نوفل سلامة يكتب لكم: رحيل الدكتورة هند شلبي..المرأة التي عارضت بورقيبة

كتب: نوفل سلامة
عن سن تناهز السبعين عاما غادرتنا أمس الأول الدكتورة هند شلبي العالمة الزيتونية بعد أن نادتها المنية واختارها المولى عز وجل لرفقته، وبذلك تنتهي رحلة طويلة من البذل والعطاء العلمي والمعرفي وتنطفئ شمعة حياة مليئة بالتحديات تخللتها مرحلة من الصمود والوقوف في وجه تيار التغريب والتفسخ الحضاري وصراع مع خيارات وسياسات الدولة التونسية الحديثة…
رحلت عنا المرأة الرمز التي اشتهرت في سبعينيات القرن الماضي بلباسها الأبيض “السفساري التونسي ” الأنيق وهي تقود سيارتها البيضاء وبه حاضرت أمام طلبتها وبه ناقشت في حضور أساتذتها .. ورمزية هذه المرأة في كونها قد لعبت دورا كبيرا في عملية الإحياء الديني الذي عرفته تونس في نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي عندما خفت صوت الدين وتراجعت في المجتمع مظاهر التدين لتترك المكان لموجة عاتية من التغريب والتفسخ والإنبتات ودعوات للتشبه بالآخر الذي كان يستعمرنا والسير حذوه في عملية ربط ثقافي وحضاري خطيرة أريد لها أن تفك كل صلة ورابط مع الجذور التاريخية والثقافية والارتماء في أحضان الغرب الذي سوّق له على أنه هو طريق الرقي التحضر.
في هذا المناخ السياسي والاجتماعي وفي هذا السياق التاريخي والجميع ولّ وجهته نحو الغرب ومطأطئ الرأس لباني تونس الحديثة ومنبهرا بشخصه تظهر امرأة من قلب الزحام وتبرز شابة في مقتبل العمر سليلة بيت علم ومعرفة قادمة من رحم الهوية والافتخار بالانتماء إلى حضارة كانت في يوم ما تقود العالم ليسطع فيما بعد صوتها عاليا في الوقت الذي خفتت فيه الكثير من أصوات الرجال.
أول ظهور إعلامي لها كان في المسرح البلدي بالعاصمة في سنة 1970 بمناسبة أربعينية الشيخ محمد الفاضل بن عاشور من خلال إلقائها لكلمة وفاء لروح الفقيد بحضور وفود رسمية قدمت من المغرب والجزائر وليبيا ومصر وسوريا فضلا عن المشاركين من تونس وكان حضورها هذا لافتا خاصة بعد أن اطمأن بورقيبة إلى الانتهاء مع كل ما يمت إلى الدين الإسلامي بصلة، فكانت هند شلبي بحجابها المميز الذي قام بورقيبة في لقاء مشهور بنزعه من على رأس إمارة من عامة الناس تقف في معارضة واضحة من الموقف الرسمي الذي تبنته الدولة من الرموز الدينية وفي رفض لتوجهاتها الجديدة بخصوص المسألة الاجتماعية والدينية.
أما ظهورها الثاني والذي شكّل منعرجا في علاقة الرئيس بهذه المرأة كان في يوم 27 رمضان من سنة 1975 حينما دعيت هند شلبي إلى إلقاء محاضرة أمام الرئيس الحبيب بورقيبة موضوعها مكانة المرأة في الإسلام بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وكان السياق وقتها التباهي بما حققه باني تونس الحديثة للمرأة التونسية وافتخاره بما أنجزه لها من حقوق خاصة بعد صدور مجلة الأحوال الشخصية التي عدّت مفخرة الجمهورية التونسية في تلك الحقبة من التاريخ ولا تزال وقد كان من المنتظر أن يقدم من رشّح للحديث عن المرأة التونسية الحديثة الشكر والعرفان للرئيس بورقيبة على ما حققه للمرأة من حقوق ومكاسب لكن هند شلبي وأمام كبار رجال الدولة التونسية وممثلين عن السلك الدبلوماسي خرجت على الجميع مرتدية الحجاب الذي نزعه بورقيبة، وكان يفتخر بأنه قد الغى ما كان يمثل تخلف المرأة حسب ظنه وقدمت محاضرة لم تشد فيها بأي دور للرئيس ولا جهد فيما حققه للمرأة التونسية ولا تناولت كل ما يروج في الإعلام والصحافة من كونه هو محرر المرأة وصاحب الفضل عليها، وزاد اللقاء توترا بأن رفضت مصافحة الرئيس لما مد يده لمصافحتها ويقول كل من واكب هذا اللقاء وعايش تلك الفترة أن هذه المحاضرة لهند شلبي قد تجاوز حدودها أرض الوطن وكان لها صدى في الكثير من الدول العربية والإسلامية.
المفيد الذي نحتاج أن نوثقه للتاريخ أن هذه الحادثة التي جدّت في سنة 1975 والتي كانت بطلتها فتاة شابة محجبة قدمت محاضرة عن المرأة بحضور الرئيس الحبيب بورقيبة والرئيس وقتها في أوج قوته وشهرته من دون أن تذكر أية مزية له بخصوص المرأة سوف يكون لها الوقع الكبير فيما بات يُعرف فيما بعد بالصحوة الإسلامية وبالإحياء الديني لأن الأمر الكبير الذي قامت به هند شلبي ويحسب لها هو أنه بسلوكها هذا قد أعطت للكثير من الشباب والشابات الأمل في امكانية تحدي الدولة التي تبنّت خيار التملص من كل مظاهر التديّن وفتحت الأعين للكثيرين على أنه بالإمكان أن ننجز إحياء دينيا من جديد ومن الممكن أن نعيش حاضرنا من دون التنكر لثقافتنا وديننا وفعلا هذا ما حصل حيث مثلت محاضرة هند شلبي حول المرأة في الإسلام المنعرج الحاسم الذي جعل الكثير من الشباب يعود له وعيه الديني بعد أن خيل للجميع بأن البلاد قد تخلت عن عروبتها وإسلامها…
في محطات كثيرة من التاريخ يظهر أشخاص تكون لهم أدوار محددة وتقيد لهم مهمات بعينها ثم يختفون وهند شلبي من هذا القبيل قد هيأتها العناية الإلهية للقيام بمهمة بعينها وهي قيادة التمرد الضروري على الخيارات غير الصائبة للدولة في علاقة بالمسألة الدينية و إعطاء الشرارة الأولى لانطلاق ما عرف في سبعينات القرن الماضي بالصحوة الدينية في تونس وعملية الإحياء الإسلامي الذي نجد له اليوم آثارا بادية في كل مكان…
ولعل هذا ما يفسر كيف ولماذا ظهرت هند شلبي في تلك الحقبة الصعبة من تاريخ تونس المعاصر وكيف تعففت بعد ذلك وخاصة عن أي مشاركة أو إسهام بعد الثورة…