مصطلحات أخرى من قبيل لوبيات الفساد وعائلات متحكمة في المال والاقتصاد هي من تحكم من وراء ستار… وعن شبكات تهريب منظمة لها علاقة وتشابك مع رجال أعمال وسياسيين نافذين في أجهزة الدولة وبدأنا نكتشف جود أخطبوط خطير متكون من شبكة علاقات و مصالح مترابطة يجمع بينها المال والأعمال وتحقيق الربح ومع تقدم السنوات وتعدد الحكومات بدأ الحديث عن وجود مافيات تدير و تتحكم في مسالك توزيع المواد الغذائية والتجارية وتسيطر على النشاط الاقتصادي ولها أذرع ممتدة في كافة أجهزة الدولة من قضاء وأمن وإدارة ومؤسسات مالية…
ولكن الجديد هذه المرة في ظاهرة الفساد في تونس وكل محاولات المقاومة والمواجهة من أجل التقليل من منسوبه لخطورته على المجتمع والحياة السياسية بكل مكوناتها من إعلام وأحزاب وجمعيات ونقابات بعد أن تزعم قيس سعيد المشهد السياسي اثر قدومه إلى قصر قرطاج وإعلانه في كل خطبه… وفي كل ظهور إعلامي أنه قد أعلن الحرب على الفساد والمفسدين وخاصة بعد التدابير الاستثنائية التي اتخذها يوم 25 جويلية والتي كانت خطوة وراءها شعار كبير لمقاومة الفساد وإنهاء نشاط كل من تحوم حولهم شبهات وما يعرف اليوم بسياسة التشديد على المحتكرين أو ما سمي
بـ«المخازنية ” أصحاب أجهزة التبرير التي تخزن فيها الغلال والخضار واللحوم والكثير من المواد الغذائية بقصد المضاربة بها والترفيع في أسعار بيعها ..

مواجهة ‘الكارتلات’

الجديد هذه المرة هو ظهور مصطلح جديد في الحديث عن محاربة الفساد ومحاربة المفسدين هذا المصطلح هو ” الكارتلات ” الذي ظهر استعماله في سياق ارتباطه بموجة الشعبوية التي كثر الحديث عنها مع حراك 25 جويلية وفي سياق مرتبط بما أعلن عليه قيس سعيد من حرب على شركات إنتاج الحديد وصناعته التي تعمد أصحابها حسب قوله إخفاء هذه المادة وسحبها من السوق بغاية خلق أزمة في قطاع البناء تؤدي إلى إرباك الدولة وإلى ارتفاع الطلب على مادة الحديد للوصول الى نتيجة وهي الترفيع في سعره ومن ثم تحقيق المضاربة والربح…
والحديث عن الكارتلات اليوم واستعمال هذا المصطلح لم يكن اعتباطيا ولا مجانيا وإنما له مدلوله الحقيقي والواقعي إذا ما علمنا أن أزمة الحديد الأخيرة لم يكن وراءها ما تم التسويق له إعلاميا رجل أعمال واحد ولا شركة واحدة منتجة للحديد وإنما الأزمة في الحقيقة وراءها سبع شركات خاصة تحتكر صناعة مادة الحديد وتسيطر على هذه السوق في إطار ما سمي ” بكارتال الحديد ” وهو عبارة على تحالف وتفاهم غير معلن بين أصحاب هذه الشركات الخاصة ولكنه موجود فيما بينها للسيطرة على الإنتاج والتحكم في التوزيع وتنظيم السوق بطريقة يقع فيها اقتسام النشاط والتحكم في سعر البيع وتنظيم المنافسة وتحديد قواعد لعبة لا تتعدى أي شركة فيها على حصة شركة أخرى وهو كارتال اتفق الشركاء فيه على تحديد العرض من المنتج من أجل رفع سعره لزيادة ربح الجميع فيه.
الخطير اليوم فيما سمي بأزمة الحديد أو بحرب الرئيس على أصحاب المخازن هو في الانتقال من الحديث عن فساد الأفراد والجماعات و الأحزاب والمنظمات ومن الحديث عن الفساد الصغير الذي لا يتعدى ظاهرة الرشوة والعمولة لقضاء حاجة أو تحقيق خدمة شخصية إلى فساد أكبر مما هو موجود في المجتمع يشمل جهات مالية نافذة ومؤسسات وراءها مشاريع حيوية تتحكم في اقتصاد وتجارة البلاد ولها رابط وثيق بقوت المواطن وعيشه…
الخطير في عملية التعود السلسة التي خضع لها المجتمع من أجل الاعتراف بالواقع الجديد وقبوله على أنه حقيقة لا مفر منها بل هي ضرورية لمواصلة العيش…
ماهي الحلول؟
الخطير أن محاربة الفساد التي انطلق فيها قيس سعيد من خلال مداهمة الأماكن التي توجد بها مخازن المواد الغذائية وكل المنتجات الضرورية للشعب والتي تحول دورها من تخزين مواد استراتيجية بغاية توفير هذه المواد في وقت الأزمات وفي زمن الحاجة وحينما يقل الانتاج لتعديل السوق وتدارك النقص إلى وسائل للاحتكار وخلق أزمة نقص المنتجات بغاية خلق حالة من الطلب المكثف عليها ومن ثم الترفيع في أسعارها لتحقيق الربح بطرق ملتوية مضرة بحياة المواطن..
إن الخطير أننا أصبحنا اليوم نتحدث عن الفساد من وراء تحالف جهات نافذة ماليا من أجل الاحتكار والمضاربة وخلق أزمة في المجتمع هي من قبيل التآمر على الشعب في حياته وغذائه وقوته كان قد نبه إلي خطورتها الاقتصادي الأمريكي ” أدم سميث ” في كتابه ثروة الأم حينما اعتبر أن الحرب القادمة هي مع هؤلاء المحتكرين ومع كارتلات المضاربة الذين لا هم لهم إلا تنظيم المنافسة الاحتكارية لتحقيق المزيد من الأرباح وجمع الثروة على حساب عيش الناس وحياتهم…
والسؤال اليوم هل أن طريقة محاربة قيس سعيد لهذه الكارتلات التي تتحكم اليوم في كل شيء وتمتلك من القوة ما يجعلها قادرة على مقاومة عنف الدولة لها هي طريقة ناجعة وسليمة؟
وهل يقدر رجل بمفرده مع تسليمنا بحسن النية وصفاء الغاية أن يحارب مجموعات اقتصادية قوية متكتلة ومتضامنة فيما بينها؟
وكيف السبيل إلى تحقيق نتيجة ايجابية في هذه الحرب الجديدة على الفساد من دون الإضرار بمنظومة الانتاج ومن دون أن تتحول محاربة الفساد إلى عملية انتقائية انتقامية من أجل الابتزاز وإرهاب الخصوم السياسيين المرتبطين برجال المال والأعمال؟