نوفل سلامة يكتب/ على هامش قتل الشرطية الفرنسية : لماذا التونسيون هم أول من يتصدر الأعمال الإرهابية؟

كتب: نوفل سلامة
استفاق العالم كما بلد الأنوار فرنسا منذ أيام قليلة على وقع حصول جريمة إرهابية فضيحة كان وراءها شاب تونسي يعيش في مدينة ” رامبويي ” الفرنسية في إحدى ضواحي باريس ذهب ضحيتها موظفة إدارية تعمل في الشرطة بعد أن تلقت ثلاث طعنات على مستوى الرقبة أردتها قتيلة قبل أن تطلق الشرطة النار على المعتدي ليتوفى هو الآخر.
هذه الجريمة التي هزت كل فرنسا والتي تضاف إلى سلسلة الهجمات الإرهابية التي تعرض لها هذا البلد كانت محل اهتمام كبير من قبل الصحافة الفرنسية وحديث الشارع الفرنسي الذي ركز بإطناب كبير حول موضوع الهجرة غير الشرعية ومدى مواصلة فرنسا قبول جنسيات أجنبية للعيش في رحابها وخاصة الجاليات العربية والمسلمة وموضوع تنامي ظاهرة التعصب الديني في صفوف الجاليات المسلمة من الجيل الثالث والرابع وحتى الوافدين الجدد الذين قدموا إلى فرنسا بدعوى البحث عن شغل وتحسين وضعهم المالي وظاهرة تزايد العداء لقيم الجمهورية وما تأسست عليه العلمانية الفرنسية وما تعايش عليه الفرنسيون.
جريمة هذه المرة التي كان وراءها شاب تونسي يبلغ من العمر 36 سنة كان قد قدم إلى فرنسا سنة 2009 بطريقة غير شرعية وتمكن من الحصول خلال سنة 2019 على الترخيص الاستثنائي للإقامة غير معروف لدى الشرطة الفرنسية والجهاز الأمني المختص في القضايا الارهابية ولم يكن مصنفا من بين العناصر المتطرفة والخطرة حيث اتضح بعد ارتكابه هذه الجريمة أنه كان في فترة ما بعد قدومه إلى فرنسا ينشر على صفحته على الفايس بوك منشورات تدين ظاهرة الإسلاموفوبيا وظاهرة التخويف من الإسلام والشحن الذي يحصل ضد الدين الإسلامي لكن بداية من سنة 2020 انتقل إلى نشر الأدعية والآيات القرآنية وبعد حادثة قطع رأس الأستاذ ” صامويل باتي ” على يد متطرف إسلامي بسبب عرضه صورا مسيئة للرسول في درس التاريخ انضم إلى حملة ” احترموا محمد بني الله ” كل هذا التطور الذي حصل في شخصية وحياة هذا الشاب التونسي لم ترصده الشرطة الفرنسية ولم تكتشفه إلا بعد مقتله.
هذه الحادثة الارهابية الجديدة التي كان وراءها شاب تونسي يعيش وضعا قانونيا ولا يعرف حسب التحقيقات الأولية صعوبات في العيش كان قد قدم إلى فرنسا بحثا عن تغيير وضعه الاجتماعي ولم يكن يعرف عنه تدينا عنيفا عدا كرهه لظاهرة الإسلاموفوبيا تطرح السؤال الذي نحتاج أن نجيب عنه وأن ندرسه لنعرف لماذا وكيف أصبح التونسيون أكثر العناصر إرهابا ؟ وما هي العوامل التي حولت الشباب التونسي وجعلتهم من أكثر الشباب إرهابا وتطرفا ؟ ولماذا لدينا اليوم عدد كبير من الشباب التونسي انضم الى الجماعات الارهابية فكرا وممارسة ؟
نعتقد أن الإجابات الكلاسيكية المتعارف عليها والتي عادت ما تعمد لتفسير الظاهرة الارهابية في العالم العربي والإسلامي والتي ترجع تنامي ظاهرة الإرهاب والتعصب والتطرف الديني إلى عوامل اجتماعية واقتصادية من بطالة وفقر وتهميش وعدم اعتراف مع غياب لكل معنى في الحياة وإلى ظروف نفسية من غياب الثقة في المسؤول السياسي ومن يحكم البلاد وإلى ما يعرف بالانسداد السياسي الذي وراءه الحكم الاستبدادي وقمع الحريات التي تعرضت إليها البلاد وإلى الوضع الديني المنحبس نتيجة التصحر الديني الذي عرفته البلاد طيلة عشريات طويلة وما رافقه من ضعف الثقافة الدينية وعدم الثقة في التدين الرسمي ورموزه المرتبطين بالسلطة الحاكمة .. فكل هذه المقاربات في علاقة بظاهرة الإرهاب والتطرف الديني لا تصلح لفهم كيف أن أكثر العناصر الارهابية هم من التونسيين ؟ ولتفسير كيف أن أكثر الأعمال الارهابية كان وراءه شباب تونسي؟
ولماذا الفرد التونسي هو أكثر من يقبل على الفكر والسلوك العنيف والانتماء إلى الجماعات الارهابية ؟
نعتقد أننا نحتاج اليوم إلى فهم جديد للظاهرة الارهابية وإلى مقاربة مختلفة تفسر كيف أن الشباب التونسي هو من أكثر الشباب العربي اقبالا على التطرف في الفكر والسلوك ؟ ونحتاج إلى دراسات تتناول ظاهرة تزايد اقبال الشباب التونسي على الارهاب ؟ نطالب بكل هذا الجهد الفكري والعلمي لأن هناك حيرة كبيرة ترافق ما حصل ويحصل من أعمال إرهابية يرتكبها شباب تونسي بالرغم من عملية التحديث التي خضعت لها البلاد منذ الاستقلال وعملية تركيز التعليم على القيم الحداثية وأفكار التنوير وجعله عصريا يتماهي مع المقاربات التربوية الغربية وكيف تفسر أن شبابا تخرج من المدارس البورقيبية التي اعتمدت تعليما عصريا يركز على التفكير وإعمال العقل وعلى التسامح والتعايش في مجتمع عرف بالدين المنفتح القائم على الوسطية والاعتدال يتبنى فكرا وثقافة متطرفة عنيفة؟
ما نحتاجه اليوم هو جهد جماعي لمعالجة هذه الظاهرة ومحاصرة التطرف وهو جهد لا يقف على المقاربة الامنية فقط على أهميتها ولكن المفيد اليوم هو أن نفهم لماذا وكيف يمكن لشباب ينتمي إلى بلد منفتح يقارب في طريقة عيشه الشباب الأوروبي و درس في مدارس ومعاهد تعتمد مناهج تربوية حديثة ويعيش في مجتمع منفتح وغير منغلق يتحول فجأة إلى شباب متطرف يسهل استقطابه وجلبه إلى حاضنة الإرهاب والتعصب والقتل بإسم الدين؟