نوفل سلامة يكتب: سقف مطالب المجتمع المدني عالي جدا… فكيف سيتصرف رئيس الجمهورية؟

كتب: نوفل سلامة

في خطوة اعتبرت مهمة لطمئنة الكثير من الجهات في الداخل المتخوفين على المسار الديمقراطي من كل إنحراف قد يحصل له وإعطاء رسالة ايجابية للخارج من كون الإجراءات التي اتخذها هي وقتية للعودة سريعا إلى الحالة الطبيعية وإلى الحياة الدستورية، استقبل رئيس الدولة قيس سعيد يوم 26 جويلية الجاري عددا من جمعيات المجتمع المدني ممثلة في اتحاد المرأة و جمعية النساء الديمقراطيات والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومن جانب الاتحادات كان الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري واتحاد الأعراف، وغاب عن هذا اللقاء المجلس الأعلى للقضاء والنقابة الوطنية الصحفيين التونسيين والهيئة الوطنية للمحامين بتونس والأحزاب وهو غياب فهم منه موقف من قيس سعيد حول المشهد المقبل الذي يريد أن يتحرك فيه وموقف من هذه الجهات المغيبة التي لا يحسب لها قيس سعيد أي حساب منذ حلوله بقصر قرطاج.
في هذا اللقاء تحدث قيس سعيد عن مبررات لجوئه إلى الفصل 80 من الدستور وحاول تجنب الحديث عن الخلل الموجود في القراءة والتأويل الذي قام بهما وركز فقط على الإكراهات السياسية التي كانت هي الدافع الحقيقي لكل ما اتخذه من تدابير استثنائية والتي قال عنها أنها كانت لمنع الخطر الداهم الذي يهدد البلاد من دون أن يقدم تعريفا لهذا الخطر الداهم الذي يمثل تهديدا لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها كما عرّفه الفصل 80 من الدستور و اقتصر على ذكر العدد الكبير من ضحايا كوفيد 19 واعتبر أن عدد الكبير من الوفيات يمثل خطرا داهما من شأنه أن يهدد كيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها.
بعد الحديث عن الدوافع والمبررات التي استند عليها لتعليق عمل مجلس نواب الشعب وحل الحكومة فسح المجال إلى مكونات المجتمع المدني من جمعيات ونقابات للاستماع إلى آرائهم ومواقفهم مما حصل فجاءت مجمل التدخلات متفقة حول جملة من المطالب على  الرئيس قيس سعيد أن يلتزم بها في الفترة الزمنية التي حددها الفصل 80 من الدستور والذي قال أنه استند عليه وأن يتعهد بأن لا يزيد عليها تحت أي مبرر من المبررات، وأن يعود سريعا إلى العمل بالإجراءات الدستورية العادية وأن يتعهد بأن لا يمس من الحقوق والحريات وكل مكتسبات حرية التعبير وأن يحافظ على الدولة المدنية والمساواة التامة بين الجنسين وأن يقدم خريطة طريق واضحة حول المرحلة المقبلة التي مدتها شهرا لا غير يوضح فيها للشعب برنامجه في المجال الاجتماعي وكيف سيتعامل مع ظاهرة الحرقة التي استفحلت؟
وأن يقدم حلولا كما وعد لكل الشباب الذي كره وطنه وقرر مغادرته خلسة ودون رجعة، وماذا سيقدم من حلول للعاطلين عن العمل الذين تزداد أعدادهم بعض الضرر الذي حصل لهم جراء جائحة وباء كورونا وخاصة سكان الأحياء الفقيرة والطبقات المهمشة التي لم ينلها شيء من الثورة وهي اليوم تأمل في رئيس الدولة أن ينهض بها ويغيّر من حالها…
حدثوه عن أهمية إعطاء الأولوية للقطاع الفلاحي وعلى أن الزراعة في تونس يمكن أن تكون حلا للبلاد وطريق نهضة لها لو تتوفر الإرادة السياسية وتلتفت إليها الدولة وتعطيها الحكومة من الأولية والأهمية ما تستحق وطالبوه بأن يعمل على استعادة القطاع الفلاحي مكانته التي يستحقها خاصة فيما له علاقة بالأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي الممكنة واسترجاع بذورنا التي أضعناها في العهود السابقة..
