نوفل سلامة يكتب/ حرب أوكرانيا: الأسباب، التداعيات، المخاطر والمآلات المرتقبة

حرب أوكرانيا

كتب: نوفل سلامة

مواكبة لما يحدث في العالم الغربي من حرب مدمرة هي الأولى بعد الحرب العالمية الثانية في خطورتها وفي حجم الخسائر المادية والبشرية المرتكبة…

وتداعياتها على حياة الشعوب والنظام العالمي الذي يحكم العالم المعاصر والذي يعرف اليوم تهديدا بعد الغزو الروسي على أوكرانيا وما رافقه من تدمير للمباني والمنشآت بعد دخول القوات الروسية التراب الأوكراني…

تحرّك عسكري روسي واجهته أمريكا ومن ورائها أوروبا والحلف الأطلسي بترتيب عقوبات اقتصادية على موسكو وبدعم للرئيس كبير للرئيس زيلينسكي وتكثيف المساعدات المادية والإمدادات بالسلاح والعتاد العسكري للجيش الأوكراني…

تداعيات الحرب

وفي محاولة لفهم تداعيات هذه الحرب على حياة الشعوب وخاصة الشعوب الفقيرة والدول المرتبط أمنها الغذائي والطاقي بهذه القوى المتصارعة وخاصة منطقة المغرب العربي وتحديدا تونس التي لها علاقات تجارية مع كل من روسيا وأوكرانيا، واستشرافا لما من شأنه أن يؤثر على استقرار هذه الشعوب وتجنيبها هزات اجتماعية غير متوقعة بعد أن بدأ تأثير هذه الحرب يظهر وبدأت الأمور تصعب في حصول الشعوب على غذائها وأساسيات حياتها…

ندوة فكرية

خصصت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات يوم السبت 24 سبتمبر الجاري ندوة فكرية حول الحرب في أوكرانيا وانعكاساتها على المجال الأوروبي وعلى الفضاء المغاربي وعلى تونس تحديدا أثثها كل من الإعلامي والكاتب المنصف السليمي الذي يشغل الآن خطة مدير تحرير في شبكة ” دويتشه فيلا الألمانية ” وهو رئيس ومؤسس للمؤسسة الألمانية المغاربية للثقافة والإعلام والسيدة آسيا العتروس الإعلامية بدار الصباح والخبيرة في الشؤون العربية والدولية وتولى إدارة الحوار والنقاش الإعلامي كمال بن يونس رئيس مؤسسة ابن رشد للدراسات الاستراتيجية والباحث في التاريخ والعلوم السياسية والدراسات الدولية.
في هذا اللقاء تمت العودة للحديث بإطناب كبير وبتحليل مستفيض عن الأسباب الخفية والمعلنة للحرب والغايات المباشرة وغير المباشرة لهذا الصراع المسلح بين قوى كبرى في العالم، حيث تطرق الأستاذ المنصف السليمي في مداخلته إلى الأسباب المباشرة والمتمثلة أساسا في رفض روسيا خروج الغرب عن الاتفاق بعدم توسيع حلف الناتو وعدم السماح بانضمام دول أخرى إليه كانت في السابق محسوبة على الاتحاد السوفياتي، ومن ضمن حدود روسيا التاريخية الأمر الذي أعلنت عنه اوكرانيا التي أعربت عن نيتها الانضمام إلى حلف الناتو وفك ارتباطها عن روسيا…

تهديد مباشر لروسيا

الخطوة التي اعتبرتها موسكو تهديدا مباشرا لأمنها القومي خاصة وأن الامدادات الروسية من الغاز الطبيعي الموجه إلى أوروبا تمر عبر الأراضي الاوكرانية بما يعني أن العامل الاقتصادي كان محددا في اتخاذ بوتين قرار الحرب، واحتلال أوكرانيا وإزاحة زيلينسكي عن السلطة وتغيير نظام الحكم وهذه الفكرة تدعمت أكثر بعد الاتفاق الاستراتيجي الذي أبرمته ألمانيا مع روسيا لتأمين احتياجاتها من الطاقة وخاصة من مادة الغاز الطبيعي الخطوة التي رأت فيها الولايات المتحدة الأمريكية تعزيزا للقوى الآسيوية الصاعدة ودعما للحلف الروسي الصيني الهندي…

