نوفل سلامة يكتب/ رئيس الجمهورية على قناة “فرانس 24”: ماذا يريد قيس سعيد…وإلى أين هو ذاهب؟؟

كتب: نوفل سلامة
رغم مقاطعته غير المفهومة للإعلام التونسي ورفضه المتواصل الإدلاء بأي تصريح لأي وسيلة إعلامية وطنية مكتوبة كانت أو مرئية أو مسموعة حيث يعود الحوار الوحيد الذي أدلى به إلى القناة الوطنية إلى شهر فيفري من سنة 2019 ، فقد وافق رئيس الجمهورية قيس سعيد على تمكين قناة فرانس 24 التابعة لوزارة الخارجية الفرنسية من إجراء حوار معه بمناسبة حلوله بفرنسا لحضور القمة المخصصة لتمويل الاقتصاديات الافريقية .
ورغم التحفظات التي رافقت هذا الحوار الذي أدلى به رئيس الدولة لوسيلة إعلامية أجنبية وتطرقه إلى قضايا تمس الداخل التونسي والاعتراضات على تناوله مواضيع كان من المفروض أن لا تُثار في وسيلة إعلامية أجنبية وهو الاحتجاج الذي كان كثيرا من يُلام عليه بعض السياسيين ويلاحقهم حينما يتحدثون في الشأن الوطني في وسيلة إعلام أجنبية عربية كانت أم غربية بناء على المبدأ عام الذي سارت عليه الأخلاق السياسية التونسية وهو أن لا تثار القضايا التي تهم البيت التونسي إلا في وسائل إعلامنا الوطنية وفي المنابر الحوارية داخل البلاد .
ورغم الاستفسارات العديدة حول معرفة الجهة المقصودة بكلام سيد الرئيس حيث بان غموض كبير في التعرف على الجهة المعنية بكل الكلام الخطير الذي قاله في هذا الحوار. فهل أن خطاب قيس سعيد موجه إلى الداخل التونسي ؟ أم أن القصد منه مخاطبة جاليتنا بالخارج ؟ أم هل يرمي من وراء كلامه التواصل مع الرأي العام في فرنسا وخارجها؟
المهم الذي وقفنا عليه في حوار قيس سعيد على قناة فرانس 24 الفرنسية هو وجود غموض حول الطرف المتوجه إليه بالكلام و أزمة كبرى في عملية التواصل الإعلامي التي يقودها وأزمة أخرى وهي الأعمق في الخطاب السياسي لرئاسة الجمهورية و الذي لا يفرق بين الدرس الجامعي الذي يعطى للطلبة في مدرجات الجامعات حيث يخول للأستاذ أن يستعرض عضلاته العلمية في تحديد المفاهيم والمصطلحات وتحديد سياق القضايا الفكرية والنظريات المعرفية وبين الحوارات التي تعطى لوسيلة إعلامية جمهورها عادة من عموم الناس ويبدو أن رئيس الجمهورية نسى أنه قد ترك الدرس الجامعي وانتقل ليصبح رئيسا للدولة ومنصبه هذا يحتم عليه تبنى خطابا سياسيا مختلفا وإتباع طريقة في التواصل مختلفة عن طريقة تواصل المدرس مع طلبته.
بعد هذه الملاحظات الشكلية ولكنها هامة لصورة الرئيس قيس سعيد نأتي الآن إلى الأفكار الخطيرة والصادمة التي جاءت في هذا الحوار حيث كان من المفروض مثلا أن يبرز في وسيلة إعلام أجنبية أن هناك خلافا في تونس حول القمة الفرانكفونية القادمة المزمع عقدها في بلادنا حيث عاد الرئيس من جديد إلى اتهام أطراف تونسية قال أنها تعمل على إفشال وإحباط انعقاد هذه القمة فوق أرضنا من دون أن يحددها غير أنه وعد بالكشف عن تفاصيل هذا المخطط في الوقت المناسب. والسؤال هنا إلى من يتوجه قيس سعيد بهذا الخطاب الذي كشف عن وجود مؤامرة تُحاك ضده لإفشال القمة الفرانكفونية في تونس؟ وما هذه الجهات التي تعمل على إفشال مساعيه لعقد قمة للفرانكفونية؟
تحدث عن حاجة تونس للمساعدات الاقتصادية العاجلة وذكر أنه خلال هذه القمة التي حضرها قد تطرق إلى المناخ الملائم للاستثمار واعتبر أن تونس لا تتوفر في الوقت الحاضر على مناخ يسمح ويشجع على الاستثمار وانتقد محاولات الاستثمار التي حصلت في البلاد والتي منيت بالفشل وهذا الواقع لا يشجع حسب ظنه المستثمر على القدوم إلى تونس وتساءل إن كان ذلك يعني بأننا دولة فقيرة ؟ أم أن تونس بلد خضعت للنهب المتواصل؟
