نوفل سلامة يكتب: ماذا لو كانت الأزمة السياسية عند رئيس الجمهورية؟

كتب: نوفل سلامة
ثمة اليوم رغبة جامحة عند جانب من النخبة السياسية في إلقاء كل اللوم على دستور 2014 وعلى النظام السياسي الذي تم إقراره بعد سقوط منظومة الاستبداد فيما تعرفه البلاد من أزمة خانقة متعددة الأوجه، وهناك اليوم إصرار كبير على تحميل التصور السياسي الذي تم اختياره بعد إيقاف العمل بدستور سنة 1959 والانتقال من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني المعدل كل الوهن والفشل الذي يرافقنا إلى الآن….
وهذا النقاش الحاد الذي يقوده اليوم رئيس الجمهورية ويتحمس له يعرف اختلافا حوله وانقساما كبيرا حول هذا التصور الذي يرجع كل أسباب الأزمة إلى وثيقة الدستور الجديد.
وعلى تماس هذا التصور يظهر نقاش آخر لا يقل أهمية عن الأول يضع على عاتق رئيس الحكومة هشام المشيشي كل المسؤولية فيما بات يسمى بأزمة الحكم وتعثر العمل الحكومي ومسؤولية أخرى فيما تعرفه مؤسسات الدولة من شلل وغياب التنسيق والتفاهم خاصة بين القصبة وقصر قرطاج، ولمزيد فهم حقيقة الأزمة التي تعيش على وقعها البلاد ومعرفة جذور الانسداد السياسي الذي عطل كل شيء وأدخل البلاد في نفق مظلم طريق الخروج منه بات غير معلوم ، استضاف برنامج ” كلوب اكسبراس ” الذي يبث على أمواج إذاعة اكسبراس أف . أم ” في حصة يوم الثلاثاء 22 جوان الجاري القيادي بحركة النهضة وناطقها الرسمي فتحي العيادي لمعرفة تصور حركة النهضة من دعوات الرئيس المتكررة رفضه إجراء حوار وطني لحلحلة الوضع السياسي قبل استقالة حكومة المشيشي وقبل تغيير رئيس الحكومة وللنقاش معه حول رؤية الحركة للخروج من هذا الانسداد السياسي.
في هذا الحوار أكد فتحي العيادي بكل وضوح أنه ليس في نية حركة النهضة التخلي عن هشام المشيشي كما أنه ليس في برنامجها تغيير رئيس الحكومة وأن الحركة تتبنى مقاربة مختلفة عن كل من يرى ويقول بأن الأزمة في البلاد وراءها هشام المشيشي ذلك أن مقاربة الحركة مختلفة عن مقاربة رئيس الجمهورية التي تلقي بكل الحمل على الحكومة في حين أنها ترى على العكس من ذلك أن الأزمة خارج البرلمان والقصبة وهي أزمة في تقديرها موجودة في قصر قرطاج وسببها رئيس الدولة.
وأكد العيادي على أنه من المنتظر في لقاء الغنوشي بقيس سعيد أن يعيد رئيس الجمهورية على مسامع رئيس الحركة طلبه إزاحة رئيس الحكومة هشام المشيشي لتنقية المناخ السياسي وإنهاء الأزمة، وهو مطلب نعتقد في النهضة أنه انطباعي وشخصي وغير مبني على تقييم موضوعي وإنما هو رغبة شخصية من رئيس الدولة لذلك نعتقد أن مثل هذا الشرط لبدء الحوار هو شرط غير مقبول فضلا عن كونه شرطا غير موضوعي لذلك نرى في النهضة أن المشكل ليس في بقاء أو ذهاب المشيشي وإنما المشكلة في هذا التعنت و في الرفض الذي يواجهه هذا الأخير حتى يواصل عمله على رأس الحكومة.
فلو كانت المسألة تتعلق بالمشيشي لهان الأمر وإنما المسألة في رأينا هي في عدم وضوح الرؤية حول المرحلة التي سوف تعقب مغادرة المشيشي في علاقة بالكيفية التي سوف يتم بها تكليف الشخصية الجديدة وفي علاقة كذلك بالضمانات المتوفرة حتى لا يعود السيناريو الحالي من جديد إذا ما أصر رئيس الحكومة الجديد على ممارسة كامل صلاحياته التي منحها له الدستور ورفض أن يكون وزيرا أولا يعمل موظفا عند قيس سعيد ذلك أنه لا ضمانات تحول دون تكرر ما شهدناه مع المشيشي ولا ضمان حتى لا يتصرف قيس سعيد مع رئيس الحكومة الجديد كما فعل مع المشيشي.
إن المفيد هو في كون تشبّث رئاسة الجمهورية بشرط التخلي عن المشيشي يجب أن يكون مرتبطا برؤية سياسية متكاملة وقادرة على إخراج البلاد من أزمتها وإن أي تغيير في الوقت الحالي من شأنه أن يربك مسار المفاوضات مع المانحين الدوليين ويشوّش على المسار الذي سارت فيه حكومة المشيشي لتسوية الملف المالي وموضوع القرض الذي تحتاجه البلاد وهذا كله يتطلب قدرا من الاستقرار الحكومي لا يمكن توفيره إذا ما غادر المشيشي.
وأضاف القول إن المقاربة التي ندعمها ترى أن البلاد في راهنها تحتاج اليوم إلى دعم هذه الحكومة حتى تنجح في كسب كل الاكراهات وفي مقدمتها إكراه تداعيات فيروس كورونا و لقاءات رئيس الحركة مع رئيس الحكومة أغلبها كانت تدور حول الخيارات والبرنامج وحول كل هذه المشاكل وهذا ما جعل من دعم حركة النهضة لحكومة هشام المشيشي هو دعم ناقد أي أنه ينتقد الخيارات التي تتخذها الحكومة بحكم التواصل المستمر بين الطرفين.
ما يمكن الوقوف عليه بعد سماع هذا الحوار الإذاعي الذي قدمه فتحي العيادي الناطق الرسمي باسم حركة النهضة هو وجود فكرتين رئيستين بخصوص كل الأزمة التي يدور حولها الجميع ولا يقدر أحد على حلها، الفكرة الأولى هي أن النهضة تعتبر أن الأزمة على خلاف ما يسوّق لها ويروج ليس وراءها رئيس الحكومة هشام المشيشي وأن القول بذلك يحتاج إلى تقييم موضوعي لأداء الحكومة لا مجرد رغبة شخصية من رئيس الجمهورية وقرار لا يخضع لمزاجه الخاص. والفكرة الثانية هي أن الخلاص من الأزمة لا يتوقف على تنحية المشيشي وإنما الحل يحتاج أن نضع لهذا التغيير كل الضمانات حتى لا يعود قيس سعيد إلى نفس سلوكه ويعيق عمل الدولة ويشل مؤسساتها في صورة ما إذا قرر رئيس الحكومة الجديدة ممارسة صلاحياته كاملة كما منحها له الدستور… وهذا كله يفضي إلى حقيقة واحدة وهي أن الأزمة السياسية قد يكون وراءها رئيس الدولة لا رئيس الحكومة.