نوفل سلامة يكتب: علمانية الدولة تثير جدلا ولبسا كبيرا في السودان وخارجه

كتب: نوفل سلامة

شكل إعلان المبادئ الذي وقعت عليه الحكومة الانتقالية السودانية يوم الأحد 28 مارس الماضي مع الحركة الشعبية ” شمال ” بزعامة عبد العزيز آدم الحلو المصنفة حركة متمردة مسلحة في جنوب البلاد إلى جانب حضور المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية ديفيد بيزلي حدثا بارزا في الآونة الأخيرة اهتمت به الصحافة العربية وحتى العالمية حيث يرجى من هذا الاتفاق أن ينهى مرحلة طويلة من الصراع بين طرفي النزاع الشمال والجنوب ويمهد لمرحلة جديدة من المفاوضات من أجل سودان موحد ولإجراء محادثات سلام حدد أجلها الشهر المقبل غير أن المثير في هذا الاتفاق أنه طرح فكرة إنشاء دولة علمانية تقر مبدأ فصل الدين عن الدولة وتتبنى عدم تدخل الدين في السياسة وهي مسائل قد أحدثت جدلا كبيرا في داخل السودان وخارجه.
فهل فعلا أقر إعلان المبادئ المتفق عليه مبدأ علمانية الدولة السودانية ؟ وهل فعلا ضحت الحكومة السودانية بالهوية الإسلامية وبعلوية الدين الإسلامي في الدستور والتشريع لضمان دولة سودانية موحدة ترابيا وبقوات مسلحة واحدة؟
حتى نفهم ماذا يجري في السودان وحتى نقف على حقيقة ما يروج من كون السودان قد تبنى العلمانية مذهبا للدولة علينا العودة إلى مضمون إعلان المبادئ الذي أشار حرفيا إلى “تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية في السودان تضمن حرية الدين والممارسات الدينية والعبادة لكل الشعب السوداني وذلك لفصل الهويات الثقافية والإثنية والدينية والجهوية عن الدولة، وأن لا تفرض الدولة دينا على أي شخص، ولا تتبنى دينا رسميا ” فهل يعني هذا أن السودان قد حول وجهته نحو العلمانية كما هي مطبقة في الأنظمة العلمانية القائمة على اقصاء الدين من السياسة والتشريع والحياة العامة وإبعاد الدولة من التدخل في اعتقاد الناس؟

فهل يعني هذا أن السودان قد حول وجهته نحو العلمانية كما هي مطبقة في الأنظمة العلمانية القائمة على اقصاء الدين من السياسة والتشريع والحياة العامة

يقول رئيس حزب الأمة السوداني “مبارك الفاضل المهدي” المصنفة حركته حركة إسلامية معتدلة وأحد الممضين على اتفاق سنة 1995 الذي ناقش وقتها تسوية القضايا المصيرية للسودان ومنها قضية وحدة البلاد وإنهاء الصراع مع ” جون قرنق ” ومسألة هوية الدولة التي فرضت الحديث حول علاقة الدولة بالدين وقضية تدخل الدين في السياسة ومسألة تدخل الدولة في الاعتقاد الخاص للأفراد وهي كلها قضايا شائكة بما يعني أن إعلان المبادئ الذي تم توقيعه مؤخرا هو مواصلة لكل النقاش الذي حصل من أجل التوصل إلى صيغة لتحقيق وحدة السودان وفي هذا الإطار فإن الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الفتاح البرهان حينما اتفقت مع الحركة الانفصالية المسلحة في الجنوب قد تجاوزت ثلاث عقبات رئيسية كانت عائقا أمام تحقيق السلام في السودان وتحقيق وحدته فالجنوب منذ جون قرنق وحتى قبل هذا الاتفاق كان يطالب بالإبقاء على قواته المسلحة و جيشه إلى سنوات أخرى وكان يطالب بحقه في تقرير مصيره ويطالب بحكم ذاتي وكان يطالب بفصل الدين عن الدولة ولكن في هذا الاتفاق فإن عبد العزيز آدم الحلو الممثل للجنوب قد قبل بأن يكون هناك جيش وطني واحد وأن تدمج قواته في الجيش السوداني الموحد كما قبل بفكرة دولة فيدرالية في السودان وبذلك يكون قد تخلى عن فكرة الانفصال والمطالبة بالحكم الذاتي وتقرير المصير وتخلى عن فكرة فصل الدين عن الدولة التي تمت مناقشتها في محادثات 1995 وقبل بالدولة المدنية هوية للدولة السودانية مع الموافقة على القيام بالترتيبات المطلوبة لمنع استخدم الدين في السياسة بالشكل الذي شهدته السودان في حكومة الانقاذ بعد النميري.
ما حصل في إعلان المبادئ الأخير أنه إعلان يندرج في إطار المواصلة لما تم الاتفاق عليه في محادثات سنة 1995 من اتفاق اطلق عليه وقتها إسم ” إعلان علاقة الدين بالسياسة ” الذي وقع عليه كل من ” جون قرنق ” وحزب الأمة وعثمان المرغني والحزب الشيوعي السوداني والذي اعتبر أساسا لتحديد طبيعة علاقة الدين بالسياسة وقد تم تبني هذا الإعلان في دستور سنة 2005 والمفيد الذي يجب توضيحه هو أنه خلافا لما تم ترويجه في مختلف وسائل الاعلام وفي يعض المنابر الحوارية أن إعلان المبادئ الأخير على عكس ما فهم ليس اتفاقا على علمانية الدولة السودانية ولا يتضمن حديثا عن فصل الدين عن الدولة وإنما هو اتفاق من أجل ايجاد صيغة لترتيب علاقة الدين بالسياسة من خلال إعلان مدنية الدولة وإقرار مبدأ منع استخدام الدين في السياسة بالشكل الذي شهده السودان في آخر عهد النميري وفي زمن حكومة الانقاذ التي سقطت سنة 2019 فالحديث إذن ليس حديثا عن العلمانية التي لها معان فلسفية كثيرة وتطبيقات مختلفة وعرفت سياقات تاريخية عدة وتشهد خلافا كبيرا حول معناها وإنما الحديث الذي تضمنه إعلان المبادئ لسنة 2021 تمحور حول ما هو المطلوب لتحقيق وحدة السودان وأمنه وسلامة ترابه وهو القبول بالتعددية الدينية والإثنية والعرقية أساسا في دستور السودان والاعتراف بممارسة حرية الاعتقاد لكل أفراد الشعب و الالتزام بمواثيق حقوق الانسان العالمية وعدم فرض الدولة لدين مخصوص على الأفراد على أن الإشكال الذي سوف يثار في محادثات السلام التي سوف تنطلق الشهر المقبل تنفيذا لإعلان المبادئ المذكور هو كيف سيتم فهم و تطبيق مبدأ عدم تبني الدولة لأي دين رسمي ؟ وهل سيقبل الشعب السوداني ومكونه الإسلامي وأحزابه الدينية بالتخلي عن الاسلام دينا رسميا للدولة ؟ وهل تكون هذه المسألة الدقيقة عائقا أمام انهاء حالة الانقسام والاقتتال ؟ وهل يمكن أن تفهم من مدنية الدولة حلا لتجاوز إسلامية الدولة على أساس أن اعطاء هوية دينية للدولة لا يتعارض مع فكرة المدنية ؟ بما يعني أن الاقرار بمدنية الدولة لا يحول دون الإقرار بهوية دينية للدولة. و بما يعني كذلك أن الدولة التي تتبنى الإسلام دينا رسميا لها هي دولة مدنية.