نوفل سلامة يكتب: د. أحمد فريعة يطرح مشروع الطاقة الشمسية لبناء دولة جديدة واستمرارية وطن…

الطاقة الشمسية

كتب: نوفل سلامة  

موضوع الطاقة من القضايا الصاخبة والقضايا الحارقة التي عليها الكثير من الجدل والنقاش حولها لا ينفك ومن الهواجس المقلقة لراحة الشعوب في كل أنحاء العالم والمحرجة للحكومات والدول، ومنها الحكومة التونسية التي تجد نفسها اليوم في وضعية لا تُحسد عليها في علاقة بتوفير الغاز الطبيعي المخصص للاستعمال المنزلي والبنزين اللازم لتشغيل السيارات ولتوفير الإنارة في المصانع والشركات ومحلات السكنى…

أزمة طاقة

وهذا الهاجس مرده الصعوبات التي تجدها الحكومة الحالية في توفير النقص الحاصل من الطاقة بعد أن زاد الاقبال والاستهلاك المحلي وحصول عجز في تغطية حاجياتنا من مواردنا الأصلية الذاتية، ما يجعلنا باستمرار في حاجة إلى توريد الطاقة بالعملة الصعبة التي تعرف هي الأخرى تراجعا مؤثرا على موارد الميزانية..
وهذا المنعرج الطاقي الذي دخلت فيه البلاد في السنوات الاخيرة قد تعمّق أكثر بعد أن توقفت الكثير من الشركات عن الاستكشاف والتنقيب في بلادنا وما عرفه العالم من انحسار الإمدادات الروسية والأوكرانية من المواد الطاقية والغذائية جراء الحرب الدائرة رحاها بين البلدين.
وقد ارتأت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات أن تعود إلى موضوع الطاقة بعد أن خصصت له في السابق ندوات كثيرة وعودتها هذه المرة وإن تزامن مع الأزمة الحادة التي يعرفها العالم في التزود بالغاز الطبيعي وخاصة الدول الاوروبية التي توقفت عنها الإمدادات الروسية من الغاز بما يجعلها عرضة لشتاء بارد جدا لشعوبها وتداعيات هذه الأزمة العالمية على الداخل التونسي الذي بدأ يتأثر هو الآخر وتصله مخاطر الأزمة التي ترافقها أزمة أخرى في عدم توفر السيولة المالية اللازمة لمجابهة فواتير تسديد البنزين المورد…

إشكالية الطاقة في تونس

العودة هذه المرة للحديث عن أزمة الطاقة كانت مع الدكتور أحمد فريعة الوزير السابق والأستاذ الجامعي المعروف والباحث في مجالات شتى منها ما تعلق بالطاقات المتجددة وموضوع الطاقة الشمسية وتحلية المياه في ندوة يوم السبت 3 ديسمبر الجاري.
في هذه الندوة التي حضرها العديد من نشطاء المجتمع المدني والجامعيين وبعض المسؤولين السابقين على غرار الأستاذ الطاهر بوسمة المحامي المعروف ووالي الولاة في الزمن البورقيبي والسياسي المعروف والوالي السابق كمال الحاج ساسي وغيرهم، عاد المحاضر الأستاذ أحمد فريعة للحديث عن إشكالية الطاقة في تونس والتذكير بمشروعه الذي ينادي به منذ سنوات حول الطاقة الشمسية وتحلية مياه البحر من خلال سؤال مركزي وهو هل يمكن لتونس أن تحقق اكتفاءها الذاتي من الطاقة ؟ و كيف يمكن لها أن تصل إلى بلوغ أمنها الطاقي بما يجعلها في غير حاجة إلى التوريد وما له من تبعات على استقلال القرار السياسي والسيادي وعلاقته بالتبعية للأجنبي وقوى الهيمنة العالمية؟
وهل من سبيل إلى الاهتداء إلى حسن استثمار للطاقات المتجددة من أجل تحقيق الاكتفاء وتحقيق تنمية دائمة يكون نفعها عاما ومتواصلا على كافة الشعب ؟
خيّر المحاضر في بداية كلمته أن يتوقف قليلا عند مصطلح ومفهوم الطاقة كما جاءت في المعاجم الأجنبية وانتهى إلى أنها تفيد عند الإغريق القوة والحركة، وكل ما يسمح لتحقيق التحول من حال إلى أخرى ثم تطور المفهوم ليصبح معناه يفيد كل عمل إنساني ضد الطبيعة لمواصلة الحياة وبقاء البشر أحياء بما يعني أنه لا يمكن أن توجد حياة من دون استعمال للطاقة لذلك فهي حيوية وضرورية للإنسان.

