نوفل سلامة يكتب: لنصارح الأمين النهدي بالحقيقة…الزمان غير الزمان…

الأمين النهدي

كتب: نوفل سلامة  

خلف مغادرة جمهور مسرح قرطاج الأثري الذي جاء لمشاهدة العرض الكوميدي الجديد للفنان لمين النهدي ” نموت عليك ” بعد نصف ساعة من بدئه الكثير من نقاط الاستفهام وحيرة باهتة في صفوف المهتمين بالشأن الثقافي وأسئلة حول الأسباب التي جعلت الجماهير الحاضرة تغادر عملا فنيا لفنان محبوب كان لسنوات طويلة مصدرا لإدخال الفرحة والترفيه والتسلية والإضحاك…

ملك الكوميديا؟

وفنان تربع على عرش الكوميديا و لقيمته الابداعية تم منحه لقب ” ملك الكوميديا ” وأسئلة أخرى حول برمجة العروض الفنية هذه السنة في مختلف المهرجانات ومعايير اختيارها والموافقة عليها، وخاصة رهان ضمان الجودة والإفادة والإضافة في علاقة بالدعم المادي الذي تمنحه وزارة الثقافة للكثير من العروض الفنية التي من المفروض أن تمنح لصالح أعمال جادة ومفيدة يقول عنها المتابعون للشأن الثقافي أن الكثير منها دون المستوى وفيها هدر للمال العام.
ومسألة خروج الجمهور قبل انتهاء العرض الفني ومغادرة الفضاء المسرحي هي ليست الأولى هذه السنة التي حصلت مع الفنان لمين النهدي وإنما حصلت قبلها ومنذ أيام قلية مع جميلة الشيحي ومسرحيتها “ولد شكون »؟ أين غادر جمهور مهرجان صفاقس المكان بعد نصف ساعة تقريبا من بدء العرض، وهو ما يطرح الكثير من الأسئلة حول هذا السلوك الشعبي…
وهذا التصرف الذي لم يكن معهودا من قبل أن نرى مغادرة جماعية للعروض ذلك أنه قد يحصل أن يغادر بعض الأفراد أو المجموعات أما أن تغادر كتلة كبيرة أو معظم الجمهور فهذا مستجد جديد في سلوك الجمهور في علاقته بما يقدم من عروض فنية تحتاج إلى تحليل ودراسة حتى نفهم أسباب هذا التحول اللافت في سلوك وتصرف الجماهير المواكبة للمهرجانات.

دلالات هذه الحركة

اللافت أن التعامل مع تكرر خروج الجمهور التونسي من العروض الفنية قبل نهايتها والتفسير الذي قدم لتبرير هذه المغادرة التي تحمل في عمقها الكثير من الدلالات وتستبطن وعيا جديدا لنوعية الذائقة الفنية التي يريدها التونسي ويرغب فيها حينما يقرر الذهاب لمشاهدة عرض من العروض الفنية، أن ما حصل هو من قبيل المؤامرة التي دبرت بليل وتم التخطيط لها لإفشال هذا العرض الفني وراءها جهات ليست من مصلحتها نجاح العروض الفنية المبرمجة – في وضعية لمين النهدي قيل أن وراء مغادرة العرض حركة النهضة وأنصار قيس سعيد – ومن وراء ذلك إفشال عروض الوزارة والمسؤولين عن المهرجانات…
والحال أن المسألة في نظرنا أكبر وأعمق من هذا التفسير و ربطها بنظرية المؤامرة الشماعة التي كثيرا ما نرمي عليها فشلنا وخيباتنا وأخطائنا يحيد بنا عن التحليل العلمي للظاهرة.
لتحليل هذه الظاهرة تساءل الدكتور سامي نصر والباحث في علم الاجتماع هل فعلا أن مضمون ومحتوى المسرحية قد بلغ درجة من الرداءة ما جعل الجمهور لا يصبر حتى ينتهي العرض ثم يحكم عليه مكتملا؟ وهل بلغ هذا العرض حدا من التفاهة المانعة من مواصلة الفرجة والمتابعة؟
وكيف نفهم أن نفس هذا الجمهور قد وجد نفسه في مسرحيات وعروض أخرى وبرامج تلفزية فيها من الرداءة ما لا يوصف ومع ذلك لم نشاهد تنديدا أو اعتراضا منه بل وجدنا مواصلة للمشاهدة رغم عدم الرضا… فلماذا حصل الإنسحاب مع لمين النهدي ؟
وهل أن الهجمة الاعلامية والتقليل من شأن الفنان لمين النهدي وتحرك الماكينة الاعلامية التي كانت حاضرة لاستقبال خروج الجمهور كان عملا بريئا وتلقائيا أم كان عملا ممنهجا وليس من قبيل الإثارة والبحث عن البوز؟
وهل يُفهم ما حصل للمين النهدي من محاصرة إعلامية ترتقي لأن تكون عملا ممنهجا ومقصودا هو موقف من عموم الطبقة المثقفة ويستبطن نظرة شعبية سلبية من الفنان والمبدع الذي هيمن لعشرية كاملة على المشهد الإعلامي ولعب أدوارا خلفت تحفظات كثيرة عندما قبل بلعب دور الكرونيكور أو المهرج وساهم في تعميق الرداءة؟

