نوفل سلامة يكتب: دعوة التونسيين إلى التلقيح يوم العيد بين الشعبوية والضعف

كتب: نوفل سلامة

بقطع النظر عما يُقال عن ضعف حكومة المشيشي بسبب العطب الذي تعرفه نتيجة تعطيل الرئيس قيس سعيد التحوير الوزاري ورفضه أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمامه كما ينص على ذلك الدستور، لأسباب يرجعها إلى أن بعضهم قد تعلقت بهم شبهات فساد ونتيجة كونها تعمل بجزء من أفرادها فقط بعد أن اضطر المشيشي أن يمنح وزارتين لوزير واحد لتعويض وإنابة الوزراء الذين لم يقبل بهم قيس سعيد وهو وضع حكومي غير طبيعي نتيجته صعوبة العمل في الوزارات خاصة في مثل الظروف التي تعيشها البلاد.
وبقطع النظر عما يُقال عن فشل هذه الحكومة لوجود خلل في تركيبتها ولضعف أداء الكثير من أفرادها الأمر الذي جعلها لا تقدر أن تكون على قدر التحديات التي تنتظر البلاد في علاقة بملف مقاومة الفقر والبطالة والتهميش الموجود في الكثير من الأحياء والجهات التونسية وخاصة إدارة الملف الصحي الذي ارتكبت فيه أخطاء كثيرة جعلت البلاد تعرف في الآونة الأخيرة ارتفاعا كبيرا في عدد الإصابات بعدوى فيروس كورونا وفيروس دلتا المتحور وفي عدد الوفيات الذي جعل البلاد تتصدر ترتيب الدول العربية والإفريقية في تدهور الوضع الوبائي.
بقطع النظر عن كل ذلك فإن القرار الذي اتخذه وزير الصحة فوزي المهدي بفتح مراكز التلقيح يومي عيد الأضحى في إطار ما أسماه أياما مفتوحة للتلقيح ضد فيروس كورونا لاستقبال الشباب الذين أعمارهم فوق 18 سنة وكل الأشخاص الذين أعمارهم لا تتجاوز 45 سنة للقيام بالتلقيح وما نتج عنه من قدوم أعداد كبيرة من دون ترتيب مسبق ولا تنسيق مع الجهات الطبية و الأمنية مما أدى إلى حصول ازدحام كبير وتدافع وعدم احترام البروتوكول الصحي، خاصة فيما يتعلق بالتباعد الجسدي يعدو خطأ جسيما وقرارا خاطئا جعل المشيشي رئيس الحكومة يسارع بإقالته ولا يتردد في تنحيته من على رأس وزارة الصحة بعد أن تبين فشله في إدارة الأزمة الوبائية وهو الانطباع الذي حصل منذ الأيام الأولى لتعيينه حيث تعالت وقتها أصوات كثيرة تطالب المشيشي بإقالته رغم أنه من القطاع الصحي ويشغل طبيب عميد مدير الخدمات الفنية والتدريب والبحث بالإدارة العامة للصحة العسكرية…. ومن الوزراء الذين شملهم التحوير الوزاري غير أنه تم الإبقاء عليه لدقة الوضع الوبائي وضمان تواصل العمل الصحي وحتى لا يحصل إرباك في وزارة الصحة ولسبب آخر وهو تفادي التصادم مع رئيس الدولة باعتبار أنه وزير محسوب على قيس سعيد الذي فرضه عند تشكيل المشيشي لحكومته…
 لذا فإن إقالته تبدو اليوم متأخرة لكنها كانت ضرورية رغم أن المشيشي قد برر هذا الـتأخر بأن الوضع الوبائي كان لا يتحمل إرباك وزارة الصحة إلا أن الأمر لم يعد يتحمل انتظارا أكثر بعد أن اتضح سوء التسيير الذي تزايد بعد الدعوة العشوائية الأخيرة للتلقيح وما نجم عنها من إرباك وفوضى في اليوم الأول للأيام المفتوحة.
المهم الذي نخرج به من عملية الاقالة هذه التي قام بها هشام المشيشي بإعفائه وزير الصحة من مهامه هو أنه جاء لتدارك قرار شعبوي خاطئ لما قرر وزير الصحة أياما مفتوحة دون ترتيب ولا تنسيق ولا إعداد حتى تنجح عملية التلقيح للشريحة الكبيرة من الشباب و من دون إعلام رئيس الحكومة حسب تصريح المشيشي… وهو المسؤول الأول على خطة التلقيح ودون الرجوع إلى اللجنة العلمية أو الهيئة الوطنية لمجابهة الكورونا ومن غير إستشارة الولاة والقيادات الأمنية مما يجعله قرارا مسقطا الغاية منه تسجيل نقاط على حساب رئيس الحكومة ومواصلة الصراع بين الرئاسة والحكومة حول من يقود مجابهة الازمة الوبائية.
المهم الذي نخرج به بعد قرار الإقالة هو أن هناك اليوم فشل واضح في إدارة الازمة الصحية وفشل في قيادة هذه الأزمة فإلى جانب القرار الشعبوي الذي اتخذه وزير الصحة المــُقال بدعوة كل التونسيين إلى تلقي التلاقيح يوم عيد الأضحى مما يُبعد عنه كل خطأ في الاجتهاد هناك فشل في القيادة يتحمل مسؤوليتها الجميع الحكومة والرئاسة ومن ورائهما وزير الصحة حيث من غير المتوقع أن لا يكون رئيس الحكومة على غير علم بما اتخذه وزير الصحة من قرار خطير ولا يتوقع كذلك أن لا يعلم السيد فوزي المهدي رئيس الدولة بما عزم القيام به بصفته محسوبا عليه وينتمي إلى المؤسسة العسكرية التي هي تابعة لقصر قرطاج بما يجعل أن المسؤولية فيما حصل في اليوم الأول من عيد الأضحى من فضيحة التلقيح مسؤولية يتحملها الجميع ولا طرفا واحدا و يجعل من دعوة للاستقالة بسبب الفشل في إدارة الأزمة الصحية تشمل المشيشي كما تشمل قيس سعيد فالجميع مسؤولون فيما حصل من فشل…    
فهل هي الحرب المتواصلة بين قيس سعيد وهشام المشيشي بعد أن قرر رئيس الدولة إنهاء مهام حكومته؟ وهل هي جولة أخرى من صراع الحكم بين قصر قرطاج والقصبة؟ وهل فعلا وقع وزير الصحة المُقال فوزي مهدي تحت ضغوطات من الرئيس قيس سعيد بالمرور إلى السرعة القصوى في إرباك الحكومة وإظهار المشيشي الوزير الفاشل بعد تحميله فشل الأزمة الصحية؟ وهل ما حصل هو جولة أخرى من استفزاز رئيس الحكومة بعد أن سبقتها جولة رئيس الداخلية السابق شرف الدين الذي أقاله المشيشي في ظروف مشابهة ولأسباب مماثلة تقريبا.