نوفل سلامة يكتب/عبد المجيد الشرفي هذا ما خطر لي حول كتاب: البرامج التعليمية في تونس والتربية على التعدد

عبد المجيد الشرفي

كتب: نوفل سلامة

احتضنت مدينة الثقافة يوم الأربعاء 29 جوان المنقضي تقديم كتاب جديد عنوانه ” البرامج التعليمية في تونس والتربية على التعدد: تعليم أوتودكسي في واقع متغير” صادر بالإشتراك بين ” جمعية فواصل ” للدراسات الفكرية والاجتماعية و المعهد الدولي الإنساني عدد صفحاته 350 صفحة…

ورقات بحثية

احتوى الكتاب على سبع ورقات بحثية أنجزها باحثون وباحثات شابات وشبان تحت إشراف لجنة علمية مكونة من أساتذة من اختصاصات معرفية مختلفة تناول بالبحث والدراسة البرامج التعليمية في تونس خلال سنوات التعليم الابتدائي والسنوات الثلاث الأولى من التعليم الإعدادي من زاوية محددة، وهي مدى ملاءمة هذه البرامج التي تدرسها مدارسنا وتتلقاها الناشئة لقيم التعدد ولمفاهيم الاختلاف والعيش المشترك وخاصة ملاءمة محتوى هذه البرامج للواقع التونسي المتغير…والذي يعرف مظاهر اختلاف متعددة…

قبول الآخر..

وكذلك الوقوف على المساحة الموجودة في هذه المقررات والمضامين التعليمية للتعبير عن الثقافة الديمقراطية ونشرها في الفضاء المدرسي بما هي قيم التسامح والاعتراف بالآخر والتدرب على العيش المشترك، وعلى الاختلاف وقبول فكرة التعدد والتمايز من أجل تعايش مجتمعي يقبل به الجميع في مجالات مختلفة مثل التعدد اللغوي والجهوي والاجتماعي والسياسي والأيديولوجي والديني والمذهبي والجندري…
وقد كان السؤال الذي اشتغل عليه الكتاب هو معرفة هل أن البرامج التعليمية والتربوية التي تدرس اليوم تأخذ بعين الاعتبار صنوف هذا التعدد والاختلاف أم أنها برامج تكرس الرأي الواحد وترفض الاختلاف بما يجعل مؤسساتنا التربوية تنتج أفرادا لا يقبلون بالتمايز وتجعلهم تحت وطأة التنميط الهووي الايديولوجي؟

استنتاجات

انتهى هذا العمل البحثي الذي تناول تحليل كتب تدّرس في مدارسنا في المستويات الأولى من التعليم الابتدائي والإعدادي في علاقتها باحترام قيم المواطنة وقيم العيش المشترك وتمثل المختلف والمغاير إلى جملة من الاستنتاجات أبرزها أن التعليم في بلادنا لا يكرس احترام الآخر ولا يقر الاعتراف بمظاهر الاختلاف في المجتمع والمدرسة تفتقد للمعلم والأستاذ المكون الذي يتحلى بصفات تجعله قادرا على لعب هذا الدور المنوط به وتتوفر لديه الجاهزية لتدريس قيم الانفتاح على الآخر وعلى الفضاءات المختلفة…
فالملاحظ أن المكوّن غير جاهز للقيام بهذه المسؤولية المطالب بها وهي مهمة تتطلب تكوينا خاصا وثقافة معينة وقبل ذلك قناعة بأهمية تدريس قيم التسامح وثقافة التعايش مع الاختلاف والقبول بمن يختلف عنا.

مساحة للتفكير

الملاحظة الأخرى الذي انتهى إليها هذا الكتاب أن مضمون المحتوى الدراسي لهذه المستويات الدراسية يتضمن معطيات وأفكار جاهزة تلغي حق المتعلم في تحليل المحتوى ومناقشته أو بناء صورة للمجتمع مغايرة ومختلفة عن الصورة التي يقدمها الدرس والصعوبة متأتية من كون الآليات البيداغوجية للتعلمات والمحمل النظري الذي ينطلق منه المدرس يعيقه عن فتح مساحة للتفكير والنقد و على العموم هناك مشكل غياب النقاش الجماعي ومسايرة ما يجري في العالم من متغيرات بخصوص الاعتماد على العقل الجمعي بدل العقل الفردي في التفكير فاليوم لم نعد ننتظر للانتقال من وضعية إلى أخرى أو القيام بإصلاح ما في مجال من المجالات أن يصدر كتاب لمفكر يقدم فيه رؤيته وإنما العالم اليوم يتحرك ويتقدم بصورة جماعية وبقراءات وكتابات جماعية متعددة وهذه القراءات المتقاطعة هي من يؤسس لثقافة التعدد والاختلاف ويقطع مع فكرة الرأي الواحد.

