نوفل سلامة يكتب: لا حاجة لنا بديمقراطية ” التر والفر” وسارق مغزل أمه؟!

كتب: نوفل سلامة
لي صديقة دكتورة في علم الاجتماع و ناشطة سياسية تحظى باحترام كبير وفاعلة في الفضاء الافتراضي ويتابعها جمهور كبير، كتبت مؤخرا على صفحتها على
“الفايس بوك ” تدوينة قالت فيها: الديمقراطية إلّي خرّجت هذا الكمّ الهائل من القرف والبذاءة… بلاش بها خير…. آش ربحنا من برلمان التسريبات والتزغريط؟ الدولة إلّي يسيّر فيها الترّ والفرّ وسارق مغزل أمّه لا يمكن إلاّ أن تكون ساقطة شكلا ومضمونا .. آش ربحنا من حكومة الاقتراض لتغطية الزيادات في الأجور؟ ورفع الدعم على المحروقات استجابة لطلب البنك الدولي؟ .. حكومة التلقيح خلسة لا تليق بثورة الكرامة..برلمان السرّاق لا يليق بشعار العدالة أساس العمران .. رئاسة مضيعة البوصلة لا تليق بشعار “الشعب يريد” آش ربحنا من رئيس من طاولة لطاولة يتعشّى ويروّح… انقرضوا جميعا .. ارحلوا….
وأضافت تقول: بعد يرحم خليل يجي ناس ملاح. وبينهما عندي ما نقلّك وصفّي قلبك. لم يشهد المجتمع التونسي “إذلالا ” مُمنهجا كما الإذلال التي تُمارسه عليه القنوات التلفزية… برامج ظاهرها “خير” وباطنها الشرّ كلّه….كلما شاهدت إحدى حلقات البرامج التلفزية متاع فعل الخير الممشّهد إلا ولبسني عفريت .. الغضب وجنّ السخط .. الغضب من أجل هؤلاء البسطاء الذين تحولت حياتهم إلى مادة إعلامية، وأصبحت خصوصيتهم وعلاقاتهم الحميمية سلعة تباع في سوق بومنديل، والسخط على إعلام ما يشبه لحتى شيء..إعلاميين لا مهنية ولا أخلاق ولا معايير ولا قيّم وحتى الإبداع ما فمّاش… يعني لا أخلاق ولا خُلقة… ولا عقل ولا منطق..
هالة الذوّادي تتسول بإسم أولاد الحفيانة .. هي لا تتسوّل من عند ” الناس ملاح ” الخبز والخضرة والدجاج والكوش ومواد التنظيف وإنما هي تبني مرتبة وصفة داخل المشهد الإعلامي وهي تأكل الخبز مغموس في أوجاع الناس وآلامها .. إعلام نخره السوس وأكلته الدودة…. دودة اللا معنى عشّشت بين مفاصل الإعلام المرئي كما عشّشت الدودة الخضراء في شجرة البرتقال بحديقتي فحوّلت أوراقها إلى لا شيء. منظر موحش يوجع القلب.. الناس إلّي تقول أنا مقاطع الإعلام .. ذاك من فعل النعامة تغرس رأسها في التراب وتقول القمر زاهي في تونس واقفين في عركة بين الترّ والفرّ وسارق مغزل أمّه.
جميع المعارك في تونس هي بين باندية وسرّاق في بومنديل السياسة: تُجّار الدين ومنتحلو الحداثة وبارونات المال الفاسد ودعاة الأخلاق المزيّفة والعقلانية المضروبة يعيدون إنتاج التبعية والفقر والتخلّف لكن بأشكال مُركّبة … هم يبنون سياقات شرعنة فسادهم وخياناتهم وقلّة مروءتهم… سوف ترحلون هذا أكيد…. لكن الكلفة ستكون مرتفعة. الكُفر بكم بات رُكنا من أركان الدين الجديد. والهجرة سبيل من سبل النجاة.. الهجرة أرقى أشكال المُقاومة…
هذه التدوينة التي كتبتها هذه الدكتورة المتخصصة في علم الاجتماع والتي تعرّفت عليها في زمن الجمر في كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية في ثمانينات القرن الماضي مناضلة صلبة ضد الاستبداد ومعارضة ثابتة لمنظومة حكم بورقيبة وبن علي وامرأة عرفت باستماتتها الكبيرة في وجه الظلم واللا عدالة وانتزاع الحق في الكلمة الحرة والحق في حرية التعبير في ذلك الزمن المظلم الذي كانت فيه الحلمة محاصرة وممنوعة ومكبلة بسلاسل من حديد متينة يصعب فكها وحلها..
