نوفل سلامة يكتب: عندما يكشف محافظ البنك المركزي الحقائق الموجعة لوضعنا المؤلم….

كتب: نوفل سلامة
خلال جلسة الحوار التي عقدت بمجلس نواب الشعب مع السيد مروان العباسي محافظ البنك المركزي يوم الجمعة 21 ماي الجاري استمع نواب الشعب إلى خطاب صريح ومباشر من رجل مختص يمتلك معطيات دقيقة ورؤية واضحة حول وضع الاقتصاد التونسي وحالة المالية العمومية…
وهو خطاب كشف عن خطورة الوضع الذي تمر به البلاد وتوقف عند المخاطر الكبيرة التي تنتظر الحكومة في قادم الأسابيع إن هي لم تتخذ ما يستوجب من إجراءات عاجلة ونبه العباسي إلى ضرورة تدارك الأمر قبل أن ينهار كل البناء على رؤوس الجميع وتغرق السفينة بكل من فيها ومما جاء في مداخلته قوله: ” إن الوضع المالي والاقتصادي في تونس هو الأصعب منذ سنة 1962 السنة التي عرفت فيها البلاد صعوبات شبيهة بالتي نعرفها اليوم حيث لأول مرة في تاريخ تونس وصل الناتج الإجمالي المحلي إلى سلبي 9 بالمائة رغم أن الحكومة قد بنت تصوراتها على أساس نسبة نمو إيجابي للناتج المحلي في حدود 3 بالمائة.
وقد أرجع العباسي هذا الخلل الذي يعرفه الاقتصاد والصعوبات التي تمر بها المالية العمومية إلى عدة عوامل أهمها النقص الفادح في موارد الدولة نتيجة تصاعد العجز الذي وصل إلى 11.2 بالمائة بما جعل الدولة تلجأ إلى الاقتراض حتى تفي بالتزاماتها في تسديد ديونها المتخلدة تجاه المانحين الدوليين، وإلى تداعيات فيروس كورونا الذي أثر كثيرا على الوضع العام و تراجع الاستثمار الداخلي والخارجي نتيجة غياب مناخ ملائم ومشجع للاستثمار واعتبر أنه من بين العوامل التي قللت الرغبة في الاستثمار التصريحات الخاطئة لبعض الخبراء في وسائل الإعلام حول إفلاس البلاد، من تداعياتها المباشرة نفور رجال الأعمال من الاستثمار و من تداعياتها خلق وضعية من الفوضى الاقتصادية في البلاد إلى جانب هدر إمكانيات موجودة لتوفير الموارد المالية التي نحتاج إليها على غرار الفسفاط والغاز وإنتاج القمح…
واعتبر محافظ البنك المركزي أن هذه الوضعية قد أثرت على الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد الموازي على حد السواء مما جعل الدولة تنفق أموالا إضافية لمرافقة المتضررين العاملين في التجارة غير الرسمية والمهن والأعمال المصنفة ضمن الاقتصاد التحتي خارج الأطر الرسمية.
اعتبر مروان العباسي بعد هذا التقييم الذي قدمه عن حالة الاقتصاد والمالية العمومية أن المطلوب اليوم الذي على الجميع الاشتغال عليه وإعطائه الأولوية القصوى هو الانطلاق في عملية إنقاذ عاجلة للاقتصاد التونسي خلال الشهرين القادمين تفاديا لمزيد تعمّق الأزمة الاقتصاديّة في البلاد ودون ذلك حصول السيناريو الذي علينا تجنبه وهذا يتطلب الاتفاق على إقرار هدنة اقتصادية وسياسية…حتى يتم إعادة محركات النمو الثلاث والمتعلّقة بالاستثمار والتصدير والاستهلاك التي تضررت مع ضرورة اتخاذ إجراءات لترشيد التوريد الذي يستنزف كميات كبيرة من العملة الصعبة و يرهق ميزانية الدولة والعمل على استعادة ثقة رجال الأعمال و المناخ الملائم الذي يسترجع نسق الاستثمار…
وشدد على أن المشكل في تونس هو مركب وهذا يعني أنه إلى جانب الاتفاق على هدنة اقتصادية وسياسية ضرورة أن نعمل على ايجاد مناخ أعمال ملائم للاستثمار وهذا يحتاج توفير حد أدنى من الاستقرار السياسي…وبخصوص اعتراض البعض عن ذهاب الحكومة إلى صندوق النقد الدولي قال العباسي: من يقول نحن لسنا في حاجة إلى مساعدة الصندوق فليقدم لي البديل والحل .. إن وضعية تونس الاقتصادية صعبة جدا ولا يجب تعميق هذه الصعوبات على التونسيين بمثل هذا الكلام…
وأنهى محافظ البنك المركزي مداخلته في جلسة الاستماع في مجلس نواب الشعب بانتقاد بعض الخبراء الاقتصاديين الذين تتم استضافتهم في المنابر الإعلامية ممن يتحدثون على أن البديل هو في البنك المركزي فإنهم يتحدثون هنا عن نموذج فنزويلا وليس عن تونس…
كان هذا جانبا من مداخلة مروان العباسي محافظ البنك المركزي عن صورة الوضع الاقتصادي والحالة المالية وعن الصعوبات التي تنتظر البلاد إذا لم تتخذ الاجراءات اللازمة لإنقاذ هذه الوضعية الصعبة وهي مداخلة وصفت بالصريحة وبأنها قد كشفت عن حقيقة موجعة عن حالنا ومؤلمة وهي في جانب منها تشخيص دقيق وإن كان الكثير يعلم به إلا أن إعادة التنبيه من قبل رجل عارف بتفصيل كبير عن حالة البلاد المالية والاقتصادية يجعل من أوكد الأمور أن يجلس الجميع على طاولة واحدة للاتفاق على الخطوات العملية قبل أن يسقط سقف البيت على ساكنه…
فهل يعود الوعي والرشد إلى المسؤولين السياسيين الذين محمول عليهم واجب إدارة الشأن العام وإنقاذ البلاد؟