موضوع العنف

الملاحظة الأخيرة هي أن الدراسة كشفت أن برامجنا التربوية لا تتطرق إلى موضوع العنف والتطرف بأشكاله المختلفة و تحذر من تناول هذه المسألة في علاقتها بالتطرف في الفكر والسلوك وفي علاقتها بمكانة الآخر بيننا ويرجع هذا الفراغ إلى الإحراج الذي يقع فيه المدرس والمكون بسبب عدم امتلاكه لأدوات النقاش والقدرة المعرفية والمنهجية للخوض في مثل هذه المسائل مع الناشئة وقد كان السؤال الذي أثارته هذه الملاحظة هو كيف يمكن للمدرس أن يخرج قليلا عن المقرر ويفتح مع تلامذته مساحة نقاش حول العنف المؤدي إلى التطرف والإرهاب خاصة وأنه موضوع يتجاوز الجانب التربوي إلى جوانب أخرى اجتماعية وسياسية ونفسية ودينية؟

  الشرفي يقدّم رؤيته..

في هذا اللقاء كان حاضرا الأستاذ عبد المجيد الشرفي الذي أخذ الكلمة ليقدم مداخلة يبسط فيها وجهة نظره من منطلق كونه قد حبر مقدمة لهذا الكتاب وفي عملية تفاعل فورية مع ما قيل من أفكار حيث قال : ما خطر ببالي اللحظة حول ما قيل حول الكتاب مسائل ثلاث :
الأولى : ما لاحظته هو أن هناك تأثير كبير من قبل من أنجز هذا المؤلف بالمراجع الفكرية المعتمدة في الغرب وكأن هناك استنساخا لمقولات صالحة في أطر سياسية محددة وخاصة بحضارة أخرى وتنزيلها على واقعنا و هي ليست بالضرورة صالحة لنا وكذلك الخوض في موضوع الأقليات في البرامج التعليمية بالصيغة والطريقة التي تطرحها مجتمعات أخرى وتطرح اليوم في الغرب تحتاج منا وعيا بهذه الخصوصية نظرا لاختلاف البيئة والمسار التاريخي والثقافي والتنوع السكاني . أما في بلادنا فإن موضوع الاقليات ليس مطروحا بنفس الحدة التي يطرح بها في المجتمعات التي تعرف مشاكل أقليات ولا هو من القضايا ذات الأولوية عندنا وليس له نفس حضور طرحه في الفضاءات الأخرى التي تعرف مشاكل عميقة في هويتها ووحدتها من اثنية وعرقية ودينية ومذهبية وسياسية ولغوية.
ثانيا: في الكتاب هناك تركيز كبير على جملة من القيم الأساسية لحياة الإنسان منها قيمة التعدد والاعتراف بالاختلاف غير أن السؤال المطروح هل أن من وظيفة المدرسة أن تبرز هذا الاهتمام وتتناول في المقررات الدراسية موضوع التعدد ؟ اعتقادي أن هذا ليس وظيفة المدرسة الأولى ذلك أن وظيفتها الأساسية هي التعليم والتكوين المتعدد الأبعاد مع تعليم ملكة النقد والتدريب عليه وعلى الحوار والابتعاد عن الدغمائية وتعويد التلميذ أن الحقيقة متعددة لأن التاريخ والحياة متعددة وأن الدخول إلى الموضوع من طرق متعددة ممكن  وهذا على خلاف البرامج التعليمية التي تكرس رؤية نمطية عن الفرد والمجتمع.
ثالثا : لا أحد ينكر أنه من المفيد أن نهتم بموضوع التعدد  لكن ما أراه بخصوص طرح هذه المسألة في الفضاء المدرسي هو الإجابة على سؤال هل أن مشكلة المدرسة اليوم في البرامج والكتب التي يجب أن تراجع وتحتاج إلى تقييم للوقوف على نجاعتها أم أن المشكلة تخص المدرس والمعلم  والمكون المؤهل والقادر على التكوين الجيد؟
في الكثير من الأحيان نجد معلمين وأساتذة يدرسون معلومات ناقصة هي ليست بالضرورة خاطئة مما ينتج عنه إنتاج الجهل في ظل توفر المعلومة وتدفقها فالتكوين والتدريس الجيد لا يكون إلا بإعطاء لكامل المعلومات حول موضوع ما مشكلتنا تكمن في هذه المشكلة وهي أننا ندرس قضايا مهمة بمعلومات ناقصة وهذا ما يجعل أول ما يجب مجابهته في عملية إصلاح التعليم هو الاعتناء بمستوى المربي.
اليوم هناك داخل المدرسة حقوقا مكتسبة وتقاليد متوارثة وعادات مستفحلة والسؤال هو كيف يمكن مواجهتها حتى يتحول المعلم والأستاذ إلى مكون كفء بأتم معنى الكلمة ؟ فالمشكلة في اعتقادي تكمن في المدرس والمعلم وليس في الكتب والبرامج وإن أول اصلاح يجب أن يتوجه إلى إصلاح الإطار التربوي.