مسارات تاريخية

بعد محاولة الضبط المفاهيمي وتحديد المصطلح ومحاولة تصويبه بما يتماشى مع موضوع المحاضرة التي تعنى بالطاقة في مفهومها الواسع والمعاصر انتقل المحاضر إلى الحديث عن المسارات التاريخية التي عرفتها البشرية في موضوع الطاقة فذكر أن الإنسان منذ الفجر الأول للحياة قد دخل في صراع مع الطاقة من أجل الحصول عليها وحسن استغلالها فكانت محاولاته لاستعمال الادوات المتوفرة وتحويلها إلى حركة وطاقة ومن هنا بدأ يستعمل طاقته الجسدية للتحكم في مصادر الطاقة الأخرى كالرياح والماء وهنا يذكر الأستاذ أحد فريعة أن من عناصر قوة حضارة قرطاج هي السفن الشراعية التي اشتهرت بها في حروبها والتي جعلتها سيدة العالم في زمانها بعد أن سيطرت على البحر وأصبجت القوة التجارية الأولى يذكر مونتاسكيو في كتابه ” تأملات في تاريخ الرومان أسباب النهوض والانحطاط ” أن قرطاج ما كان لها أن تتفوق على روما وتهزمها في معارك كثيرة لولا أنها كانت تتوفر على أسطول متطور من السفن الحربية مختلف عن كل السفن التي تملكها الشعوب الأخرى من حيث استعمال قوة الرياح بطريقة مختلفة في تحريك السفن الأمر الذي فهمته روما فيما بعد وجعلها تغير طريقة صناعة سفنها ” فعملية استعمال الرياح والتحكم فيها وحسن تصميم السفن للحصول على سرعة أكبر بأقل طاقة ممكنة لتحقيق الهيمنة هي التي جعلت قرطاج ثم روما يكتسبان القوة والتفوق.
التطور الكبير حصل انطلاقا من القرنين الثامن والتاسع عشر حينما تخلت المعرفة عن بعض النظريات الخاطئة التي جاء بها بعض الفلاسفة وحكمت العقل البشري لقرون جعلت المعرفة تتأخر والحياة تتوقف منها الفكرة القائلة بأن الطاقة غير قابلة للتدمير.
يقول الدكتور أحمد فريعة إن مثل هذه الأفكار والنظريات قد أخرت البشرية وجمدت العقل إلى أن جاء في أواخر القرن الثامن عشر المهندس الاسكتلندي ” جيمس واط ” ( 1736 م / 1819 م ) واكتشافه المحرك البخاري وهو الاكتشاف الذي فجر الثورة الصناعية و غير تاريخ الانسانية وكان له تداعيات مؤثرة على تاريخ العلوم وعلى فكرة تطوير الطاقة وتحويلها ومن هنا بدأ الاشتعال العلمي على تحويل الطاقة واستغلالها في تحسين حياة البشر وظهرت الفكرة المركزية القائلة بأن الطاقة لا تتغير ولكن يمكن تحويلها وبهذه المحاولات العلمية لتحويل الطاقة تطورت الحضارات وتقدمت الأمم والشعوب وصعدت دول وتفوقت وأفلت أخرى وانهزمت فكان من يملك الطاقة يملك القوة وبالتالي يملك التفوق والسيطرة وتكون له الريادة وبهذه الفكرة كان الارتباط الكبير بين بلوغ التنمية البشرية والازدهار وحسن استعمال واستغلال الطاقة بمختلف أشكالها والحكم على تقدم شعوب وتأخر أخرى لذلك لم تعد مؤشرات التقدم لدى الشعوب تكتفي بمؤشرات الصحة والتعليم والدخل الفردي الخام فقط وإنما مع هذه المؤشرات ضرورة توفر مؤشر استعمال الفرد للطاقة ومقدار ما يستعمله منها لرفاهيته وعيشه…

حقيقة ثابتة

يعتبر أحمد فريعة أن متابعة تاريخ الإنسانية ومسار العلوم قد كشف عن حقيقة أن من يمتلك الطاقة يمتلك القوة ويكون متفوقا وان الطاقة بجميع أنواعها من تقليدية كالأحفورية من غاز و نفط وفحم ومتجددة أو بديلة كالطاقة الشمسية والرياح والشيست أو الغاز الصخري هي العامل المحدد في تحقيق التنمية المطلوبة للشعوب، والأمريكان لم يتحكموا في العالم إلا بفضل البترول الذي اكتشفوه في صحراء الشرق الأوسط غير أن المشكل الكبير في هذا التطور الذي صاحب تطور الطاقة وتحولاتها هو في حسن إدارة الاستفادة منها وحسن استعمالها خاصة مع تأكد قرب نضوب الغاز والبترول في السنوات القليلة القادمة ما يدعو البشرية إلى البحث عن مصادر أخرى للطاقة والتفكير في البدائل عن الطاقة التقليدية.