يقول قيس سعيد : إننا نسمع في نشرات الأخبار عن المليارات التي يملكها أشخاص ومع ذلك فنحن في حالة من الفقر والإملاق ومن الفساد الذي نخر الدولة التونسية…نحن في حاجة إلى أموال ولكن نحن في حاجة أكثر إلى تحقيق عدالة اجتماعية وفي حاجة أن نقضي على الفساد الذي استثرى كأسراب الجراد نحن بحاجة إلى مناخ سياسي هو اليوم غير سليم و غير مشجع على الاستثمار…”
وحول رؤيته لتنقية المناخ السياسي وتوفير ما يلائم من أسباب لنجاح الاستثمار في تونس ، يعتبر قيس سعيد أن ذلك لا يتوفر إلا متى كان المسؤول مسؤولا أمام المواطن لأن التونسي حسب اعتقاده لا يلتفت إليه إلا في يوم الانتخابات والأحزاب السياسية تتعامل معه كورقة اقتراع . ويضيف القول بأن الشباب المعطل هو ثروة تونس وهو ليس كما يروج عبئا عليها غير أن هذا الشباب لم تترك له المجالات مفتوحة لتحقيق أحلامه . ما أطرحه هو أن يكون المسؤول مسؤولا أمام الناخبين وأن ننتقل من دولة القانون القائمة على نصوص قانونية لا أثر لها في الواقع إلى مجتمع القانون المطبق على الجميع . ما أطرحه هو أنه يمكن لمن انتخبه الشعب أن تسحب منه الوكالة متى اتضح أنه قد خان الأمانة حينها يكون من حق المواطن الذي يملك جزءا من السيادة أن يسحب الوكالة و في هذه الحالة فقط يمكن أن نقضي على الفساد.
إن تونس لا ينقضها أي شيء و تتوفر بها كل الثروات ولكن للأسف كلما زادت النصوص القانونية إلا و زادت معها اللصوص و كلما ازداد نص إلا وازداد معه لص و مع ذلك يتبجحون بالإصلاح إنهم يتحدثون عن الإصلاح منذ سنوات من دون أن يتحقق هذا الإصلاح .. كل مواطن في هذه البلاد له فرصة في الاصلاح وفي العيش بكرامة وأن يكون حرا ولكن للأسف هذه الحقوق في الكثير من الأحيان لا تتجاوز النصوص ولا يمكن أن نضع حدا لهذا الفساد المستشري كأسراب الجراد إلا اذا كان هناك قضاء عادل لا يتأثر بالسياسة و يوجد خارج قصور العدالة …”
ما يعاب على رئيس الجمهورية أن خطابه هذا والذي يتفق مع مضمونه الكثير من التونسيين في كونه قد قيل في وسيلة إعلامية أجنبية تابعة لوزارة الخارجية الفرنسية التي لها خطها التحريري المحدد بما يوحي بنوع من التبعية للأجنبي خاصة وأن قيس سعيد يرفض التعامل مع وسائل الإعلام التونسية ويعتبرها من ضمن المنظومة الفاسدة التي يجب مقاومتها والتخلص منها… ما يُعاب في خطاب رئيس الجمهورية أنه وجه اتهامات خطيرة لجهات تونسية من خارج الوطن مما يطرح السؤال حول المغزى من هذا السلوك ؟ وحول الغايات التي يقصدها الخطاب الذي سمعه كل العالم وخاصة القادة الغربيين الذين يرقبون ما يحدث في البلاد…
إن الخطير في هذا الكلام في كونه قد تزامن مع ذهاب الوفد الحكومي إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستئناف الحوار مع البنك الدولي حول منح تونس قرض مالي هي في حاجة إليه فعندما يسمع المسؤولون الغربيون خطاب قيس سعيد عن استشراء الفساد في تونس وعن صعوبة التخلص منه وحديث آخر عن استحالة الاستثمار لعدم توفر مناخ سليم وملائم للاستثمار فهل مازلنا نجد من يسمعنا أو من يمنحنا ثقته أو من يقف معنا في هذا المنعرج الخطير الذي تعيشه تونس؟
لذلك فإننا نعتقد أن حوار سيد الرئيس مع قناة فرانس 24 هو حوار غير موفق اتصاليا وجاء خارج السياق السياسي والاقتصادي الذي تعيشه البلاد وهو حوار خطير وسوف تكون له تداعيات مؤثرة جدا في قادم الأيام .. والسؤال اليوم ماذا يريد قيس سعيد ؟ وإلى أين هو ذاهب بهذا السلوك الذي يوحي بإرادة لتعطيل الدولة بكاملها ؟