نوفل سلامة يكتب/ لطفي عيسى (أستاذ التاريخ): كيف حوّل بورقيبة الشعب التونسي من غبار أشخاص وخليط قبائل إلى أمة لها كيانها؟

بورقيبة

كتب: نوفل سلامة

من هو التونسي؟ وما الذي يميز شخصيته؟ وهل هناك ما يمكن تسميته بالشخصية التونسية أو الهوية التونسية؟

وهل صحيح أن الشخصية التونسية هي شخصية مركبة وأن كل فرد فيها لا يشبّه غيره من أفراد المجتمعات الأخرى؟

 كانت هذه بعض الأسئلة التي اشتغل عليها الكثير من المفكرين لتحديد ملامح شخصية التونسي، وما يميزها عن غيرها من الشخصيات العربية وحتى الأجنبية  من أمثال البشير بن سلامة وزير الثقافة الأسبق و أندري ديمارسمان والمفكر المرحوم هشام جعيط و الهادي التيمومي أستاذ التاريخ بالجامعة التونسية والمرحوم منصف وناس أستاذ علم الاجتماع وغيرهم…

وكل هؤلاء الأساتذة الباحثين قد نظروا إلى الشخصية التونسية من زوايا متعددة حسب اختصاص كل واحد منهم  فإذا تناولنا الشخصية التونسية من زاوية علم الاجتماع فإننا نقف على صفات للشخصية التونسية يغلب عليها الطابع الثقافي من تقاليد وأعراف وقيّم أو ما يطلق عليه بالأرضية الثقافية و الموروث الجيني الثقافي للتونسيين.

جينات خاصة

 ووفقا لهذه المعطيات فهل يمكن أن نقول أن هناك خصائص جينية للتونسيين مميزة؟ حسب الدراسات التي أنجزت في هذا المجال فإن التونسي لديه جينات خاصة به وتميزه ، فكل التناقضات التي نشهدها في السلوك هي التي جعلت من الشعب التونسي أمة  لها خصائصها المميزة…
وهذا هو المهم والطريف في موضوع الشخصية التي نراها متناقضة وغير منسجمة والتي نطلق عليها صفة « التشعب” لدى الشخصية التونسية وهذا يعني أنه في نهاية الأمر هناك شخصية تونسية متشعبة ولها مشاكلها و للتعرف على هذه الشخصية التونسية هناك ثلاث محددات رئيسية:

أولها عملية الاستقرار التي خضع لها الشعب التونسي في علاقة بحالة التنقل التي كان عليها غالبية التونسيين الذين كانوا يخضعون لأنظمة حياة متنقلة ومتحركة مما يجعل من قيمة الحرية قيمة عالية تبعدهم عن منطق الدولة ومنطق الخضوع إلى السلطة التي تستعمل القوة والإكراه…

المحدد الثاني يتعلق بمسألة التجانس فهل أن الشعب التونسي هو شعب متجانس و هل هناك مشتركات مهيمنة على السلوك في علاقة بالانتماء إلى الجهة والقبيلة والعائلة والمجموعة الجهوية أم أن الانتماء يكون أوسع من ذلك إلى الأمة العربية الكبيرة ؟ المحدد الثالث هو القدرة على التلون والتأقلم و القدرة على إبداء القابلية على التلائم مع الوضعيات المطروحة من أجل المصلحة الخاصة وهذا ما جعل التونسي يتحرك بمرونة كبيرة.

الموازنة بين الأضداد

وفق هذا التحليل فان الفرد التونسي يمتاز بصفة التناقض و الحرص على الموازنة بين الأضداد فهو يطالب بالجرأة والشجاعة وبكشف المستور، وفي المقابل فهو لا يرغب في كشف الأسرار التي تتعلق به وإلى جانب ذلك فإن التونسي شخصيته تقليدية بالأساس في قناعته وأفكاره وممارساته مهما كانت انتماءاته الفكرية.