صراع كبار العالم

إلى جانب العامل الاقتصادي البارز في الحرب وإلى جانب أن المعركة في حقيقتها هي معركة بين قوى عظمى تتصارع حول من يتحكم في إمداد العالم بالطاقة وحول من يتحكم في بيع وتوزيع الغاز الطبيعي و البترول ومن يتحكم في إنتاج القمح ومشتقاته أي في من يتحكم في توفير الأمن الغذائي للشعوب…
فإن للحرب التي تقع اليوم بين روسيا وأوكرانيا وجها آخر خفي قليلا ما يتم ابرازه أو تداوله إعلاميا يتمثل في رغبة روسيا والصين الجامحة في تغيير النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية والذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية والحرص من قوى كثيرة صاعدة اقتصاديا فك ارتباطها بمنظومة العولمة التي تحكم العالم وتتحكم فيها أمريكا وبعض دول القارة العجوز، فما قام به بوتين حسب هذه الرؤية يرمي في العمق إلى الخروج عن النظام السياسي والاقتصادي والمعرفي الذي يحكم العالم ويفرض على بقية دول العالم أن تنقاد له ويبرز هذا المنحى الحضاري للحرب في تصريحات كثيرة لمسؤولين من روسيا والصين في أن الحرب في أوكرانيا سوف تنهي النظام العالمي القديم نحو تشكيل نظام عالمي جديد يخرج عن القطبية الواحدة ويؤسس لتعدد الأقطاب غير المتصارعة تمثله قوى صاعدة في آسيا وأمريكا الجنوبية.

نظام عالمي جديد؟

من الأسباب الخفية الأخرى لهذه الحرب إلى جانب الرغبة في بناء نظام عالمي جديد يكون أكثر عدلا للإنسانية وأكثر مساواة بين الدول الغنية والدول الفقيرة يظهر العامل الديني والسبب العقائدي من خلال الصراع القديم الجديد بين الكنسية الأرتدكسية الروسية والأوكرانية حول من يمثل الأرتدكس في العالم وهو صراع ديني ظهر منذ سقوط القسطنطينية ويعد عاملا مهما في الصراع وإن كان خفيا ومهمته أبرز في التعبئة الجماهيرية وإضفاء الشرعية الدينية على الحرب وهي الصورة التي حاول بوتين تسويقها وإظهارها للعالم من خلال زياراته المكثفة للكنيسة الأرتدكسية في موسكو وتعمده طلب المباركة من الأسقف الأرتدكسي.

صراع منابع الطاقة

هذان العاملان الخفيان وإن كانا مهمان في فهم ما يجري من حرب بين روسيا وأوكرانيا إلا أنهما ليسا السبب المباشر ولا المحدد للحرب وإنما هما بمثابة المحفزات على الحرب ليبقى العامل الاقتصادي هو المحدد الرئيسي وهو الصراع حول من يتحكم في تزويد العالم بالطاقة ومن يتحكم في الاقتصاد العالمي من خلال إمدادات الطاقة والغذاء وأمريكا اليوم قد دخلت الحرب من وراء الوقوف إلى جانب أوكرانيا من أجل العودة إلى تصدر قيادة العالم بعد أن تراجع دورها وحضورها على حساب قوى صاعدة أخرى ومن أجل أن تكون في السنوات القادمة البلد الرئيسي في توفير الطاقة لأوروبا بدل روسيا .
المفيد والمهم في هذه الحرب هو تداعياتها الخطيرة على الكثير من المناطق في العالم وخاصة تأثيراتها المباشرة على أوروبا وعلى العالم العربي و على المنطقة المغاربية وعلى تونس تحديدا والنتائج التي ستسفر على بقاء أو عدم النظام العالمي الحالي.

كيف ستنتهي الحرب؟

من المؤكد أن لا أحد بمقدوره أن يتكهن بنهاية هذه الحرب أو كيف ستنتهي ولكن من المؤكد أنها تشهد اليوم تطورات كبرى وانعطافة غير متوقعة على الأقل بالنسبة للجانب الروسي الذي على ما يبدو كان يتصور أنها سوف تكون حربا خاطفة وسريعة ولن تدوم إلا لبضع أسابيع حتى يسقط النظام الأوكراني ولم يكن يتوقع أنها سوف تكون حربا طويلة ومنهكة وتحتاج إلى نفس طويل وعدة وعتادا كبيرين…
خاصة وأن الجانب الأمريكي قد لعب على تمديدها وعمل على جر الروس إلى حرب طويلة تستنزف فيها كل قوى بوتين وهذا المنعرج الذي تشهده الحرب بعد أن استعادت القوات الأوكرانية المبادرة وبدأت في قلب معادلة الصراع و استرجعت الكثير من المناطق التي اجتاحها الجيش الروسي وأصبحت تتحكم في مجريات الحرب و تبادر بالهجوم  وتخلت على طريقة الدفاع و رد العدوان وبعد أن تكبدت القوات الروسية الكثير من الخسائر خاصة في مستوى المعدات التقليدية التي استهلكها الرئيس بوتين بالكامـــل.
هذا التطور الأخير في ميدان القتال هو الذي جعل بوتين يستدعي جيش الاحتياط ويعلن التعبئة العامة للقتال في صفوف الشباب الذي كان رافضا للحرب وغير موافق على الالتحاق بجبهات القتال في عملية وصفت على أنها تصدع في الجبهة الداخلية الروسية التي على ما يبدو لم تكن متجانسة ولا متحدة مع الموقف الرسمي ولم تكن موافقة على خوض حرب مع شعب له جذور وارتبطات عائلية وقرابة ونسب في روسيا وعلى دولة كانت في يوم من الأيام ضمن ما يسمى بروسيا التاريخية.

