نوفل سلامة يكتب/ في أربعينية المرحوم أحمد المستيري: من مدافع عن نظام شمولي إلى أب للديمقراطية؟!

كتب: نوفل سلامة  

خصصت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات ندوة يوم السبت 26 جوان الجاري لإحياء أربعينية المناضل أحمد المستيري أحد بناة الدولة التونسية الحديثة وأحد الآباء المؤسسين للجمهورية التونسية وأحد المساهمين في تحديث المجتمع وأحد أفراد التيار الديمقراطي داخل الحزب الاشتراكي الدستوري أو ما يُعرف بالنواة الأولى الدستورية التي طالبت مبكرا بدولة اجتماعية ديمقراطية وطالبت بتطبيق الديمقراطية داخل الحزب قبل تطبيقها في المجتمع…

في هذا اللقاء الذي أثثه القيادي السابق في حزب التكتل من أجل العمل والحريات محمد بنور والإعلامي رشيد خشانة والدكتور مهدي مبروك أستاذ علم الاجتماع وعدد من أصدقاء المرحوم في حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي أسسها سنة  1978 ، كان السؤال الديمقراطي حاضرا بقوة وكان هاجس التوجه الديمقراطي في فكر أحمد المستيري فارضا نفسه وكان الاهتمام منصبا بالكامل في هذا اللقاء على الجذور الديمقراطية في حياة المستيري ومشواره السياسي وبأكثر دقة كان الحديث ينساب بكل هدوء نحو طرح الأسئلة المحرجة التي تسائل منجز الرجل الديمقراطي بعد أن لصقت به تسمية ” أب الديمقراطية في تونس ” وبعد أن عده المؤرخون السياسي الذي حمل مشعل الديمقراطية في تونس بعد أن حجبها الرئيس بورقيبة وأجل تطبيقها بل طالب بأن ينجزونها من بعده .. المهم هو أن هذا اللقاء قد حتم الإجابة على سؤال هل كان أحمد المستيري فعلا ديمقراطيا منذ البداية كما يُقال؟ وهل فعلا كان مؤمنا بتطبيق الديمقراطية داخل الحزب الاشتراكي الدستوري ؟ وهل فعلا كان خلافه مع الرئيس بورقيبة خلافا سياسيا من أجل رغبة في الاصلاح وتغيير المسار السياسي ومن أجل تونس أخرى غير التي كان بورقيبة يتصورها؟
في هذا اللقاء قيل الكثير من الكلام في مدح المرحوم والتعريف بالخصال التي اشتهر بها وتم استحضار مناقبه التي عُرف به منها أنه لا أحد يشك في وطنيته ونضاله ولا أحد ينسب إليه مظهرا من مظاهر الفساد المالي أو السياسي، بل على العكس فإن أحمد المستيري كما الكثير من جيل التأسيس الأول كان متعففا عن الاستفادة من المنصب السياسي أو توظيف مكانته الحزبية لتحقيق مغانم شخصية وهو شخصية محرجة لكل من وقف مع التوجه الاستبدادي وكل منكر على الشعب حقه وأهليته بحياة ديمقراطية كسائر شعوب العالم. 