حدثوه عن الوضع الاجتماعي المتردي وعن ضعف المقدرة الشرائية وعن عجز الموظفين عن مجابهة متطلبات المعيشة اليومية بعد أن أصبح المرتب الشهري لا يقدر أن يصمد أمام ارتفاع الاسعار لأكثر من 17 يوما بسبب الارتفاع المتواصل في الأسعار حسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، وأنه من الضروري أن تتضمن خارطة الطريق التي مطالب بإعدادها للفترة المقبلة اجراءات لصالح هذه الشريحة وإجراءات أخرى لفائدة الطبقات الفقيرة والمعدمة والتي نسيتها الدولة لعهود من الزمن، واليوم هو مطالب بعد أن تجمعت كل السلطات في يده أن يفعل لها شيئا وفي تصريح متصل بها الحديث صرح أحد القيادات في الاتحاد أن الاتحاد سوف يطرح في لقاء قادم كل طلبات الطبقة الشغيلة على رئيس الدولة، وفي مقدمتها الزيادة في أجور الموظفين في القطاع العام والخاص المتفق عليها مع الحكومة المتخلية بما يعني مطالبة سعيد بالالتزام بكل ما تم الاتفاق عليه.
حدثوه عن المخاوف الكبيرة من عودة الاستبداد من جديد وأن الكلام والتعهدات لا تكفي وأنهم يريدون ضمانات كتابية يتعهد فيها بعدم التوسع في الإجراءات الاستثنائية التي هي مرتبطة بالخطر الداهم الذي يهدد سلامة الوطن وأمن البلاد واستقلالها لا غير وأن يجري حوارا عاجلا مع كامل الطيف السياسي لضبط خارطة طريق واضحة حيث صرح عميد المحامين أنه ذكر لقيس سعيد في هذا اللقاء بأن الخطابات لا تغرينا… وأن خطاب 7 نوفمبر كان في غاية الجمال…
حدثوه عن مخاطر الوضعية المالية للبلاد وأن الأزمة الخانقة التي تعيشها الدولة والحكومة في علاقة بندرة السيولة وبتعهدات الدولة أمام المانحين الدوليين والتزام تونس بتسديد ديونها القريبة، وأن خزينة الدولة تحتاج إلى إنعاشها بموارد جديدة وأن نسبة الاقتراض عالية جدا ولكن الديون شر لا بد منه وهي اليوم أكثر من متأكدة و ضرورية للخروج من الأزمة ولضمان السيولة الضرورية حتى تتمكن الدولة من تلبية احتياجات الناس ومتطلبات الشعب وفي مقدمتها ضمان صرف الأجور للموظفين والمتقاعدين…
حدثوه عن كل هذا وأكثر .. وحدثوه عن مخاوفهم من عودة الاستبداد في غياب خارطة طريق واضحة حتى نفهم إلى ماذا هو سائر رئيس الجمهورية…وفي غياب أي ضمانات مكتوبة لحماية الحقوق والحرية المكسب الوحيد الذي جناه الشعب من الثورة…
ولكن بعد هذا الحديث الذي توجه به مكونات المجتمع المدني من جمعيات ونقابات يبدو أن سقف المطالب كبير جدا وأن سقف الانتظارات واسع جدا…وأن الرئيس اليوم قد وضع نفسه في وضعية لا يُحسد عليها وفي مكانة صعبة والبلاد مرهقة بكم كبير من المشاكل ويرهقها حمل كبير من الاخلالات والإكراهات المتراكمة التي لا يمكن ان يقدر عليها شخص بمفرده أو جهة وحيدة ووضع كارثي الأفواه فيه مفتوحة ولا تقبل الانتظار….
فكيف سيتصرف قيس سعيد مع كل هذه المطالب؟ يبدو أن امتحان الصدق والوفاء بالوعود قد بدأ الآن…