نوفل سلامة يكتب: عود بالتاريخ إلى الوراء في لقاء الرئيس المرزوقي بالأستاذ قيس سعيد

كتب: نوفل سلامة  

في زمن حكومة الترويكا بعد الثورة كان رئيس الجمهورية حينها هو الدكتور محمد المنصف المرزوقي الذي جاء إلى السلطة وتقلد الحكم بعد فوز حزبه المؤتمر من أجل الجمهورية بالمرتبة الثالثة في الانتخابات التي جرت في خريف 2011…
 
وبعد توافق حصل بين حركة النهضة وحزب الدكتور مصطفى بن جعفر  التكتل من أجل العمل والحريات وحزب المرزوقي المؤتمر… وكلنا يتذكر ماذا حصل لتلك الحكومة في نسختها الأولى والثانية من هرسلة ودعوات لإسقاطها منذ يومها الأول… وكلنا يتذكر الأحداث الجسام التي حصلت خلال شتاء وصيف سنة 2013 بوقوع إغتيالين سياسيين مؤثرين ذهب ضحيتها المرحوم شكري بلعيد والمرحوم الحاج محمد البراهمي عجلت برحيل الحكومة بعد احتجاجات كانت أقوى مما حصل يوم 25 جويلية المنصرم من حيث تواصلها في الزمن ومن حيث التعبئة الجماهيرية والتجييش الشعبي ومن حيث خطورتها على البلاد بعد محاولة استمالة الجيش الوطني لتسلم الحكم والسلطة.
في تلك الأيام العصيبة من تاريخ تونس كان الاحتقان على أشده وكانت البلاد على شفا حرب أهلية ودخول البلاد في اقتتال والخروج عن المسار الديمقراطي والمسار الثوري .. في تلك الأيام نشرت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية بتاريخ 11 سبتمبر 2013 (دائرة الإعلام والتواصل ) أن الرئيس محمد منصف المرزوقي وفي إطار التشاور مع الشخصيات الوطنية والاستماع إلى مختلف وجهات النظر للحساسيات السياسية والفكرية من الأزمة التي كانت تعصف بالبلاد والتصورات والحلول الممكنة للخروج من هذا المأزق الذي تسببت فيه الأعمال الارهابية للجماعات التكفيرية التي تقودها جماعة أنصار الشريعة،
إلتقى الرئيس منصف المرزوقي بالأستاذ قيس سعيد في حوار مطوّل تناول مختلف القضايا الحارقة وقتها، وجملة المسائل القانونية المنبثقة عن التنظيم المؤقت للسلط العمومية والتصورات الممكنة للخروج من الأزمة التي تمر بها البلاد وممّا جاء في هذا اللقاء أن الأستاذ قيس سعيد قد أوضح عقب هذا اللقاء أن لقاءه بالرئيس المرزوقي كان مناسبة لاستعراض جملة من التصورات الممكنة للخروج من الأزمة الراهنة سواء من الناحية القانونية أو من الناحية السياسية مشددا على وجود إرادة حقيقية من قبل عديد الأطراف للخروج من هذا الوضع…
ودعا إلى ضرورة أن تجتمع جميع الأطراف السياسية ومكونات المجتمع المدني على طاولة المفاوضات للبحث السريع عن مخرج للأزمة الراهنة في كنف الوفاق الوطني، وأكد في السياق ذاته على ضرورة أن تصب جميع التصورات المطروحة للخروج من الأزمة و تجاوز المرحلة الانتقالية في أقرب وقت ممكن والمرور إلى مرحلة المؤسسات الدائمة.
وأضاف بيان رئاسة الجمهورية أن اللقاء بين الرجلين قد شهد أيضا تقييما للتصورات التي كانت قد طرحت منذ بداية المرحلة الانتقالية الثانية والأسباب التي أدت إلى هذا الوضع لافتا إلى ضرورة وضع تصور جديد يقطع مع الفكر السياسي والإداري الذي كان قائما منذ أكثر من خمسين سنة وأن تعود الارادة والسيادة إلى صاحبها الأصلي الذي هو الشعب التونسي.