عُرف بنهجه الإصلاحي التحرري حيث كانت له رؤية مختلفة لإصلاح النظام الحاكم تقوم على فكرة الإصلاح من الداخل وكان يرى أن الدولة بعد سنوات من الاستقلال في حاجة إلى إصلاح وأن الحزب هو الآخر يحتاج إلى إعادة بناء و ضخ جرعة من الديمقراطية هو في حاجة إليها إن أراد مواصلة قيادة الدولة والمجتمع وهذا النهج الإصلاحي التحرري هو الذي به يفهم كيف عارض أحمد المستيري التمشي الاقتصادي الذي تبناه الحزب في مؤتمر بنزرت باعتماده فكرة التعاضد التي قادها أحمد بن صالح طريقا للتنمية وإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية حيث عارض الطريقة والأسلوب الذي بهما طبقت سياسة التعاضد في التجارة ولكن كل هذا الجهد الذي بذله مع ثلة من رفاقه الذين عرفوا فيما بعد تحت تسمية ” مجموعة الأحرار ” لم يلق آذانا صاغية ولما أيقن أن عملية الإصلاح من داخل منظومة الحكم هي طريق لا يمكن أن يوصل إلى التغيير الذي كان ينشده قرر الخروج من الحزب الاشتراكي الدستوري وبدأ التفكير يراوده في تأسيس حزب جديد بأفكار جديدة. يقول رشاد خشانة ” ما كان لأحمد المستيري أن تكون له هذه القناعة لولا أنه تخلص من أوهام الحزب الواحد ” . 
والسؤال المطروح هل أن خروج أحمد المستيري من الحزب كان من وراء دوافع موضوعية وقناعة قد حصلت بأن الرئيس بورقيبة لا يمكن أن يتبنى الديمقراطية ؟ وأنه من المستحيل أن يحصل إصلاح للنظام من داخله من خلال إصلاح الحزب ؟ أم أن عوامل شخصية والطموح لخلافة بورقيبة بعد أن رأى نفسه الشخصية الأقدر والأجدر لقيادة الدولة و بعد أن أيقن أن بورقيبة يفكر في شخصية أخرى غيره لخلافته قد حركت الرجل نحو التحول إلى معارض للنظام الحاكم وهو الذي كان إبن المنظومة السياسية التي تشكلت بعد الاستقلال وأحد أعمدة دولة الاستقلال وأركانها وأحد الجهاز الحزبي التي حكم به بورقيبة حيث تقلد المستيري في وقت وجيز أربع وزارات هي العدل والمالية والدفاع والداخلية؟
عن كل هذه الأسئلة التي تخامر أذهان الكثير من المتتبعين لمسيرة الرجل السياسية قدم الدكتور المهدي مبروك رؤية تنطلق من سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الفرد التونسية وله صلة بخصائص الشخصية التونسية وشخصية الفرد عموما يقول : كيف يمكن للفرد أن يكون ديمقراطيا ؟ و هل كان أحمد المستيري منذ نشأته الأولى ديمقراطيا ؟ وكيف تحول إلى أن أصبح ديمقراطيا وهو إبن الآلة الحزبية التي تنكر التعدد وتفرض الرأي الواحد ؟ وهو سؤال يخفي وراءه موقف من أن المستيري قبل أن تحصل القطيعة بينه وبين الحزب الذي أنتمى إليه لفترة لم يكن على النهج الديمقراطي و أن الرجل لم يكن في البداية ديمقراطيا وإنما تحول فيما بعد إلى الفضاء الديمقراطي تحت عوامل مختلفة.
يعتبر الدكتور المبروك أن انتقال الفرد من مسار الحزب الواحد والدولة الشمولية والمجتمع المنغلق الى مسار الحرية والتعددية والمجتمع المنفتح القابل بالتعدد والتعايش مع المختلف تؤثر فيه جملة من العوامل الشخصية والميولات والطموح الفردي وفي حالة المستيري يمكن أن نذكر حادثة طرده من الحزب في شهر جانفي من سنة 1968 على خلفية معارضته لسياسة التعاضد  واضطراره في مرة أخرى إلى الاستقالة في شهر جوان من سنة 1971 على خلفية تنصل بورقيبة من وعوده السياسية  وتراجعه عن الانتفاخ السياسي. وقد تؤثر فيه عوامل موضوعية منها تراكم التجربة السياسية وضرورات الواقع وطبيعة الإحراجات الحاصلة في البلاد بما تشتمل عليه من أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية حادة فكل هذه المحددات قد تغير من قناعة الشخص فإذا اجتمعت الأمور الشخصية مع المعطيات الموضوعية حينها يكون التحول ويكون التغيير وأحمد المستيري على ما يبدو التقت ظروف خاصة مع معطيات موضوعية لجعله يتحول من رجل ينتمي إلى منظومة حكم شمولية وحزب مغلق إلى رجل مدافع عن الحرية والتعددية ومناصر للديمقراطية وعموما يمكن أن نتصور ثلاثة عوامل أثرت بقوة حتى تجعل منه رمز الديمقراطية في تونس وأبا لهذا المسار الشاق.
