نوفل سلامة يكتب: سواء كان انقلابا أو تصحيحا للمسار فإنه ‘لا مشاحة’ في المصطلح طالما وأن المعنى واحد!

كتب: نوفل سلامة  


التقيت صدفة الكاتب والصحفي المعروف حسن بن عثمان فسألته على وجه الدعابة والفذلكة…وهو شخصية تحب هذا الأسلوب في النقاش كيف ترى المشهد السياسي اليوم بعد الذي حدث يوم 25 جويلية المنصرم وما تبعه من اتخاذ الرئيس قيس سعيد لقرارات مؤثرة وخاصة تعطيل أعمال مجلس نواب الشعب وإقالة رئيس الحكومة ورفع الحصانة على كافة النواب وما تبعها من منح الرئيس قيس سعيد صلاحية واسعة لاتخاذ ما يراه من تدابير استثنائية لوقف الخطر الداهم الذي من شأنه أن يهدد أمن البلاد واستقلالها واستقرار مؤسساتها؟

وهل يعتبر أن ما حصل هو انقلاب على الدستور وخروج على معنى ومنطوق الفصل 80 منه؟ أم هو خطوة ضرورية لتصحيح المسار الذي حاد عن طريقه بعد الترذيل الذي عرفته البلاد وخاصة العبث الذي عرفه مجلس نواب الشعب؟ فتبسم ابتسامته المعهودة وقال: يا صديقي العزيز سواء كان انقلابا كما يقول البعض أو تصحيحا للمسار كما يرى البعض الآخر، فإنه لا مشاحة في المصطلح على رأي أهل اللغة العربية طالما وأن الغالبية متفقة على ضرورة فعل أي شيء من أجل إيقاف نزيف الفشل والخروج من المأزق السياسي، وعلى ضرورة أن نجري تغييرا في منظومة الحكم الحالية التي أثبتت عدم قدرتها على إدارة البلاد…
فالمهم أننا على اختلافنا في توصيف ما حصل فنحن متفقون على المعنى والقصد وهو أنه لا بد من تغيير الحال ولا بد من إرجاع الثقة في الإصلاح وإنقاذ البلاد.
في الحقيقة فإن هذا الرأي الذكي والذي يبدو في الظاهر تهرّبا من السؤال أو أنه من قبيل الإجابات الدبلوماسية التي لا تريد أن تغضب أحدا أو من نوع الإجابات التي يكون أصحابها في مأزق فيكون المخرج بالنسبة إليهم في مثل هذه الإجابات المعوّمة الفضفاضة التي يقبل بها الجميع، إلا أنها رأي وتصور يشترك فيه اليوم الكثير من أبناء الشعب المؤيدين والمعارضين للقرارات المزلزلة التي أقدم عليها قيس سعيد وهو رأي محترم نجده اليوم عند بعض رموز النخبة الفكرية المثقفة على غرار الأستاذ عبد المجيد الشرفي مدير بيت الحكمة السابق الذي له رأي من الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد ليلة 25 جويلية المنصرم قريب من رأي حسن بن عثمان حيث اعتبر أن المختصّين في القانون الدستوري على حقّ عندما يصفون ما حدث في عيد الجمهورية 2021 بالانقلاب ولكنّ كثيرا من فقهاء القانون يخطئون حين يرجعون الظواهر السياسية إلى مقولات قانونية شكليّة وينسون جوهر السياسة التي ليس القانون إلا أداة من أدواتها، إذ ليس للقانون في الأغلب من دور سوى تبرير ميزان قوى إما أن تستفيد منه فئة مخصوصة وإما أن يكون في صالح المجموعة الوطنية بكل أطيافها.
وفي قضية الحال فإنّ الدستور الذي وضع سنة 2014 كان من الصنف الذي لا يخدم إلا حركة النهضة ومَن في فلَكها، لأنها كانت تعرف حق المعرفة أنّها لا تمثّل أغلبية أفراد الشعب التونسي ، بل أنّ رصيدها الانتخابي لم ينفكّ يتراجع. ومعنى ذلك بكل بساطة أنّ الانقلاب الأخير هو انقلاب على الانقلاب الذي تمّ على المصلحة الوطنية العامّة. وكان ذلك على مراحل … وعلى هذا الأساس فإنّ الانقلاب الذي يستنكره القانونيون هو في الحقيقة عَوْد بالأمور إلى نصابها على شرط أن لا يكون مدخلا لحكم العسكر ولحكم المستبدّ ولو كان عادلا…
وسترينا الأيام القادمة إن كنّا على الطريق الصحيح المؤدي إلى الاستقرار الاجتماعي والطمأنينة النفسية والرفاه الاقتصادي والرقيّ الحضاري أم إنّ الإجراءات التي اتخذها رئيس الجمهورية ليست سوى نكسة أخرى تضاف إلى النكسات التي تُنضج الوعي الشعبي لا محالة. وهي لئن كانت في حال فشلها تؤخّر الحلول الناجعة فإنّها لا تقضي على توق الشعب إلى الحرية والكرامة وإلى إزاحة المتاجرين بالدين بكلّ صلف والمصطفّين وراء القوى الرجعية.”
هذا رأي مهم لا يركز كثيرا على القراءة القانونية ولا يولي بالا للمقاربة الدستورية على أهميتها وهو رأي وموقف يحاول أصحابه أن يتجاوزوا من خلاله المأزق القانون الحقوقي ويبتعدوا بالنقاش والحوار بخصوص ما حصل يوم 25 جويلية المنقضي وليلته عن دائرة المعطى القانوني وتحليل الفصل 80 من الدستور وهو رأي يسعى إلى تجاوز الاحراج الدستوري والانتقال بالنقاش إلى المقاربة الاجتماعية السياسية التي لا تتقيد بشكليات رجال القانون ولا تعطي كثير أهمية للنصوص التشريعية في مثل الأحوال والوضعية التي عرفتها البلاد والتي تحتم وتفرض وتوجب اتخاذ ما يجب اتخاذه وبكل الطرق والأساليب لإيقاف ما اعتبر عيثا وفشلا وإضعافا للدولة .. وإصلاح ما تم إفساده واستعادة البلاد لعافيتها والشعب الأمل في الحياة .. وكل هذه المهمات لا يمكن حسب أصحاب هذا الرأي التمسك كثيرا بالشكليات الدستورية أو التقيد بما يعتبر شرعية ونصوص قانونية التي لا تسمج حسب رأيهم لو تم التقيد بها إحداث أي تغيير تأكد اليوم ولسان حالهم يقول ما يردده المثل الشعبي ” إن الرجل الذي وقع في البئر لا يسـأل من أنزل له السلم وأنقذه من الغرق من أين جئت بالسلم ولا كيف تحصلت عليه طالما وأنه قد نجا من الغرق »…