نوفل سلامة يكتب: قيس سعيد وحلم تخليص البلاد من الفساد والمفسدين

كتب: نوفل سلامة

حلم تخليص البلاد من المفسدين وتأسيس دولة بأقل منسوب ممكن من الفساد هو حلم قديم راود أجيالا كثيرة من أبناء الشعب التونسي لكن هذا الحلم وهذه الأمنية عرفت على مر تاريخ البلاد المعاصر الكثير من الانتكاسات والخيبات… حتى وصلت في زمن حكم الرئيس بن علي إلى طريق مسدود بعد أن تحكمت العائلة الحاكمة وكل الدوائر المقربة النافذة والحزام المالي والإداري المحيط به من كل مفاصل الاقتصاد التونسي من صناعة وتجارة وخدمات وإدارة حتى أصبحت الرشوة والمحسوبية سلوكا عاديا و معتادا ومقبولا به في المجتمع بل الأخطر من ذلك ما تم تعويد الشعب عليه وتربيته على القبول بالفساد والتعايش معه والتسليم به أمرا واقعا وضرورة لا بد منها…

حلم لم يتحقق!

هذا الحلم عاد إلى وجدان الشعب ورجع الإيمان به بعد الثورة وسقوط النظام القديم في فترة كان سقف التفاؤل عاليا جدا، والعناوين المتفائلة عديدة منها عنوان محاربة الفساد ومطلب جمهورية جديدة من دون فساد ولا مفسدين ومحاسبة كل الرموز القديمة التي أفسدت الحياة السياسية والاقتصادية…
وكل الذين تلاعبوا بالمال العام واستثروا على حساب المجموعة الوطنية واستفادوا من قربهم من دوائر نظام الحكم لتكوين ثروة من دون وجه قانوني… ولكن حتى هذا الأمل وهذا التفاؤل من وجود فرصة جديدة لمحاربة الفساد والمفسدين بقيادة سياسية جديدة لم تتورط من قبل مع النظام القديم، وتميزت في زمن الاستبداد بنظافة يدها ونضالها و معارضتها للمنظومة الفاسدة قد عرف بعد الثورة انتكاسة من جديد… وخاب أمل الناس في قدرة الجديد على الانتصار على القديم وبدأ التراجع عن وعد محاربة الفساد مع سياسة التوافق والصفح من دون حساب وسلوك سياسة الأيدي المرتعشة التي سوّقت لخطر المحاسبة والخوف من أن تتحول الثورة إلى انتقام وتشف..
فكانت النتيجة غياب مطلب تحقيق العدالة الاجتماعية والجبائية المطلب الذي نادى به الشعب، وزاد الفساد تمددا في المجال والمفسدين جرأة على احتكار الثروة وكنزها وانتقلنا من منظومة فاسدة تحتمي بالحكم في زمن سلطة الرئيس بن علي وتنشط في الخفاء وتحت رقابة الرئيس وحزبه ومعاونيه إلى فساد ظاهر بيّن يشرّع له البرلمان وتحميه القوانين و تقف وراءه جهات قوية نافذة في الأحزاب السياسية والنقابات وتسنده لوبيات قوية ونافذة وعائلات تتحكم في التجارة والاقتصاد لها ارتباطات عميقة مع رجال السياسة ومع دوائر المال والأعمال تحكمت في كل شيء حتى وصل الأمر إلى التحكم في الدولة وفي إدارة الحكم والتعيينات و تشكيل الحكومات…

معركة كبرى

واليوم يعود الحلم من جديد مع الرئيس قيس سعيد الذي يقود بعد اتخاذه التدابير الاستثنائية وحول كل السلطة إليه معركة كبيرة على ظاهرة الفساد ولكن ما يميز معركة الفساد اليوم هي أن الرئيس يديرها بطريقة وفكرة و أدوات مختلفة عن طريقة من سبقه من الذين أعلنوا حينما تسلموا الحكم والسلطة أن برنامجهم محاربة الفساد لنكتشف فيما بعد أنهم هم أنفسهم من يحمون الفساد والمفسدين وبمنهجية لم يفهمها إلى حد الآن خصومه الذين لا يزالون يفكرون ويحللون بمعرفة وأدوات تفكير قديمة ..
قد يُعاب على الرئيس غياب التواصل الإعلامي لتوضيح خطته في محاربة الفساد وقد يؤاخذ على تكتمه على ما يدور في رأسه في التعامل مع المفسدين وربما نحتار لكوننا لا نعلم شيئا عن تفاصيل برنامجه وفي ما يفكر فيه ولا إلى أين نحن ذاهبون مع هذه الاستراتيجية التي يسلكونها في فتح ملف الفساد…فكل ذلك يمكن أن يكون محل نقاش ومؤاخذة ولكن الأهم من ذلك وهو المفيد هو أن كل يقوم به الرئيس من عمليات مداهمة للكثير من المخازن التي تخبأ فيها المواد الغذائية ومحاصرة المحتكرين والمضاربين…ومن يتحكمون في السوق وفي الأسعار وإن بدا سلوكا فوضويا ويقع بطريقة عشوائية إلا أنه مهم على الأقل من الناحية النفسية والسيكولوجية في إدخال الخوف والرعب في صفوف هذه اللوبيات والكرتلات وشبكات المضاربة…
ومن يدري لعل هذه الطريقة التي يتبعها الرئيس والقائمة على الضرب في كل جهة والضغط العشوائي والمبعثر في كل مكان قد تأتي أكلها في مقاومة الفساد بعد أن فشلت كل الخطط والاستراتيجيات الرسمية في محاربة الظاهرة…

حرب على المحتكرين والمضاربين..

ما هو مفيد اليوم فيما نشهده من مداهمة لأماكن التخزين ومحاصرة من يحتكر السلع والمواد الأساسية في حياة الناس بنية المضاربة والترفيع في الأسعار والتضييق على البعض من أصحاب المصانع والشركات المتحكمين في السوق وفي مفاصل التجارة أن قيس سعيد يقوم بذلك من دون الدخول في صفقات أو القيام بترضيات و تفاهمات وتوافقات كما فعل من سبقه لطي الملفات والتلاعب بها لتبقى في الرفوف وفي أدراج المكاتب أو دفنها ونسيانها بعد تلميع صورة أصحابها.
وفي جميع الأحوال فإن وضع الفساد اليوم في البلاد قد وصل إلى مرحلة وحالة لم يعد معها السكوت أكثر بعد أن أصبح الحديث اليومي عند الناس وبعد أن أصبح ظاهرا للعيان ويمارس في وضح النهار ودون خوف ولا خجل .. من أجل ذلك فإن ما يقوم به الرئيس حتى وأن بدا في الظاهر يقع بطريقة غير مفهومة و من خارج برنامج واضح ولا استراتيجية مدروسة إلا أنه مهم ومفيد لكونه قد فضح الكثير من رموز الفساد وذهب رأسا إلى الحلقات القوية فيه وعرى جهات كانت متسترة بالسياسيين ومحتمية بالسلطة وأرهب من يتزعم اليوم الثراء الفاحش من وراء المضاربة والاحتكار والتخزين وإرهاق المواطن في عيشه بسبب الارتفاع المتواصل في الاسعار الذي وراءه جهات تتعمد المضاربة والاحتكار.