وفي هذا المستوى من التحليل فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل كان الشعب التونسي فعلا حفنة من  التراب كما قال الرئيس الحبيب بورقيبة وأن الفضل يعود إليه في أن جعل منه أمة تونسية؟

أم أن الموضوع أبعد وأعمق من ذلك ويتجاوز ما قاله الرئيس بورقيبة إلى الحفر في الخصائص القاعدية للفرد التونسي ؟ وسؤال آخر حول ما يحصل اليوم في البلاد من أحداث سياسية تعتبر حسب قول الرئيس قيس سعيد استثناء في التاريخ  لها علاقة بطبيعة الشخصية التونسية ومن تأثيرها ؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون عملية مبالغا فيها وهي الصفة التي يتسم بها الفرد التونسي في طبعه كونه دائم المبالغة ؟

وللحديث حول محددات الشخصية التونسية ومميزاتها في علاقة بما يطرح اليوم من أسئلة حول أداء الرؤساء الذين حكموا تونس بعد الاستقلال وفهم طبيعة سلوكهم السياسي الذي يثير الكثير من الجدل والحيرة والرفض والقبول كان الحوار الذي أجراه الإعلامي حمزة البلومي مع  لطفي عيسى أستاذ التاريخ بالجامعة التونسية صاحب كتاب ” أخبار التونسيين مراجعات في سرديات الانتماء والأصول ” في موزاييك..

الطمع والخوف

يقول لطفي عيسى إن الرئيس بورقيبة قد تحدث في بداية السبعينات في الكثير من خطبه التي كان يتوجه بها إلى الشعب عن خصوصية المجتمع التونسي الذي كانت تحكمه العروشية، وفي أفراده نوازع الطمع والخوف والإرهاب وقد كان يرى أن ما هو مطالب به هو تغيير نفسيته نحو الوطنية والتضحية وحب الوطن والوطن عنده هو الوطن التونسي وليس الوطن العربي، لأنه منذ آلاف السنين وتونس لها شخصية واحدة ووحيدة فنحن لسنا عربا فقط يقول بورقيبة وإنما قبل ذلك نحن تونسيون… إني اعمل على تغيير البشر وتغيير العقل العربي وتفكير العرب وما أطمح إليه هو أن يوجد تفكير جديد يقود البلاد.

فهل صحيح أن التونسي كان حفنة من التراب وغبار أشخاص وأن الشعب التونسي لم يكون قبل بورقيبة مجتمعا وأمة وإنما هو غبار أشخاص متكون من قبائل متناحرة ومختلفة؟

يقول لطفي عيسى إن فكرة الغبار التي استعملها بورقيبة هي استعارة من المدرسة الاستعمارية ولا دخل لها من قريب ولا من بعيد بشخصية بورقيبة فهو بحديثه هذا كان يرد على من قاومه الذي احتقر التونسيين فهو يرد على المستعمر ويقول له أن من أسميتموهم بالغبار فأنا  قادر على أن أصنع منهم أمة متجانسة، فما قاله بورقيبة ليس سبة و لا إهانة وهي تصورات استعمارية ونظرة الاحتلال لهذه الشعوب المستعمرة نقلها بورقيبة وغيره على اعتبار أن هذه الشعوب في نظر المستعمر هي قبائل متناحرة لا يمكن أن تتحول إلى أمم متقدمة لذلك كان حديثه عن الغبار موجها إلى المستعمر وأراد أن يبرز ويظهر الانجاز الذي حققه والرهان الكبير الذي حققه ولم يكن أحدا يتوقعه…

ولكن لماذا قال بورقيبة أنا من صنع من الشعب التونسي أمة متجانسة؟ ظاهر العملية أن ما قاله عن إنجاز سياسي قد حققه مؤسس على ما راكمه التونسيون منذ فترات ممتدة في التاريخ السحيق تصل إلى 3000  سنة تتجاوز شخص بورقيبة الى ما تحقق من مدركات حصلت للشعب عبر التاريخ حاول بورقيبة أن يبني عليها كل هذا التصور عن الشعب التونسي خدمة لمشروعه  السياسي…

فالتاريخ هو محضنة السياسة وهذا ما يفسر ضعف الفاعل السياسي اليوم لأنه لا يتعامل مع الحاضنة ولا ينهل من مخزون الذات العميقة في الفكر والمخيال التونسي ولا يتمثل الذات العميقة للتونسي وهذا تقريبا ما فعله بورقيبة حينما عاد إلى الذات العميقة للشعب وأخرج منها ما يحتاجه لمشروعه السياسي فنحن أمام فن يتحدث عن الماضي ويعيد تركيبه من جديد وفن ثان يقفز نحو الحاضر بعد استدعاء التاريخ من أجل بناء المستقبل ليجيب على أسئلة الحاضر وهذا ما فعله بورقيبة حينما عاد إلى التاريخ ورجع إلى الماضي ليصادق على الحاضر ويبني المستقبل والتاريخ في فكر بورقيبة أهميته في العودة إليه للمصادقة على أسئلة الحاضر  لا الماضي وهذه هي التجربة البورقيبية في علاقتها بالشخصية التي أراد أن يغيرها…