وأخيرا هل وصل الموقف التونسي درجة من النضج والوعي حتى نفهم أن ما قام به مع لمين النهدي هو تحول وثورة في المزاج الفني والذائقة الفنية؟

ظاهرة..وليست عابرة

في الحقيقة يمكن تقبل تحليل الصديق سامي نصر حول ما حصل مع لمين النهدي في عرضه فوق خشبة المسرح الأثري بقرطاج لو كان تصرفا معزولا حصل مع هذا الفنان فقط أما أن يتكرر سلوك الجمهور ونجد له صدى في حوارات الرصيف التي تجرى مع المارة من عموم الشعب الذين عبروا مرارا عن امتعاضهم وضجرهم مما يقدم من مادة ثقافية وما ينتج من أعمال توصف بالإبداعية وهي إلى التفاهة والرداءة أقرب فإن الأمر يصبح ظاهرة أو بداية ظاهرة ويتحول إلى موضوع يحتاج تأملا أعمق وبحثا أكثر إحاطة بأسبابه تبتعد به عن المقاربات الجاهزة والتحاليل التقليدية التي ترجع كل خيباتنا وفشلنا إلى أسباب خارجة وإلى نظرية المؤامرة التي تجعلنا نتوقف عن التجديد وتدارك الهفوات.
المشكلة حسب رأينا أن خروج الجمهور في مسرحية جميلة الشيحي وخروجه في العمل الفني الذي قدمه لمين النهدي يكشف عن بداية تحول في نظرة التونسي للأعمال الفنية وخاصة المتخصصة في عملية الإضحاك الذي لم تعد الطريقة التقليدية التي يقدم بها تستهوي الجمهور وتكشف عن تحول في الذائقة الفنية والصورة الجمالية التي يريدها اليوم الفرد التونسي فما تم رصده وملاحظته أن صور الاضحاك و مضامين الترفيه والتسلية في الأعمال الابداعية قد حافظت على نفس طريقتها القديمة التي أصبحت بالية غير مستساغة مع ما كان يضحك الناس في الزمن البورقيبي وزمن نظام بن علي أيام الفنان عبد القادر مقداد ومنجي العوني ولطفي بندقة وغيرهم…
فهذا النوع من الإضحاك وإن كان وقتها موجها لنقد الواقع الاجتماعي والسياسي  لم يعد اليوم يضحك الجيل الحالي ولا يعبر عن هواجسهم وما يطرحونه من شواغل واهتمامات، وما كان يطرح من مواضيع ونكت ونقد في الزمن الماضي لم يعد مقبولا اليوم وهذا يعني أن إعادة طرح نفس المواضيع ونفس القضايا ونفس أسلوب الإضحاك هو قتل للفنان وتقليل من شأنه وقيمته…
ونحسب أن ما حصل من انسحاب للجمهور هو سقوط لمين النهدي وجميلة الشيحي في هذا التكرار الذي قلل من قيمة العمل الفني وجعله ضعيفا أو بسيطا في نظر المتفرج وعندما يلحق ما قدمه لمين النهدي من عمل اعتبر هابطا إلى قافلة الأعمال الأخرى الرديئة والتافهة ويحكم عليه على أنه عمل غير مقبول ولا يرتقي إلى انتظارات الجمهور الذي دفع المال من جيبه مقابلا ليشاهد شيئا جديدا وعملا فنيا راقيا بطرح ومعالجة وأداء متميزا من دون اجترار نفس القوالب القديمة التي اضحكت الناس في سنوات ماضية غير أنها اليوم لم تعد تشدهم وتستهويهم.

