نوفل سلامة يكتب: كيف نفسر أن 68 بالمائة من الشباب متشائمون..ويعتبرون أن البلاد تسير في الطريق الخطأ؟

الشباب

كتب: نوفل سلامة  

صدر منذ أيام قليلة البارومتر السياسي لشهر فيفري الجاري الذي أنجزته مؤسسة ‘سيغما كونساي’ المتخصصة في سبر الآراء لمعرفة توجهات الرأي العام والذي ركزّ هذه المرة على رصد الحالة الذهنية والنفسية للتونسيين ومعرفة منسوب الثقة والرضا لديهم بعد مضي أكثر من سبعة أشهر من تمكن منظومة 25 جويلية من الحكم المنعرج السياسي الذي غيّر المشهد السياسي وحمل معه الكثير من الآمل والتفاؤل في كون المستقبل سوف يكون أفضل مع الرئيس قيس سعيد.

الحالة النفسية

ما يميز استطلاع الرأي هذه المرة بخصوص الحالة النفسية للشعب في هذا الظرف السياسي الذي تمر به البلاد هو إلى جانب احتوائه على الكثير من المعطيات التي تصلح مقدمات لمعرفة البنية الذهنية للشارع التونسي و تحدد موقفه مما يدور في الشأن العام ، احتواؤه على مفارقة تحتاج منا وقفة للتأمل والتدبّر لفهم إلى أين نحن سائرون؟
وكيف يفكر الكثير من الناس حول مآلات البلاد في المستقبل؟ هذه المفارقة تقول أن الذي جعل حالة التشاؤم التي كان عليها الشباب والكثير من الفئات الفقيرة والمهمشة قبل 25 جويلية تتحول بعده إلى حالة مرتفعة جدا من التفاؤل هو خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي كان يمثل لكل هذه الفئات الأمل الوحيد من أجل تغيير الأوضاع نحو الأفضل والجهة الوحيدة القادرة على إيقاف حالة العبث والفوضى والتراجع التي رافقت البلاد خلال عشرية كاملة….

تشاؤم كبير

لكن هذه الفئات التي يتوجه إليها الرئيس ويعول عليها في كل خطاباته و يستهدفها هي اليوم من الأكثر الفئات تشاؤما في ظل منظومة 25 جويلية وبعد مضي أشهر من ممارستها الحكم فنفس الخطاب الرئاسي هو الذي جعل الشباب والمهمشين والفقراء اليوم يعتبرون بعد سبعة أشهر من تطبيق التدابير الاستثنائية وإجراءات الخطر الداهم أن البلاد تسير في الطريق الخطأ حيث اعتبر 68 بالمائة من العينة المستجوبة من الشباب أن البلاد تسير في الطريق الخطأ…
وفي المقابل نجد أن الفئات التي تزال إلى اليوم تراهن على منظومة 25 جويلية وتحتفظ بقدر من الثقة والتفاؤل في قدرة الرئيس على الاصلاح وعلى تحقيق الأفضل للبلاد هي الفئات الأكثر حظا اجتماعيا ومعرفيا بما يعني أن الطبقة المرفهة الوسطى العليا هي الأكثر تفاؤلا بنسبة 57 بالمائة.

كيف نفسر هذا؟

يمكن تفسير وفهم هذه المفارقة بخصوص الحالة الذهنية والنفسية للشباب والمهمشين والفقراء قبل وبعد 25 جويلية في علاقة بمسألة الثقة في علاقة بخطاب الرئيس أن الفئات المساندة للمسار السياسي الجديد و المنخرطة في هذا التوجه وهذا الحلم مع مشروع الرئيس الشعب يريد والداعمة له بقوة والمستفيدة نظريا من خطاب السلطة الجديدة قد خاب ظنها، وبدأت تفقد الثقة في التغيير بعد أن تخلفت الوعود ولم تجد شيئا من انتظاراتها بعد مرور ما يزيد عن السبعة أشهر على حدث تصحيح المسار….
في حين أن الفئات الاجتماعية من خارج فئة الشباب والفئات المهمشة و الطبقات المفقرة والمستفيدة نسبيا من الوضع التنموي و يتوفرون على قدر من الاستقرار الاجتماعي ترى في السلطة الجديدة القوة التي بإمكانها وضع حد لما تعتبره فوضى العشرية السابقة وما زال يحدوها الأمل في تغيير الأوضاع نحو الأحسن مع قيس سعيد بالرغم من كل الانتقادات التي توجه للنهج الذي تسير وفقه البلاد وبالرغم من وعيها بتراجع منسوب الأمل في صفوف الشباب الفئة الأكثر مساندة لخيارات الرئيس خاصة في عدم رضاهم على الأولويات التي حددها بعد تسلم الحكم والسلطة والتي تأتي في صدارتها حسب تقديرهم المسائل الاقتصادية والاجتماعية وبشكل واضح تحسين الحالة الاقتصادية والاجتماعية والمقدرة الشرائية والحد من الفقر ومعالجة معضلة البطالة وإيجاد حلول عاجلة لانسداد أفق التشغيل وتوفير مواطن شغل بالقدر الكافي للشباب العاطل عن العمل بما يعني إعطاء الأولوية لموضوع البطالة…

أولويات الحكم الجديد

إضافة إلى ذلك ضرورة الالتفات إلى المسألة التربية وتحسين التعليم وحال المدرسة ثم الاعتناء بالصحة وجعلها من أوكد أوليات الحكم الجديد مع ملف الفساد بما يعنيه من وضع حد للتلاعب بالأسعار ومراقبة مسالك التوزيع حتى يتم الحد من ظاهرة الاحتكار…
فهذه المسائل هي كلها عند الشباب والفئات المهمشة والفقيرة لها الأولوية في ممارسة الشأن العام ومن أوكد انتظاراتها وهي قضايا حارقة لم يجد من ساند حراك 25 جويلية اهتماما بها رغم الوعود المعلنة التي سبقت وعلى أساسها بنى حراك 25 جويلية مشروعه..
كل هذا هو ما يفسر اليوم كيف تراجع منسوب الثقة والأمل ولماذا ظهرت حالة مقلقة من التشاؤم العالية في صفوف الشباب والفئات المهمشة والطبقات الفقيرة….