في هذا السياق من التحليل الذي أوصلنا إليه المحاضر تم الحديث عن المشروع الذي يقترحه الدكتور أحمد فريعة لحل المشكلة التي تعاني منها تونس والأزمة الطاقية المستفحلة التي باتت تتعب الجميع وخاصة الحكومات المتعاقبة التي باتت عاجزة عن الجواب على السؤال الطاقي في علاقة بإيجاد الحلول لتحقيق الاكتفاء الذاتي والابتعاد عن اللجوء الى التوريد المكلف لميزانية الدولة والمرهق للمجموعة الوطنية.
الفكرة التي يؤمن بها أحمد فريعة ويدافع عنها باستمرار أن تونس لا يمكن أن تتقدم وتحقق نهضتها إلا بالمشاريع الكبرى وأن مصادر الطاقة التقليدية لم تعد تفي بالحاجة وهي ملوثة للبيئة وفي اتجاه التخلي عنها بعد التحولات الخطيرة التي عرفها المناخ والتلوث الذي بات يهدد الإنسانية نتيجة انبعاث الغازات السامة التي يتسبب فيها استعمال المكثف للغاز والنفط ما جعل بلدا كبنغلاديش غير ممكن العيش فيه ويعرف اليوم هجرات كبرى لأفراده .. ومن المشاريع الكبرى التي يراها ضرورية للبلاد مشروع الطاقة الشمسية الذي يسمح بتوفير الطاقة للحصول على الكهرباء وتشغيل المصانع وما يوفره هذا المشروع من يد عاملة كبيرة في كل الاختصاصات وما يرتبط به من صناعات صغرى وحركية تجارية وصناعية فضلا عن توفير مواطن شغل في الصناعات المرتبطة بالمشروع الأم ومن خلال الطاقة الشمسية يمكن تحلية ماء البحر واستعمال جزء منها في الاستعمالات المنزلية وغيرها، والجزء الآخر في مجال الفلاحة خاصة وأن الخطاب الرسمي ما فتئ يؤكد على حصول صعوبات في السنوات القادمة في توفير الحاجيات من الماء بعد أن اتضح أن تونس تقع ضمن خارطة الشح المائي ومن البلدان الفقيرة مائيا وأنها تقع في منطقة متوسطة التساقطات أو ضعيفة.

هيمنة خارجية تمنع التقدم؟

المشكل في هذا المشروع الضخم والرائد أن المسؤول السياسي غير متحمس له وتغيب عنه الإرادة السياسية لأسباب بدأت تتضح وهي أسباب يقول عنها البعض أنها مرتبطة باتفاقيات قديمة تعود إلى زمن الاستعمار ومن وراء هيمنة خارجية متواصلة ولوبيات داخلية وخارجية متحكمة في سوق الطاقة ومصالح أجنبية فاعلة ونافذة ليس من مصلحتها انتقال البلاد إلى مجال طاقي آخر غير المجال التقليدي الذي يحصر الطاقة في الغاز والبترول وهذه الحقيقة لعلها تأكدت حينما لم يتحمس رئيس الدولة المرحوم الباجي القائد السبسي لما قدم له أحمد فريعة مشروع الطاقة الشمسية الذي سيغير وجه تونس…

هؤلاء يعارضون

واكتفى بالإطلاع والاستماع من دون الانتقال إلى الفعل والعمل الحقيقي ويتأكد تراخي الدولة التونسية من جديد في الذهاب نحو تبني خيار الطاقة الشمسية في المخطط الطاقي الذي راهن على تحقيق 30 بالمائة من الطاقة الشمسية خلال سنة 2030 حيث لم يتحقق منه إلى حد الآن إلا 5 بالمائة فقط بما يعني أن هناك اليوم قوى جاذبة إلى الوراء وجهات مانعة ليس من مصلحتها التخلي عن الطاقة التقليدية والانتقال نحو الطاقة الشمسية، فالمستفيدون من صفقات الغاز والنفط والجهات المرتبطة بالشركات الأجنبية التي تختص في التنقيب في هذا النوع من الطاقة ليس من مصلحتها التحول نحو بدائل أخرى للطاقة ولا تبني مشروع الطاقات البديلة.