فهم الشخصية التونسية

ورغم ما عرف عن أعطاب بورقيبة و كبواته في الممارسة السياسية فإنه قد نجح في فهم الشخصية التونسية وتاريخها الذي تهيمن عليه فكرة التحكم في الفرد ووصايته عليه بدل تحريره…

وهذا يعني أن الجينات الثقافية للتونسي هي التي تسبق قدرته و رغبته وتمنعه من أن يكون حرا  فالفاعل السياسي الأكبر والذي يمثل السلطة يصبح وصيا على الجماعة ويقدم نفسه على أنه هو الأب للجماعة…

وهذا خطأ شنيع نجده في كل المشاريع السياسية الوطنية العربية التي سقطت في هذا المسار التاريخي وهذا يعني أن بورقيبة كغيره من الزعماء العرب قد وضع نفسه في مقام المركز ونسب لنفسه هذا الانجاز الذي حققه لفائدة الشعب بأن حوله من مجرد غبار كما يردد المستعمر إلى شعب من المواطنين وجعل من هذه القبائل المتناثرة شعبا موحدا وجعل لنفسه مكانة متقدمة في تاريخ الزعماء الذين غيروا تاريخ شعوبهم وهنا يأتي السؤال الراهني فيما يحصل مع الرئيس قيس سعيد الذي يتحدث عن مرحلة جديدة في التاريخ تعرفها معه تونس وحديث آخر عن صعود شاهق  يحصل في التاريخ بمجيئه إلى السلطة…

فكرة متأصلة

لماذا نجد كل الرؤساء الذين حكموا تونس يضعون أنفسهم في هذا المكان من الاستثناء التاريخي فمن بورقيبة مع فكرة شعب من غبار مرورا ببن علي الذي روج أنه هو من أنقذ الدولة  بما قام به من انقلاب على بورقيبة وصولا إلى قيس سعيد الذي يقول بأنه وصل إلى مكان شاهق فهل هذه الادعاءات هي خاصية تونسية أم أنها خاصية العقل العربي عموما ؟ خاصة وأن قيس سعيد معروف عنه العودة المكثفة إلى التاريخ القديم والحديث وقولته الشهيرة معروفة وهي أن تونس معه قد دخلت مرحلة جديدة في التاريخ يقول ” أريد أن أصحح مسار الثورة ومسار التاريخ وتونس قد دخلت مرحلة جديدة في التاريخ ومرحلة مختلفة عن كل المراحل السابقة وعلينا جميعا أن نستنبط مفاهيم جديدة وأدوات عمل جديدة غير تلك التي تجاوزها الزمن “

والسؤال لماذا كل رؤساء العرب يعطون لأنفسهم هذه المكانة التي يصفونها بالمفصلية في التاريخ ؟ و يصورون انفسهم بعد وصولهم الى الحكم أنهم مفصليين في التاريخ” فهل هذا السلوك له علاقة بطبيعة الشخصية التونسية ومميزاتها القاعدية ؟