العامل الأول : الحلقة الجيلية : من المعروف أن أحمد المستيري هو من الجيل الثاني للمناضلين الدستوريين أي من الجيل المؤسس للدولة التونسية الحديثة المتشبع بالقيم الديمقراطية والمبادئ التحررية وهذا الجيل كان له حلم كبير في بناء دولة اجتماعية ديمقراطية غير شمولية وهذا يعني أن انتماءه لهذا الجيل والتقاءه مع مجموعة من التونسيين المؤمنين بالفكر التحرري هو الذي جعل منه شخصية ديمقراطية فهذا الجيل كانت له مهمة تاريخية في التأسيس الديمقراطي وهنا يمكن أن نتحدث عن مساهماته الواضحة في تحديث المجتمع والدولة حينما أشرف على إعداد مجلة الأحوال الشخصية وما رافقها من تطوير وضع المرأة التونسية والجهد الذي بذله في تونسة القضاء وتوحيده بعد أن كان مختلطا وهذا المعطى التاريخي في انتمائه إلى مجموعة كانت مؤمنة بالديمقراطية ومقتنعة بضرورة أن تتبنى الدولة والحزب التعددية وأن تفسح المجال للتعبير عن الاختلاف هو الذي سوف يظهر فيما بعد حينما يقرر تأسيس حزب جديد من خارج الحزب الاشتراكي الدستوري حيث أطلق على هذه المجموعة التي انتمى إليها إسم ” مجموعة الأحرار “.
ثانيا احتياجات المرحلة:  حصلت للمرحوم أحمد المستيري ومجموعته قناعة بأنه لا سبيل إلى الاصلاح من داخل منظومة الحكم كما أنه لا مجال إلى أن يتبنى الحزب مقولات الديمقراطية و ثقافة تعددية حقيقية وحصلت قناعة أخرى من أن روح العصر في تلك الفترة قد فتحت نوافذ على أن التاريخ سائر نحو التخلي عن الحكم الشمولي وأن رياح التغيير قادمة لا محالة وأن البلاد تنتظرها رهانات أخرى وتحتاج مسارا مختلفا غير المواصلة في نظرية حكم الحزب الواحد. لقد أيقن بأن المجتمع التونسي قد أصبحت له حاجيات أخرى مع حصول وعي جديد لأفراده وهذا كله يحتاج إلى رؤية جديدة لقيادة الدولة والمجتمع الأمر الذي عجل بتحول الرجل إلى الفضاء الديمقراطي وتزعمه المعارضة للرئيس بورقيبة .