مقاومة كبيرة

ما يمكن قوله اليوم بكل وضوح وبصوت عال أن مشروع الطاقة الشمسية وفكرة الطاقات البديلة يلقى اليوم صدا كبيرا ومقاومة عنيفة وأن هناك اليوم معركة ونزاع حادين بين مشاريع متعددة للطاقة.
المشروع الأول أصحابه مستميتين في الدفاع عنه ويعملون على الحفاظ على صفقاتهم وأرباحهم وهم غير مستعدين للتخلي عنها كلفهم ذلك ما كلفهم، حتى وإن كان ذلك على حساب مصلحة الشعب والوطن من وراء الاستثمار في الطاقة التقليدية من نفط وغاز طبيعي…
ومشروع ثان يحاول جعل تونس بلدا نوويا من خلال تركيز محطتين في كل من جهة بنزرت والصخيرة وهو مشروع قديم يعود اليوم من بوابة الطاقة البديلة التي سوف تقضي على العجز الطاقي ويقول عنه العارفون به إنه متقدم بخطى ثابتة، ومشروع ثالث يقوم حول فكرة تعويض الطاقة الأحفورية بغاز الشيست أو الغاز الصخري الذي فشل في سنة 2013 بعد أن تم التصدي له وكلنا يتذكر المعركة التي خاضها المجتمع المدني مع وزير الصناعة والتجارة ” محمد الأمين الشخاري ” في حكومة حمادي الجبالي الذي كان وراء مشروع غاز الشيست واليوم يعود بقوة رغم كل المخاطر التي ترافقه من تهديد للمائدة المائية حيث يحتاج تفتيت صخرة غاز الشيست إلى كميات كبيرة من الماء وما تتسبب فيه فضلات الاستعمال من تلويث للتربة وافقارها وتهديد للفلاحة والزراعات ويبدو أن هذا المشروع متقدم جدا مع الحكومات الحالية و يسوق له إعلاميا على أنه الخيار الأمثل للبلاد والطاقة البديلة في المستقبل.
فحسب المعطيات المقدمة من طرف مكتب دراسات أمريكي فإن تونس تتوفر على 23 تريليون قدم مكعب ما يساوي حوالي 170 مليار دولار ما يسمح بتغطية احتياجات تونس إلى حوالي 120 سنة ويبدو اليوم أن الاتفاق قد حصل بشأنه وهو اتفاق يقضي بتعهد الجهة المستفيدة من هذه الصفقة بتوفير حوالي 600 مليون دينار لتحلية مياه الجنوب لتجنب تهديد المائدة المائية الاحتراز الهام الذي كان يعوق انجاز المشروع في السابق.
ما يمكن قوله أن موضوع الطاقة في تونس هو موضوع ثقيل وحوله خلاف كبير ومصالح مالية أكبر وتنازع داخلي وخارجي بين جهات نافذة ومتحكمة كل واحدة تريد تمرير مشروعها لتحقيق مصالحها دون مصلحة الشعب والبلاد .. واليوم هناك توجهات معطلة تحول دون الانتقال إلى الطاقة المفيدة والطاقة التي تصلح لهذا البلد غير أن ما نفتقده هو الإرادة السياسية الصادقة والقرار السياسي الحر والرؤية الاستراتيجية غير المرتبطة بالهيمنة الأجنبية المتواصلة ..
ما يمكن قوله أن موضوع الطاقة والخيارات الممكنة لتحقيق الأمن الطاقي والتخلص من العجز الذي يكبد الدولة سنويا أموالا طائلة لتعويض النقص الحاصل في مادة الغاز والبترول لا يتوقف على الإمكانيات البشرية ولا توفر الخبرات والتقنيات في هذا المجال وإنما الغائب في هذا الملف الحارق هو تحرير الإرادة من الارتباطات المكبلة وتحرير الفعل الحكومي من الخيارات المعطلة وتخليص السياسات من الحسابات المالية والمصالح الضيقة للجهات التي تعمل على التحكم في هذا الملف ..

ملف سيادة وطنية

ما يمكن قوله بكل وضوح هو أن موضوع الطاقة في تونس مع موضوع الأمن الغذائي والأمن المائي والأمن الثقافي والتعليمي هو موضوع سيادة وطنية وإرادة حرة وخيارات مستقلة عن كل هيمنة أو تدخل وطالما أن إرادتنا وقرارنا ليس حرا ولا بأيدينا وطالما تركنا مصير البلاد تتحكم فيه مصالح لوبيات وجهات وشبكات مالية وسياسية فإن مشروع الطاقة الشمسية لن يرى النور وسوف يضعون له العراقيل ويجدون المبررات لإفشاله .. فالقضية يا سادة هي في العمق قضية تحرر وطني واستقلال قرار سياسي وسياسي لا أكثر ولا أقل .