نوفل سلامة يكتب/ سؤال محير: ماذا يريد رئيس الجمهورية قيس سعيد؟

كتب: نوفل سلامة
أمام توسع دائرة الخلاف بين رأسي السلطة التنفيذية رئيس الدولة من جهة ورئيس الحكومة من جهة أخرى وأمام مواصلة قيس سعيد خوض معركة الصلاحيات التي بدأ فيها منذ اليوم الأول الذي جلس فيه على كرسي الحكم…

وأمام تأزم العلاقة بين مؤسسات الدولة وبروز مشكلة في التواصل بين ساكن قرطاج من ناحية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان من ناحية أخرى وأمام مواصلة رئيس الجمهورية المرور بقوة نحو افتكاك صلاحيات غير متوفرة له والتوسيع من صلاحياته التي لم يمنحها له الدستور وأمام مواصلة الرئيس قيس سعيد الخروج الإعلامي المكثف لإحراج من يعتبرهم خصومه رئيس الحكومة ورئيس البرلمان والحزام السياسي الداعم لحكومة المشيسي ومحاولة إرباكهم في كل مناسبة تتاح له أو من غير مناسبة بمسائل دستورية مدارها تأويل وفهم لا يلقى الترحاب لدى غالبية أساتذة القانون الدستوري…

مناكفات سياسية متواصلة…. والبلاد على وقع أزمة صحية غير مسبوقة بالإضافة إلى أزمة مالية واقتصادية خانقة

وهي قراءة تحدث البلبلة والضجيج في المشهد السياسي وفي صفوف كامل الطبقة الفكرية والسياسية والطبقة المثقفة وحتى عموم الشعب ليلقي هذا الـتأويل الخاص ظلاله الثقيلة على الوضع العام بالبلاد وعلى نفسية المواطن المتعبة واهتمامات الرأي العام ومختلف وسائل الاعلام والحال أن المزاج الشعبي في هذا الظرف العصيب الذي تمر به البلاد غير عابئ بما يدور من معركة على الصلاحيات ولا تعنيه الخصومات التي يديرها رئيس الدولة مع من يعتبرهم الزمرة الفاسدة وهو مستاء مما يحصل في أعلى هرم السلطة من مناكفات حول ما اعتبره كثير من الشعب ترف فكري في غير وقته ولا مجاله والبلاد على وقع أزمة صحية غير مسبوقة وعلى وقع أزمة مالية واقتصادية خانقة يقتضيان تكاتف وتظافر الجهود وتوحيد الصفوف وتأجيل كل الخلافات والمعارك خاصة تلك التي تدور حول تأويل الدستور وحول الصلاحيات وحول الحكم.
كل هذا القلق وهذا الإستياء الذي نلحظه بقوة عند غالبية الشعب التونسي بسبب تفاقم الخلافات الحاصلة بين رئيس الدولة قيس سعيد من جهة ورئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي من جهة أخرى فرض طرح السؤال الذي نجده يتكرر في حديث الشارع ويطرحه الكثير من أفراد الشعب لمعرفة ماذا يحصل اليوم في البلاد هذا السؤال يقول بكل بساطة ماذا يريد رئيس الدولة من خلال كل التهجم الذي يبديه في كل خطاباته على مؤسسات الدولة؟
وما هي غايته من تكثيف الحديث على موضوع الصلاحيات و إصراره الكبير على احتكار تأويل فصول الدستور في اتجاه افتكاك المزيد من الصلاحيات وتوسيعها؟ وفي كلمة لماذا يتجنب قيس السعيد الحديث عن الحلول الممكنة التي يراها للخروج من أزمة البلاد المالية والاقتصادية والاجتماعية والصحية في حين يكثف حديثه ويركزه على موضوع المهام المخولة له وعلى موضوع التأويل لفصول الدستور وقراءته التي لا تعرف اتفاقا حولها؟
وحتى نفهم ماذا يريد الرئيس قيس سعيد؟ و إلى أين هو ماض بمعاركه الدستورية التي تشبه معارك الفارس دونكيشوت الذي أسر خلال القرن السابع عشر ميلادية على افتعال حرب توهمها فكان أن حارب طواحين الهواء، علينا أن نعود إلى الأيام الأولى لحملة الرئيس الانتخابية ونتذكر الشعارات التي رافقت حملته والأفكار التي كان يدعو و يروج لها وهي أفكار اكتشفنا فيما بعد أنها تنتمي إلى التيار الشعبوي والمدرسة الشعبوية التي بدأت تظهر في السنوات الأخيرة أمام فشل الحكومات الديمقراطية في إسعاد الشعوب.
الشعارات التي رافقت حملة الرئيس قيس سعيد كانت تركز على فكرة جوهرية هي فكرة
“الشعب يريد” بما تعنيه من إرجاع السيادة إلى الشعب وإرجاع المبادرة والقرار لأفراده وفكرة أن الرئيس ليس له برنامج واضح وعملي وإنما البرنامج حسب ظنه يتم اقتراحه وصياغته من قبل الأفراد وترتيبا على ذلك بدأنا نكتشف برنامج الرئيس قيس سعيد والذي يتلخص في رفض كل منظومة الحكم التي تتبنى نظرية الديمقراطية التمثيلية القائمة على فكرة أن الحكم تمارسه الأحزاب السياسية وما رافقها من منظومة المجتمع المدني ومعاداته الصريحة والعلنية للإعلام الذي يعتبره في خدمة منظومة الحكم الفاسدة وتبعا لذلك فهو لا يقبل بالنظام السياسي القائم ولا بالدستور الموجود ولا يعترف بالسلطة التشريعية كسلطة أصلية ومستقلة ولا يقبل باستقلالية السلطة التنفيذية ويعتبر الحكومة تابعة له وحتى السلطة القضائية، وأمام هذا الرفض وهذا التنكر لكامل مكونات منظومة الحكم القائمة على فكرة الديمقراطية التمثيلية يروّج قيس سعيد لبرنامج يقوم على نظرية الديمقراطية المباشرة القائمة على فكرة التصعيد من الأسفل إلى الأعلى ومن المحلي إلى المركزي في إطار الانتخاب على الأشخاص لا على القائمات.
هذا عموما برنامج قيس سعيد للحكم وهذا ما يبشر به الناس ومن أجل تحقيقه وتغيير كامل منظومة الحكم اعتمد منذ حلوله بقصر قرطاج على استراتيجية واضحة وهي انهاك الفاعلين السياسيين وإرباكهم حتى إظهارهم أمام الشعب بالفاشلين وبأنهم هم وحدهم من يتحملون أعباء المرحلة وفشلها من خلال افتعال معارك مكثفة ومتواصلة ودون انقطاع وهي معارك من أجل الصلاحيات والتموقع وإظهار من يحكم اليوم بالعاجز وغير القادر على الفعل والغاية من هذه الاستراتيجية هو إبعاد أي مسؤولية عنه وفي المقابل إلقاء كل الأخطاء على الآخرين ليظهر السيد الرئيس عندما تتأزم الأوضاع وتتعفن كثيرا وتصل إلى طريق مسدود في موقع الرجل المنقذ…والخطورة في هذه السياسة في كونها تقوم على ثنائية “هم ونحن ” وتقسيم الشعب إلى “أخيار وأشرار” وهي سياسة لا تستند على فكر العقد الاجتماعي المشترك الذي تحتاج إليه المجموعة البشرية حنى تستمر في الحياة وإنما على فكرة معركة الأطهار ضد الفاسدين.