هذه الناشطة السياسية والحقوقية التي عرفتها حالمة بغد أفضل من دون منظومة الاستبداد وحالمة بمشروع وطني يحمل بدائل أفضل مما تقدمه المنظومة القديمة من مناول تنموية وحالمة بمشروع سياسي يبنى على أساس ديمقراطي حقيقي صلب لا على شعارات ترقيعية كالتي كان يزيّن بها بن علي صورته ويسكت بها قوى الخارج .. هذه المرأة لما كانت طالبة كان سقف الأمل لديها مرتفع جدا وسقف التحدي كبير أيضا ولكنها اليوم وبعد أن تحققت الثورة و أصبحت صديقتي الطالبة المناضلة دكتورة في اختصاص حساس وتحولت إلى ما يعرف بالنخبة المثقفة
و”الانتلجنسيا ” التي محمول عليها قيادة الجماهير وتوجيه الرأي العام نراها اليوم تكتب كلاما يجعلنا لا نعرفها وتتبنى نظرة للأمور فيها الكثير من الإحباط والمرارة والخيبة وانكسار كبير لضياع الحلم وخسارة كل شيء .. خسارة النضال السياسي وضياع الوقت والإيمان في مشروع فكري وسياسي واجتماعي اتضح أنه مجرد وهم وخيال.
قد نتفهم مشاعرها وقلقها مما يحصل للثورة التونسية من تلاعب وغدر وتحويل لوجهتها وفشل في تحقيق أهدافها .. وقد نتفق معها في خيبة أملها من الطبقة السياسية المحسوبة على الثورة في عدم قدرتها على حماية الثورة وعجزها في التصدي لمحاولات الانحراف بها و تعمد إفشالها وقد نعذرها في كل ما قالته بخصوص المشهد السياسي المقرف ونوافقها في تشخيصها لوضع البرلمان والحكومة والرئاسة وهي حالة شعورية يشاركها فيها الكثير من الناس وحتى عند النخبة المثقفة ولكن الأمر الذي لا يمكن تفهمه هو أن تصدر مثل هذه المواقف من دكتورة مختصة في علم الاجتماع ومن شخصية المفروض أن مخزونها النضالي ومواكبتها للمحن والصعاب وانتمائها إلى حقل معرفي دقيق يجعلها لا تقول مثل هذا الكلام المحبط لكل من يسمعه على صوابه.
المحير في هذه التدوينة هو أن صاحبتها قد أتت على التشخيص ولكنها لم تقدم الحل والبديل لما نحن فيه من وهن وضعف وورطة سياسية كبرى .. المهم في هذه التدوينة هو أنها فتحت من جديد النقاش حول دور المثقف ومعنى المفكر وقيمة النخبة في مثل هذه الظروف التي تمر بها الشعوب .. المحير فيما قالته في كونه أعطت فكرة على نوعية المثقفين والمناضلين والناشطين الذين ألقوا المنديل وتركوا الساحة فارغة ليرتع فيها من هو دونهم ليتحول إلى مؤثر وقائد وموجه للناس … الخطير فيما صدر عن صديقتي التي عرفها مناضلة هو في دعوتها إلى الانسحاب والركون بعيدا عن المشهد واعتبار الهجرة هي سبيل من سبل النجاة وأن الهجرة هي أرقى أشكال المُقاومة…
صحيح أن المشهد الإعلامي هزيل جدا وينتج واقعا رديئا يسهل فيه التحكم في الجمهور وتوجيهه وصحيح كذلك أن المشهد السياسي مقرف وفيه من العفن أكثر مما نتصور وصحيح .. أنه لدينا برلمان يعيش صراعات غير مفيدة للناس وحكومة ضعيفة ومرتعشة وفاقدة لكل سلطة وقوة ورئيس دولة همه الوحيد إحراج الجميع و التوهم أنه يعيش في زمن كان التواصل فيه يتم من خلال رسائل يحملها ساعي البريد على ظهر جواد ومهووس بتأويل الدستور والتجول بين الموائد لتناول العشاء وإلقاء خطبة عصماء معادة ثم يعود من حيث أتى .. كل ذلك مفهوم لكن الغير مفهوم هو أن يستقيل المثقف وينسحب ليترك الساحة فارغة ويقرر هجرة الشأن العام ويلقي المنديل ويقرر التراجع إلى الوراء ويوهم نفسه بأن أفضل مقاومة لكل هذا الفساد وهذا القرف وهذا الانسداد والضياع في الهجرة والرحيل ..
ديمقراطية «التر والفر» وسارق مغزل أمه هي واقعنا اليوم فما هو الحل والبديل ؟ هل مقاومة هذه المنظومة المقرفة يكون بالتخلي والانسحاب والهجرة؟؟