نوفل سلامة يكتب: رفع الدعم عن المواد الغذائية…السياقات التاريخية والإحراج السياسي

كتب: نوفل سلامة
عاد في الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة إهدار كميات كبيرة من المواد الغذائية وخاصة ما تعرفه مادة الخبز من تبذير ينتهي بإلقاء كميات معتبرة في القمامة، كما عاد الحديث عن العادات السيئة للكثير من أفراد الشعب والعائلات التونسية التي تلقي دون تردد بما بقي لها من أطعمة النهار في القمامة بما يشكل هدرا للمال وإتلافا للكثير من المواد الغذائية التي تمثل في جانب منها الأمن الغذائي للشعب.
وعودة الحديث هذه المرة عن تبذير المواد الغذائية حتمتها مسألتان: الأولى سلوك التونسي في شهر رمضان وعاداته السيئة في هذه المناسبة التي تقترن بالإقبال المكثف على اقتناء كميات كبيرة من الأغذية من خضر وغلال ولحوم و زيوت وبيض، وغير ذلك من الأغذية إلى جانب الإقبال الكبير على شراء أنواع الخبز المعروضة في مثل هذه المناسبة.
المسألة الثانية والأهم هي استعداد حكومة هشام المشيشي إلى الذهاب في بداية شهر ماي المقبل إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستئناف الحوار الذي يترقبه الكثير من أفراد الشعب التونسي المتعلق بإبرام اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي للحصول قرض مالي الدولة هي في حاجة إليه ولإستئناف المرافقة والدعم من هذه المؤسسة المالية العالمية للتجربة التونسية التي تعرف انتقالا ديمقراطيا متعثرا وعسيرا بعد أن انقطع حبل الاتفاق الأول نتيجة عدم جدية الطرف التونسي في الإيفاء بالتزاماته وتعهداته تجاه المانح الدولي.
والرابط المباشر بين الحديث عن ظاهرة إهدار التونسي لكميات كبيرة من المواد الغذائية واستئناف الحكومة الحوار مع صندوق النقد الدولي فيما يشترطه الصندوق من شروط لاستئناف مرافقته المالية للدولة التونسية حيث فرض المانح الدولي على الحكومة التونسية ثلاثة شروط منها شرط رفع الدعم عن كل المواد الأساسية وتخلي الدولة عن تدخلها في أسعار المواد الغذائية والكف عن رصد أموال في الميزانية لدعم المواد الغذائية التي يستفيد منها الكثير من أفراد الشعب. ورفع الدعم هو إجراء كلف الدولة في الثمانينات من القرن الماضي هزة اجتماعية كبيرة وأزمة سياسية حادة أدت إلى ما عُرف بانتفاضة الخبز في شهر جانفي من سنة 1984 خلفت ضحايا في صفوف قوات الأمن والمتظاهرين وإيقافات كثيرة انتهت بإصدار أحكام بالإعدام ضد البعض منهم.
غير أن استحضار ما حدث بسبب رفع الدعم عن مادة الخبز والحبوب و مشتقاته في تلك الفترة من تاريخ تونس قد لا يفيد كثيرا في الظرف الحالي لاختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية التي فرضت الحديث عن رفع الدعم والتخلي عن دعم الخبز على أساس أن المطالبة بالتخلي عن كامل منظومة الدعم التي اعتمدت عليها الدولة منذ سنة 1970 في تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية ومرافقة الفئات الفقيرة والضعيفة قد عرفت بعد الثورة الكثير من التراجعات بعد أن بدأت الحكومات المتعاقبة في التخلي عن دعم الكثير من المواد الأساسية كان من أهمها تخلي الدولة عن دعم الطاقة بالنسبة للشركات والمصانع الخاصة.
المهم أن الظرف اليوم مختلف عن ظرف فترة الثمانينات كما أن الظرف اليوم مناسب للتخلي عن منظومة الدعم وتخلي الحكومة عن رصد أموال في الميزانية بعنوان دعم المواد الأساسية والتي اتضح أنها ترهق الميزانية وتشكل جانبا من العجز فيها، ولعل ما يساعد الدولة اليوم على اتخاذ القرار الخطير والجريء والتاريخي هو المعطيات والأرقام التي نجدها في الكثير من الدراسات والإحصائيات والتحقيقات التي أجريت حول العادات والسلوكيات الغذائية للفرد التونسي والكميات الكبيرة من المواد الغذائية التي يتلفها وتهدرها العائلات التونسية وغير العائلات أبرزها ما كشفت عنه الدراسات حول عادات التونسي من إتلاف 900 ألف خبزة يوميا أي ما يعادل 72 مليون خبزة شهريا بما يعني إتلاف كميات كبيرة من المادة الأساسية لإعداد الخبز من قمح ومشتقاته إلى جانب إتلاف كميات كبيرة من الخضر والغلال تنتهي في أكياس بلاستيكية لتجد طريقها الطبيعي إلى القمامة…
والجديد اليوم الذي كشفت عنه الدراسات أن حجم الإهدار الذي يحصل للمواد المدعمة وحجم المواد الغذائية المتلفة قد تجاوز العائلات التونسية التي دوما ما تلقى عليها اللائمة والمسؤولية ليصل إلى النزل السياحية التي تتسبب في إهدار كميات كبيرة من المواد الغذائية بجميع أصنافها يصل إلى حدود 16 بالمائة والمطاعم الخاصة التي تتسبب هي الأخرى في اتلاف كميات لا بأس بها من المواد المدعمة تقدر بـ 12 بالمائة في سلة القمامة.