المخيال الجمعي

يعتبر لطفي عيسى أن صورة الحاكم لها علاقة بالمخيال الجمعي  فكل الثقافات والشعوب لديها مدركاتها حول مدلول الحاكم وهي ليست بالضرورة لها علاقة بتصور الفضاء العام وما نفكر فيه فالمدركات الجمعية في المخيال الشعبي لا تتكون بالتعلم في المدرسة وإنما تتحقق بفضل أشكال المخالطة داخل المجتمع وهي مجموع ما يحصل من وراء عملية المخالطة  وفي الزمن الراهن نتحدث عن تأثير الإعلام في تكوين الذائقة والتصورات والمواقف وبالعودة إلى فكرة الحاكم الشرقي وفكرة الاستبداد الشرقي نجد أنها فكرة متأصلة في تاريخنا وثقافتنا وممارساتنا و لها رابط مع فكرة الوصايا والوصي ولها مدلول ذكوري وفي التطبيق هي تعني أن ما نمارسه في الفضاء الخاص لا يصلح للفضاء العام لأن الفضاء العام هو بطبعه مختلط ومتكون من فئات اجتماعية متنوعة  وأفراد مختلفين ولديهم  تمثلاتهم لانتماءاتهم المختلفة فلا يمكن أن نتعامل مع الفضاء العام على أنه هو الفضاء الخاص وهذا يعني أنه لا يمكن أن نطلب من كل الموجودين في الفضاء العام أن يخضعوا لمنطق الأبوة الذي يمثله  الحاكم وهذا يحيل على فكرة الوصايا والاستبداد الشرقي وبهذا نفسر ما يقوله الغرب عنا من تبريره الاستعمار بسبب أن كل المجموعات التي يمثلها الشرق تمثل الاستثناء الشرقي على حد قول كارل ماكس في دراسته للشرق وهو قول يعني أن ما يصح للغرب هو للغرب ولا يصلح للشرق وهذه مغالطة تاريخية كبرى لأن الانتقال الحضاري لم يكن على هذه الشاكلة ذلك أن الأساس الذي قام عليه الغرب هو  الفكر اليوناني والقانون الروماني والديانة المسيحية واليهودية وعندما انطلق الغرب في بناء  نهضته قام بإعادة تركيب بنائه  بالاعتماد على  حاجبات ظرفه الزماني و من خلال الموروث الروماني واليوناني وبهما استلهم منظومته اليهودية المسيحية لأن الذي مكن الغرب من  أن يطلع على الفكر اليوناني  هم المسلمون ؟  

الاستثناء الشرقي

والحديث عن فكرة الاستثناء الشرقي يجعلنا نسقط في فكرة الاستبداد  الشرقي المؤدية إلى فكرة الأمة الساكنة غير القادرة على بناء نهضتها واعتبار أن الغرب هو وحده من يقدر على إنجاز تقدم وتنوير ونهضة والسؤال المطروح هو لماذا تقدم الغرب وتأخر غيرهم ومنهم العرب والمسلمون والحال أن السؤال الحقيقي هو هل استكملنا بناء الدولة  داخل مجالنا الترابي حتى نصل إلى ما بلغه الغرب  وهو سؤال لم يطرح من قبل ولم يطرحه قادة النهضة العربية والذي تم طرحه بكثافة  هو أن المستبد يتعين أن يكون عادلا…  

وهذا يعني حصول خلط الفضاء الخاص بالفضاء العام وصياغة مشروع الوصايا وإعادة إنتاج الاستبداد مجددا والرئيس قيس سعيد من حقه أن يتحدث عن التاريخ وأن يعود إليه في خطابه السياسي لأنه يراكم على حدث مفصلي وهو سنة 2010 – 2011 المرحلة التي حصلت فيها التجربة التي راهنت على القطع مع الماضي واستلهام ما تم إنجازه بمقاييس جديدة ولكن الاشكال مع قيس سعيد هو أن مثل هذه المشاريع تحتاج إلى وعي واسع وأن نقدم للناس المثال الجيد عن الحاكم الجديد في الممارسة من دون تشنج ولا توزيع تهم لأن السياق العام بعد سنة 2011 كان لا يمكن أن يخرج من خيار التوافق لأنه بكل بساطة حقيقتنا نتيل على أننا شعب مختلف وغير متجانس والذي يفرقه أكثر من الذي يجمعه ويوحده لهذا نحتاج أن نحترم تنوع فضائنا العام المختلف والمتنوع وأن نتفق على إدارته بطريقة سلمية..

الاعتراف بالاختلاف

وأن نعترف أن أفراد الشعب ليسوا سواء ولا متفقين وإنما هم مختلفون اختلافا جوهريا ومتناقضون وأن يجد من يدير الشأن العام طريقة لتدبير هذا الاختلاف حتى يكون رئيسا جامعا وهنا نعود إلى المخيال الجمعي وهو كيف يمكن للنواة الأولى في شخصيتنا القاعدية أن ترشدنا حينما نخرج إلى الفضاء العام فلا نحاكم ولا نرجم بالغيب ولا نتصرف وكأننا في فضائنا الخاص وأن لا نعامل المختلفين معنا  بمنطق الأب الوصي على أبنائه  المستبد في شعبه وبهذا الشكل وهذا الفهم وهذا المعنى تتحول حقيقة قيس سعيد إلى لحظة مفصلية في تاريخ تونس…