نوفل سلامة يكتب: سيدي الرئيس حذار من أن تتآكل شرعية 25 جويلية

كتب: نوفل سلامة

اليوم مر أكثر من شهر على الخطوة السياسية المنعرج التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في تجميده عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة ورفع الحصانة عن كافة النواب…وما تبعها من قرارات أخرى استجابة إلى حراك 25 جويلية وما حمله من انتظارات ومطالب والكثير من الأحلام التي آمن بها كل من راهن على الرئيس أن يحققها وخاصة حلم تطهير البلاد من الفساد والمفسدين….

سيدي الرئيس، لعله من المفيد أن نذّكر بأن حراك 25 جويلية كان له مطلبان أساسيان المطلب الأول وهو الملف السياسي الذي كان يمثل المعضلة الكبرى للبلاد، وهو يحتوي على محاور وعناوين عديدة لم يقع إلى اليوم معالجتها أو حتى الاقتراب منها ونعنى بذلك إعادة ترتيب البيت السياسي وترتيب ممارسة السلطة في علاقة بالدستور الحالي، وكل الأسئلة المتعلقة بالنظام السياسي الذي بُني على أساسه فهل سيقع تغييره نحو إقرار نظام سياسي بديل يقطع مع النظام البرلماني المعدل؟
وإذا كانت النية تتجه نحو ذلك فهل تعتزمون تغيير الدستور الحالي أو التخلي عنه؟ وترتيب البيت السياسي يحتاج كذلك إلى تقديم إجابة على سؤال النظام الانتخابي وطريقة الاقتراع التي يقول عنها كل العارفين أنها وضعت لمنع تغول الاسلاميين فهل سيتم تغيير القانون الانتخابي؟ وهل نحن سائرون إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة أم لا؟

ديمقراطية تمثيلية أم مباشرة؟

وترتيب البيت السياسي يتطلب كذلك موقفا من الأحزاب السياسية ودورها في الحياة السياسية بمعنى هل في نيتكم التخلي على الديمقراطية التمثيلية وإقرار فكرتكم التي لطالما ناديتم بها و المتمثلة في تطبيق الديمقراطية المباشرة القائمة على الانتخاب على الأشخاص بدل القائمات؟
كل هذه الأسئلة الحارقة وغيرها لا نجد لها اليوم إجابة منكم رغم أنه مرّ على التدابير الاستثنائية التي اتخذتموها لإيقاف ما يعتبر عبثا سياسيا وفوضى الأحزاب والبرلمان وقت لا بأس به…

سيدي الرئيس، إذا كان ملف الفساد السياسي الذي أرهق البلاد لسنين عديدة بعد الثورة متعب بالنسبة إليكم وكلفته كبيرة والحسم فيه صعب في الظرف الحالي لتداخله وتعقده وارتباطه بملفات أخرى هي بمثابة الضغوطات التي تمارس عليكم، وربما هذا ما يفسر التعثر الملاحظ في التعاطي معه والبطء في تسويته لذلك نتفهم تأجيله، فإن مطلب الملف الاقتصادي ومشكلة الفساد الاقتصادي والمالي فإنه من المفروض أن تكونوا قد خطوتم فيه شوطا كبيرا خاصة وأن المشكل الاجتماعي مرتبط بالمشكل الاقتصادي والمالي وهي كلها ملفات قد عرفت في السنوات الأخيرة فسادا وصل حدا لم يعد يطاق ولم يعد تنتظر أكثر لحلها ومعالجتها…

وضع اقتصادي حرج

ورغم إقرارنا بأن المشكلة الاقتصادية هي الأخرى صعبة ومحرجة وتحتاج عزيمة وإرادة قويتين وقبل ذلك تحتاج صبرا وقدرة على المقاومة والتصدي إلا أننا لاحظنا أن طريقتكم في تناول هذا الملف تفتقر إلى المعالجة العقلانية وتنقصها المنهجية التي تجعله ينجح ولا يتحول إلى معالجة عقيمة أو من قبيل ذر الرماد على العيون كما فعل من كان قبلكم..
إننا نعتقد أن إعلان الحرب على الفساد هو قرار حكيم ويقف فيه الشعب معكم وهو مطلب الحراك إلا أن الطريقة التي توخيتموها غير مجدية على المدى البعيد فإعلان الحرب على ظاهرة الاحتكار ومحاصرة المضاربين مهمة ومداهمة أصحاب المخازن المتسببين في غلاء الأسعار وندرة البضائع من الأسواق مفيدة ولكن يا سيادة الرئيس هذه الطريقة في محاربة الفساد هي طريقة فرجوية تقوم على إظهار الصورة وعلى الاستعراض والإثارة أكثر منها معالجة جذرية وتعاط ينتهي إلى التقليص على الأقل من ظاهرة تجويع الناس وإرهاق الدولة والمجتمع…
فأن تهتم يوما بمادة البطاطا ويوم آخر بمادة الحديد ويوم ثالث بمادة اللحوم ورابع بقوارير الماء وخامس بالكراس المدرسي فإنك بهذا الأسلوب ستبقى لسنوات وأنت تداهم مخازن المحتكرين والمضاربين فضلا عن أن هذا العمل هو في الواقع ليس دورك ولا من مهامك وإنما من مهام المؤسسات وهياكل الدولة ودور الحكومة والوزارات وكل السلط الأخرى ومهمة الادارة التونسية وأعوانها وموظفيها لذلك فإن محاربة الفساد والمفسدين تحتاج إلى مقاربة تبتعد عن التناول الشعبوي الفرجوي الذي يركز على إثارة عواطف الناس ويرمي إلى كسب عطف العامة والحال أن هذه الظاهرة تحتاج آليات أخرى وأدوات عمل علمية تقوم على المنهج والخطة والإستراتيجية وذلك حتى لا نقع في الأخطاء وحتى لا ترتكب الحماقات التي تعود بالضرر على الفكرة النبيلة التي ترمي إلى بناء دولة من دون فساد…

خوفنا من تآكل الشرعية

سيدي الرئيس، نطرح معكم اليوم هذا الهاجس بعد مضي أكثر من شهر على إعلانكم التدابير الاستثنائية التي اتخذتموها لإيقاف الخطر الداهم على البلاد وخوفنا أن الوهج الذي رافق حراك 25 جويلية وسقف المطالب العال جدا لأصحابه قد يخفت إذا ما تواصل الحال على ما هو عليه من دون أن يرى الناس تغييرا حقيقيا في حياتهم أو تحسنا في ظروف معيشتهم أو إذا اتضح أن كل ما تقومون به يدخل ضمن الاستعراض الفرجوي الذي تعتمده الشعبوية لإسكات الناس وكسب الانصار…
الخوف اليوم أن أمل الناس في قدرتكم على معالجة الأمور والفرحة التي ظهرت على ملامح جزء كبير من الشعب في أن المستقبل معكم سيكون أفضل قد تتآكل لنجد أنفسنا أمام خيبة جديدة ولكن خيبة هذه المرة قاصمة للظهر.. لذلك يا سيادة الرئيس عليكم أن تحسموا في الكثير من الأمور وبطريقة سريعة على تأخرها ولكن تدارك الأمر واجب وإلا فان كل البناء سوف يتآكل..