ثالثا : ضرورة القيام بالنقد الذاتي : لا يمكن أن يحصل التغيير والإصلاح والتحول من مسار فكري أو سياسي إلى آخر من دون التوقف قليلا والقيام بمراجعات ضرورية ونقد ذاتي للتجربة والتطبيق فمن دون هذا النقد لا يمكن أن يتحول الفرد من الفكر والممارسة الشمولية إلى الحياة الديمقراطية وأحمد المستيري لم يتحول إلى التعددية لولا أنه قام بمراجعات مؤثرة وفي هذا السياق يقول مهدي مبروك حينما قرأت كتابه ” شهادة للتاريخ ” ورأيت كيف جلد نفسه بتلك الطريقة من خلال ما قام به من نقد ومراجعات قد أشفقت عليه من كثرة اللوم والاعتراف بالخطأ وهي خاصية قلّ وندر أن رأيناها عند غيره من السياسيين. إن إلتقاء الحلقة الجيلية المؤمنة بالديمقراطية مع الحاجيات الجديدة للمجتمع مع إجراء مراجعات موجعة هي كلها جعلت المرحوم أحمد المستيري رجلا ديمقراطيا أو كما يحب رفاقه أن ينادوه به ” أب الديمقراطية في تونس “
ما يمكن قوله حول هذه الندوة التي أريد لها أن تؤرخ لسيرة رمز من رموز الديمقراطية في تونس وأن تكتب جانبا من جوانب كثيرة من حياة المرحوم أحمد المستيري ومسيرته السياسية هو أن هذا الاحتفاء الفكري قد خلف عدة أسئلة تحتاج إلى ندوات أخرى لإضاءتها وتركت أسئلة أخرى تحتاج إلى مزيد النقاش حولها منها خروجه من الحزب الذي أسسه بعد مجيء بن علي إلى الحكم ومعرفة الدواعي التي جعلته يخير الانسحاب من حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وتركها في مهب الريح ؟ ومنها معرفة مشروعه الإصلاحي لتغيير المجتمع وهل كان رجلا منفتحا كما يقال عنه أم على العكس من ذلك كان رجلا صلبا بما يجعل منه شخصية غير توافقية وغير وسطية ؟ ومنها علاقته بالحركة الإسلامية وتحديدا الاتجاه الإسلامي وكيف كانت النهضة بعد الثورة على استعداد للنزول بثقلها بعد أن رشحته إلى منصب رئيس الحكومة ؟ ومنها رؤيته للعمل السياسي وعلاقة بالمعطى الأخلاقي في الممارسة السياسية ؟ ومنها أهمية السياق التاريخي الذي تحرك فيه المستيري ما يدعو إلى قراءة منجز الرجل وفق القراءة التاريخية لمسيرته لا من خلال منظور الحاضر ورهاناته ؟ ومنها البحث في مناطق النجاح والفشل في حياة الرجل السياسية ؟ ومنها سؤال هل عطل أحمد المستيري الذهاب إلى الديمقراطية لما كان وزيرا للداخلية حينما عطل مؤتمر الاتحاد العام لطلبة تونس في مؤتمر قربة سنة 1971 ورفض تواجد عناصر أخرى غير دستورية وأقصى الطلبة الشيوعيين والقوميين وأراده اتحادا بلون واحد ؟ ومنها هل كان أحمد المستيري يصبح ديمقراطيا ويتزعم المعارضة السياسية لو حضي برعاية بورقيبة وأصبح وزيره الأول؟  ومنها هل كان موقفه من تجربة التعاضد ومعارضته للنهج الاشتراكي الذي تبناه الحزب لقناعة شخصية لانتمائه إلى الفكر الليبرالي  ؟ و هل كان رفضه تطبيق التعاضد في التجارة  من أجل تحفظات في التطبيق والطريقة التي توخاها أحمد بن صالح أم لرؤية أخرى لا ترى تونس اشتراكية ؟
وفي الأخير فإن سردية أحمد المستيري هي سردية الديمقراطية في تونس وقصة نخبة تونسية قادت تحرير البلاد من المستعمر و لكنها كانت ضد الديمقراطية ورفضت تطبيقها في بداية تأسيس الدولة الحديثة .. وسردية مجموعة من الأحرار آمنوا منذ التأسيس الأول للجمهورية التونسية بأن المواطن التونسي يستحق حياة ديمقراطية تقوم على الحرية والتعدد والتعايش مع المختلف والاعتراف بالآخر وأن المجتمع بما حصل له من وعي بإمكانه أن يتقبل الديمقراطية .. إنها قصة جيل منهم من قضى نحبه ومنهم من ما زال بينها حيا  يرزق كانت له مهمة تاريخية هي فرض الديمقراطية كما فرض بورقيبة إصلاحاته الاجتماعية والاقتصادية ورفض الإصلاح السياسي.