نوفل سلامة يكتب: في مقاومة الاستبداد هل يكفي وجود مجتمع مدني متجذر وأحزاب سياسية قوية؟

مقاومة الاستبداد

كب: نوفل سلامة

يتواصل تصاعد الأصوات المنددة بإجراءات ما بعد 25 جويلية التي عطلت الحياة السياسية بالكامل بتعلة التصدي للخطر الداهم الذي يهدد أمن البلاد واستقرارها المستندة على الفصل 80 من الدستور…في عملية ‘تحيّل’ دستوري واضحة وتأويل منحرف لأحكامه…

ويتواصل كذلك تشديد الخناق على الخيار السياسي لرئيس الدولة ومشروعه الذي جمد المشهد السياسي بعد تجميع كل السلط لدى جهة واحدة والاستحواذ عليها… كما تتوالى التحذيرات من خطورة الاستحواذ على القرار السياسي والانفراد بالحكم والسلطة بعد القرارات الرئاسية التي ألغت البرلمان والحكومة وحلت عددا من الهيئات الدستورية واليوم تعمل على التخلص مما تبقى من المؤسسات الدستورية في محاولة لتركيع السلطة القضائية والإعلامية في اتجاه خدمة المصالح الضيقة لمشروع ‘الشعب يريد’ والتأسيس الجديد.

معارضة تتمدّد
ومع هذه المخاوف التي بدأت رقعتها تتسع وبدأت معارضة خيارات الرئيس قيس سعيد تتمدد في تقوية الجبهة المناهضة للانفراد بالسلطة والإجهاض على الحياة الديمقراطية وما تحقق من حريات تحققت هي اليوم كل ما تبقى من مكاسب الثورة تم الانحراف بها، يطرح العديد من المثقفين والمفكرين سؤال كيف نحمي ما تحقق من مسار ديمقراطي؟ وكيف نتصدى لمحاولة إدامة الاستبداد المستند على مبرر الظرف الاستثنائي؟
وما هو السبيل لقطع الطريق أمام عودة نظام ديكتاتوري بمسحة شعبوية تخدع الناس وتموه عليهم والحال أن المشروع الشعبوي هو مشروع حكم فردي إنفرادي يلغي الآخر ويقصي المختلف؟
في علاقة بما يحصل في تونس من إجراءات يقول عنها من كان وراءها أنها من أجل محاربة الفساد والقضاء على منظومة حكمت لمدة عشر سنوات لكنها لم تحقق المرجو للشعب  ومن أجل تطهير المناخ السياسي الذي لن يتحقق إلا بإزاحة الفاعلين القدامى، وكل الأدوات الفكرية والسياسية التي كانت تحكم وما ارتبط بها من منظومة مالية واقتصادية ومعرفية وإعلامية وقضائية…
وفي هذا المستوى من الطرح يكون السؤال المقلق هل نقنع بالرأي الذي يقول أنه لا خوف من عودة الاستبداد والحكم التسلطي ما دامت البلاد تتوفر على عدد من الأجسام الوسيطة هي اليوم الضامن الحقيقي والحصن الحصين لعدم عودة الحكم الاستبدادي… فهل يكفي أن يكون هناك مجتمع مدني متجذر وعريق وله تجربة نضالية في محاربة الحكم الفردي و أن تكون هناك أحزاب سياسية قوية قي مقاومة الدكتاتورية حتى نأمن عودة الاستبداد؟

هاجس آخر
وهذه الأسئلة تحيلنا على هاجس آخر دافعه تخوفات مشروعة من خطورة حكم الفرد الواحد مهما بلغت درجته من الاستقامة ونظافة اليد والسؤال هنا هل يكفي أن يكون الشخص الذي يدير العملية السياسية والفرد الذي يريد أن يطور المشهد السياسي ذو صفات محمودة من استقامة في السلوك وتشبع بالثقافة الحقوقية ولم يعرف عنه ميل نحو التسلط حتى نطمئن من عدم نزوعه نحو الاستبداد والانفراد بالحكم والسلطة لو منحت له فرصة للحكم ؟

أسئلة قلقة

ما يمكن قوله إزاء كل هذه الأسئلة القلقة وأمام هذه التخوفات التي تستمد مشروعيتها من الواقع ومما نشاهده يوميا في الممارسة السياسية أنه لا يكفي أن يكون الشخص بمثل هذه الصفات حتى نطمئن من عدم حصول انحراف أثناء ممارسته للحكم كما أن نظافة اليد وعدم تورطه في قضايا فساد وإن كانت محمودة إلا أنها لا تكفي بمفردها لطمأنة الناس من مغبة عودة الاستبداد من جديد… طالما وأن السلوك السياسي في الممارسة هو منحاز كليا في التفكير والقرارات والممارسة نحو الاستحواذ على كل شيء وتخوين الجميع وفتح جبهات حرب على كل المختلف معه ..
فإذا كانت السلطة تأكل من رصيد السياسي وتقوم بعملية تهرئة لصورته أمام الاكراهات وصعوبات الحكم التي لا يمكن مجابهتها فإن السلطة كذلك تغري والبقاء فيها يتحول إلى هاجس ورغبة جامحة ومن أجل الدوام في كرسي الحكم فإن صاحبه يفعل كل شيء حتى و إن لزم الأمر الاستقواء بالقوة واستعمال عنف الدولة وفي هذا طريق يفتح نحو الحكم السلطوي والسلطة المنفردة المستبدة ..