قيمة العودة إلى هذا اللقاء وتذكر ما دار بين الرجلين من حوار حول المرحلة ودقتها واستحضار ملابسات دعوة المرزوقي الأستاذ قيس سعيد للحديث معه والاستماع إلى رأيه تكمن في كون البلاد قد عرفت في السنوات الأولى للثورة أحداث خطيرة للغاية أكثر تأثيرا من اليوم بعد أن استهدفت الثورة بالاغتيالات السياسية وتحويل وجهتها بتحريك العناصر الإرهابية ومحاولة إدخال البلاد في احتراب واقتتال كاد يعصف بكل المنجز الثوري وأن البلاد قد عرفت أزمة أكثر خطورة من أزمة اليوم ومع ذلك كان التوجه العام هو إعادة ترتيب الأمور من خلال الشرعية الثورية والشرعية الانتخابية، ومن خلال الحوار والاتفاق الجماعي والمشترك ولتجنب العودة إلى الحكم الفردي و على مخرج يجنب البلاد منزلق انتهاك الحريات وحقوق الإنسان ومنزلق المحاكمات الانتقامية وتجنب دخول المؤسسة العسكرية في أتون الصراعات السياسية والمناكفات والخصومات الحزبية ويبقيها على حيادها واستقلاليتها كونها الضامن للثورة والحامية للوطن.
قيمة العودة إلى التاريخ القريب من أحداث تونس المعاصرة فيما كان قد دعا إليه الرئيس قيس سعيد في اللقاء الذي جمعه بالرئيس الأسبق محمد المرزوقي في خريف سنة 2013 والبلاد منهكة بالصراعات والإضرابات والاحتجاجات والمظاهرات وقطع الطرقات وتعطيل الانتاج ودعوات الرحيل والمحاسبة وحل الحكومة من ضرورة الاحتكام إلى الحوار والتفاوض بين مختلف الطيف السياسي والجلوس على طاولة الحوار للوصول إلى حل جماعي لا فردي لتجاوز الأزمة و تجاوز المنزلق الذي عطل البلاد في تلك الفترة الحرجة التي وظفت فيها كل الوسائل….وكان دور الاعلام حاسما ومؤثرا في تأليب الشعب وحرصه وتأكيده على أن لا تخرج الأزمة إلى ما لا تحمد عقباه وأن لا يبقى العطب السياسي أكثر من اللزوم مع ضرورة العمل على تجاوز المرحلة الانتقالية في أقرب وقت ممكن وفي أسرع الأوقات حتى تعود البلاد إلى مرحلة المؤسسات الدائمة والوضع الطبيعي.
قيمة العودة إلى حديث قيس سعيد مع محمد المرزوقي للتذكير أن الرئيس قيس سعيد والبلاد تمر بأحلك أحوالها وأصعب مرحلتها بعد الثورة لم يكن يدعو إلى الخروج على الشرعية ولا تجاوز الدستور الصغير المعروف بالتنظيم المؤقت للسلطات العمومية، ولم يكن يطالب بحل المجلس التأسيسي أو استقالة الحكومة فماذا تغير في فكر الأستاذ؟ وكيف حدث التغيير في تصوراته؟
وما الذي أثر ودفع حتى نرى ونسمع حديثا من الرئيس سعيد مختلفا تماما عما كان قد قاله لما كان فردا من الشعب وعنصرا مؤثرا في الحراك السياسي وفاعلا نشيطا في المجتمع المدني؟ ما الذي حدث حتى نقف على شخصية يقول عنها الكثير من الناس قد حصل فيها تغيير كبير؟
فهل هي دواعي الحكم؟ وهل هي المراجعات التي حتمتها هذه المرحلة ودقتها؟
أم أن عوامل أخرى أكبر من هذا وأخطر جعلت الاشخاص تتغير في علاقة بالضغوطات الإقليمية والدولية، وفي علاقة بلعبة المحاور الاقليمية وفي علاقة بالارتباطات المؤثرة التي تتحكم اليوم في المشهد السياسي الوطني والمحلي بما يطرح السؤال الذي يثيره اليوم الكثير من أبناء الشعب التونسي الذين استبشروا خيرا بالقرارات التي اتخذها قيس سعيد بخصوص التخوفات الجدية من تدخل الخارج وفرض أجنداته وفرض خارطة طريق للمستقبل لا تعكس الواقع التونسي ولا تخدمه وإنما تحقق غاية أصحابها غلق قوس الربيع العربي الذي بدأ من تونس ومن الضروري أن يُغلق فيها…