منظومة التفاهة

المشكل الذي لم يلتفت إليه كل من ساءهم ما تعرض له الفنان لمين النهدي على قيمته الفنية ومسيرته الابداعية أن الفنان حينما ينخرط عن وعي أو دون وعي في منظومة التفاهة التي تجعل من المعايير المتوسطة العادية لمجمل الانتاج الفني والإبداعي هي المتحكمة في المشهد العام وتجعل من فاقدي الجودة والغير قادرين على تقديم الإضافة والارتقاء بالوعي الجماعي هي التي تسير الذائقة العامة وتنزل بها إلى الحضيض… وحينما ينخرط المبدع في هذا المسار من الترذيل والسخافة التي تعم المشهد الفني والثقافي والإعلامي و حينما يصبح واحدا من هؤلاء التافهين فإنه مهما بلغ درجة من الابداع ومهما علا صوته وقيمته فإن الناس قد تخرج ناقدة له واليوم مع كل أسف فإن ما حصل قد يكون سقوط لمين النهدي في وضعية التهريج والابتذال التي لم تعد مقبولة وتوخيه نفس الطريقة القديمة في الإضحاك من خلال استعادة نفس الصور الاجتماعية واللغة المستعملة التي كانت سبب نجاحه وتألقه غير أنها اليوم طريقة تافهة وغير جاذبة للجمهور…

لنصارح الأمين بالحقيقة

المشكلة تكمن حينما نواصل في مجاملة لمين نهدي ولا نصارحه بالحقيقة ولا ننقده النقد البناء الذي يفتح عينيه على حقيقته وهي أنه لم يكن هذه المرة موفقا .. المشكلة حينما ينكر الفنان الواقع التونسي وهو واقع متحرك غير جامد ولا ثابت ويتوهم أنه بنفس الأسلوب الفني والمحتوى يمكن أن يشد إليه المشاهد ويحافظ على نفس الـتألق .. المشكلة في إصرار الفنان على أن نفس الواقع الذي كان سبب شهرته هو نفسه اليوم وهذا الاعتقاد هو  حالة مرضية خطيرة تجعل صاحبها يعيش في زمن غير زمانه ويطرح نفس القضايا القديمة في حاضره ظنا منه أنها ما زالت صالحة مع هذا الجيل الجديد وهذا الجمهور المختلف ..
المشكلة حينما يرفض الفنان أن يعترف بأخطائه ولا يقيم نفسه باستمرار ولا يراجع خياراته .. مشكلة لمين النهدي والكثير من الفنانين أنهم لا يسألون أنفسهم ولا يقبلون أنه من الممكن أن يفشلوا ويعتقدون أنهم دوما على حق و على صواب وغيرهم هو المخطئ ولا يفهمهم أو أن مؤامرة تُحاك ضدهم مع وجودها في الوسط الفني وغير الفني والحال أنهم في الكثير من الأحيان يكونون هم المخطئون وهذا ليس عيبا في مسيرة الفنان.

الزمان غير الزمان…

المشكلة أنه حينما لا يعي الفنان أن المجاملة الدائمة والإطراء المغشوش والمزيف لا يفيد ولا يقدم معروفا وحينما يغيب الوعي بتغير الواقع وإنكار تحول الذائقة الفنية مع الزمن ويغيب الإدراك أن الزمان غير الزمان والحال غير الحال وحينما يغمض الفنان عينيه عن الأخطاء التي يرتكبها ولا يقر بفشل الخيارات التي يقوم بها ، عندها فقط نعلن نهاية الفنان وموت المبدع وغير ذلك هي تحاليل تواصل في إنتاج الفشل وتعمل على تثبيت هيمنة قليلي الكفاءة ومتوسطي الموهبة ومن لا موهبة لهم في التحكم والسيطرة وتأثيث المشهد الفني والإعلامي وعندها لا نلوم الناس حينما يحصل لهم استفاقة بعد سنوات من الهرسلة والهيمنة بحمولة ثقافية وفنية حاولت تشكيل جوانب حياتنا وطرق تفكيرنا وتحديد ذائقتنا الفنية ونظرتنا للأشياء وتغيير موقفنا من الناجح والفاشل…
فهل هي ثورة الشعب على النخب التي يحملها جانبا من فشل عشرية كاملة بعد الثورة ؟ وهل تجني اليوم النخب نتائج ما صنعته وهيأته وأثرت فيه ؟ أم أن الذي يحصل اليوم هو عنوان فشل جانب من النخبة لم ترافق شعبها في فترات صعبة وراهنت على تطويعه بمحتوى فني رديء وتافه ؟ أسئلة مشروعة حتى تثبت نظرية المؤامرة ..