ما يريده قيس سعيد هو استنزاف صورة رئيس الحكومة وصورة رئيس البرلمان أمام الجميع من خلال تكثيف المواجهة الاعتباطية

ما يريده الرئيس قيس سعيد هو تطبيق أفكاره عن الديمقراطية المباشرة من خلال تفكيك الدولة وإرباك مؤسساتها بتكثيف الحديث والخطابات الغامضة والمبهمة والترويج إلى فكرة أن الدولة تُحاك ضدها الدسائس والمؤامرات من أعداء الداخل والخارج وهذا تمش نتيجته مزيد من فقدان المعنى للأشياء وافتقار الأمور للحقيقة وتعويد الشعب على مثل هذا الحديث حتى يُصدق الناس أن البلاد تحفها المخاطر من أعداء الداخل المتآمرين عليها وبأنه هو الوحيد الطاهر النقي الحامي للمصلحة الوطنية وحينما يشك الشعب في نخبه وإعلامه وسياسييه وحينما تدب الحيرة في الناس حينها يظهر الرئيس على أنه هو وحده الطاهر النقي والمنقذ للعباد والبلاد.
ما يريده قيس سعيد هو استنزاف صورة رئيس الحكومة وصورة رئيس البرلمان أمام الجميع من خلال تكثيف المواجهة الاعتباطية وتعمد الظهور بمظهر الأستاذ الذي يُعلم تلاميذه في عملية اتصالية تقوم على الإحراج واستحضار الرسوم الكاريكاتورية لخصومه.
كل ذلك يريده قيس سعيد من خلال كل ما يقوم به ليصل في النهاية إلى إضعاف الدولة وإنهاك المؤسسات والتشكيك في المنظومة الديمقراطية وفك الارتباط مع الأحزاب السياسية وتحميل منظومة الحكم القائمة على الانتخابات وصناديق الاقتراع كامل المسؤولية فيما يحصل للبلاد في حين أن مؤسسة الرئاسة هي خارج هذه المجالات وبعيدة عن كل اتهام بالفشل أو الفساد وإذا ما تأكد الشعب بأن كل المنظومة الموجودة لا تصلح وهي السبب في الفشل عندها فقط سوف يطردها…
هذه هي الملامح العامة لإستراتيجية الرئيس قيس سعيد وهذا برنامجه الذي بدأ في تطبيقه منذ أن وصل إلى قصر قرطاج ويتواصل إلى اليوم. هذا ما يريده قيس سعيد وهذه استراتيجيته التي يمارسها في ظل غياب أية آلية أخرى من خلال الدستور ومنظومة الحكم الحالية لتطبيق شعار “الشعب يريد” وتطبيق نظرية الديمقراطية المباشرة التي يؤمن بها وتطبيق النظام الرئاسي الذي ينتصر له…
فهل نحن مستعدون لهذا الفكر الشعبوي؟ وهل نحن على استعداد لتقبل مثل هذا الزلزال العنيف في مستوى الأفكار والقيم والنظريات؟؟