عالم جديد

في كل الحالات سواء انتصرت روسيا في هذه الحرب أو خرجت منها منهزمة فإنه من المؤكد أن النظام العالمي الحالي سوف يشهد تغييرا نحو تشكل عالم جديد إما أن  تعود فيه الولايات المتحدة إلى القيادة لتصبح هي المزود الرئيسي للطاقة وخاصة مادة الغاز الطبيعي إلى الدول الأوروبية وذلك في صورة خروج روسيا منهزمة من هذه الحرب، وبذلك يتم تقزيم دورها وحضورها و في صورة خروج روسيا منتصرة فإن نظاما عالميا جديدا سوف يبرز ولكن هذه المرة سوف يكون متعدد الأقطاب وسوف يتشكل من أربعة أو خمسة أقطاب كبرى غير متصارعة.  
وفي موضوع نتائج وتداعيات الحرب الروسية الاوكرانية على الفضاء الأوروبي والمنطقة المغاربية وعلى تونس تحديدا فقد تم في هذه الندوة التأكيد على أن الدول الأوروبية سوف تتضرر كثيرا من توقف تدفق الغاز الطبيعي وتوقف امداداته وسوف تعرف شتاء قاسيا في علاقة بعدم توفر الكميات اللازمة من الغاز الطبيعي المخصص للاستعمال المنزلي  بما يعني حصول متاعب وصعوبات كثيرة بالنسبة للمواطن الأوروبي في علاقة بالتدفئة المنزلية والاستعمالات الأخرى بعد أن تراجع أو توقف الامداد الروسي من الغاز الذي كان يؤمن احتياجات أوروبا من الطاقة.

ظلال الأزمة في تونس

أما بالنسبة لتأثيرات الأزمة الأوكرانية على المنطقة المغاربية وعلى الدولة التونسية تحديدا فإن الأزمة العالمية تلقي بظلالها على المنطقة المغاربية ودولها في حالة انقسام وعدم اتفاق وفي غياب رؤية مشتركة وإستراتيجية جامعة وفي غياب قرار موحد متضامن لمواجهة التحديات المفروضة في مجال الطاقة والغذاء فما هو مؤكد أن مجاراة أزمة الحرب الروسية الاوكرانية  تتم في وقت والدول المغاربية غير مستعدة للأزمة يعوزها التنسيق المشترك ليجعل التعاطي مع هذه التأثيرات الخطيرة منفردا ويتم بطريقة منعزلة وفق مصلحة كل دولة ومن خلال اتفاقيات ثنائية مع المزود البديل عن المزود الروسي والأوكراني وهي الصورة التي نجدها في الحالة التونسية حيث تم ملاحظة غياب الرؤية الواضحة للحكومة التونسية للتعاطي مع مخلفات الأزمة العالمية وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية حيث كان من المفروض أن ينعقد مجلس للأمن القومي لتدارس أزمة الغذاء التي خلفتها الحرب وخاصة تراجع الامدادات من مادة القمح والشعير والذرة والزيت النباتي والعلف وغيره من المنتجات الفلاحية الموردة والتي توقفت بفعل الحرب والبحث عن السبل الكفيلة لتدارك النقص الحاصل والبحث عن أسواق بديلة من أجل تأمين الغذاء وتوفير ما يحتاجه الشعب من القمح وغيره.

أسعار جنونية!

ونفس الشيء بالنسبة للاضطرابات الحاصلة في التزود بالطاقة وخاصة من مادة الغاز الطبيعي ومادة البترول حيث كان من المفروض مراجعة الاتفاقية المبرمة مع الجزائر والمتعلقة بمرور أنبوب إمداد الدولة الإيطالية من الغاز الطبيعي الجزائري الذي يمر عبر أراضينا وهو الاتفاق الذي سعت ايطاليا إلى مراجعته مؤخرا في اتجاه الترفيع في كمية الغاز المتجه نحو إيطاليا ولتأمين حاجيات الشعب الإيطالي من الغاز وتجنب شتاء صعب فيما يتعلق بالتدفئة المنزلية وتشغيل المصانع حيث كان من المفروض أن نراجع هذا الاتفاق في اتجاه تمكين الدولة التونسية من كميات إضافية من شأنها أن تخفف عن الحكومة التونسية النقص الحاصل في مادة الغاز ومن أجل التقليص من العجز الطاقي الذي يكبد ميزانية الدولة نفقات إضافية وخسائر مالية كبرى.

ما هو مؤكد أن الجانب الأوروبي في تعاطيه مع هذه الأزمة قد تحرك بسرعة لمواجهة تراجع إمدادات الغاز الطبيعي والغذاء من روسيا واتخذ تدابير سريعة لمرافقة الشعب بعد أن عرفت أسعار هذه المواد ارتفاعا جنونيا إلى جانب تراجع كمياتها ووضعت اجراءات لمساعدة الفئات الضعيفة وأصحاب الدخل المحدود من أجل الحفاظ على السلم الاجتماعية وتجنب انفجار احتجاجات اجتماعية غير منتظرة.