نوفل سلامة يكتب: ما لا نعرفه عن المفكر هشام جعيط؟

كتب: نوفل سلامة
فقدت الساحة الفكرية والثقافية الدكتور هشام جعيط أحد القامات العلمية التونسية والعربية وحتى العالمية عن عمر يناهز ست وثمانين سنة بعد مرض ألزمه الفراش لفترة طويلة…
وبوفاته فإن جيلا كاملا من المفكرين الكبار بصدد الأفول حيث رحلت قبله قامات علمية أخرى نذكر منهم محمد عابد الجابري ومحمد أركون وحامد أبو زيد وآخرين شغلوا الناس وملأوا الدنيا بأفكارهم ورؤاهم ومقارباتهم الفكرية التي تربت على وقعها أجيال كثيرة هي اليوم تؤثث المشهد الفكري والثقافي وحتى السياسي، رحل هشام جعيط تاركا وراءه إسما وسمعة تخطت الحدود حتى وصلت إلى بلدان ما وراء البحار بعد أن تحول إلى مرجع فكري في الثقافة العربية الإسلامية والأوروبية…
لكن إذا كان المعلوم عن المرحوم هشام جعيط كونه مؤرخا اختص في دراسة التاريخ الإسلامي وبحث في مناطق رمادية فيه وطرق أبوابا كانت مغلقة قبله مما جلب له الكثير من المشاكل في علاقة لمساءلته للوحي والبحث في الرسالة المحمدية في علاقة بحياة الرسول الأكرم والتاريخ الإسلامي وخاصة أحلك مراحله فيه وهي الفتنة الكبرى وما حصل خلالها من صراع على الحكم والسلطة بين المسلمين وصحابة الرسول الكريم وهي فترة قسّمت الأمة وأربكت المسلمين وبقيت تداعياتها ترافقنا إلى اليوم ، إذا كان الكثير من الناس يعرفون هشام جعيط من خلال كل هذه القضايا التي أثارها في عديد الكتب التي ألفها فإن الراحل أكثر من ذلك بكثير وهنا يطرح السؤال الذي رأينا أن نعنون به مقالنا ما الذي لا نعلمه عن هشام جعيط؟
مدمن على القراءة..
يقول عنه من لازمه خلال أيامه الأخيرة وهو طريح الفراش أن هشام جعيط كان على وعي تام بأنه مريض مرضا لن يشفى منه ومدرك تمام الإدراك أن أيامه معدودة ومع ذلك كان يطلب من المقربين منه أن يأتوه بكتاب ليقرأه ويقول لهم كل الكتب قرأتها ولم يبق لدي ما أقرؤه.
ما هو معروف عند خاصته ولا يعلمه إلا من اقترب كثيرا من المرحوم أنه كان يقرأ كثيرا ومطلع على كل ما ينشر من إصدارات وعلاقته بالفكر الغربي دقيقة جدا فهو من طينة المفكرين الذين لم ينبهروا يوما بالغرب وكان بعيدا عن تقديس ما ينتجه من معرفة لذلك كان يكره المفكرين العرب والتونسيين الذين يستعملون المقولات الغربية ويسخر من المفكر الوظيفي الذي يستعير كل ما ينتجه الفكر الأوروبي وهذا ما جعله في صدام متواصل مع من يصفهم بتوابع الغرب وموقفه هذا جعله يرفض أن يكون كما أراده من يتحكم في العقول إمام المعاصرة يفتي في الإسلام وهذا ما يفسر كذلك لماذا كان قليل الظهور في المشهد الفرنسي ولا يستدعى في المنابر الغربية بالقدر والمكانة التي تليق به على عكس غيره من أشباه المثقفين الذين نراهم في كل مكان و يقبلون أن يكونوا خدما للغرب… لقد سفّه هشام جعيط انتظارت الغرب.
جوانب مخفية
من الجوانب المخفية من حياة هشام جعيط أنه لم يكن يسلم بكل ما يقوله الاستشراق الغربي عن الثقافة العربية الاسلامية لقد جادل كبار أعلامه وحاورهم وكان متصيدا لكل ما يقولونه عن ثقافتنا وحضارتنا وهو من هذه الناحية قد قدم درسا لكل الذين نراهم اليوم منبهرين بكتابات الاستشراق ويرددون كل الشبهات التي تثار حول التاريخ والثقافة العربية الإسلامية.
من القضايا التي تعمد جانب من الإعلام التونسي عدم إظهارها وتجاهلتها النخبة الحداثية في تونس عن قصد موقفه مما حدث يوم 14 جانفي 2011 حيث يعتبر هشام جعيط أنه رغم التشويه الذي حصل فإن الأحداث التي عجلت برحيل بن علي هي ثورة شعب تاق إلى حريته رغم نعتها بالربيع العربي ورغم محاولة التقليل من شأنها وهو بهذا الموقف الذي مات عليه يعدّ من المفكرين التونسيين القلائل الذين لا يزالون إلى اليوم يعدون ما حصل من أحداث هزت العالم بأسره في تونس في شتاء 2010 إنما هي ثورة…
وموقف هشام جعيط من الثورة التونسية ليس اعتباطيا وإنما هو موقف مؤسس على معرفة بالثورات وتاريخ التحولات في تاريخ الشعوب وهو بهذا متأثر بالفيلسوف الألماني هيغل الذي اعتبر أن الاسلام هو ثورة الشرق و قد زاد هشام جعيط بأن قال إن الفتنة الكبرى التي حصلت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم هي ثورة داخل ثورة.
من الأمور الأخرى غير المعروفة عند هشام جعيط أنه كتب في السياسة واهتم بها غير انه لم يمارسها يوما وهذا ما يفسر الصعوبة في تصنيفه فهو ليس من مفكري السلطة ولا هو محسوب على المعارضة وهذه هي ميزة المرحوم التي جعلت منه مفكرا عضويا ولكن ليس على شاكلة انطونيو غرامشي فهو مفكر مستقل يكتب ويفكر بكل حرية و محرر من كل قيد.
من خفايا هشام جعيط أنه اختلف كثيرا مع بورقيبة وكان خلافه معه جوهريا لامس عدة محاور من أهمها موقفه من سياسة بورقيبة في فهم الحداثة وتطبيقها .. و منها خلافه معه الذي كان كبيرا وعميقا حول الهوية الإسلامية حيث عاب عليه تغييب الاسلام من هوية الشعب معتبرا أن الدين الإسلامي مقوم أساسي في الشخصية التونسية وموقفه من غلق جامع الزيتونة الذي كان أحد أسباب الخلاف مع باني تونس الحديثة لذلك يجد من حاور هشام جعيط صعوبة كبرى في فهم مواقفه الفكرية والسياسية فأحيانا يكون حداثيا وأحيانا أخرى نجده تقدميا وأحيانا أخرى نراه زيتونيا يدافع عن الدين والهوية.
اختار العزلة والانزواء
ما لا نعرفه عن هشام جعيط أنه كان لا يحب الظهور الإعلامي وكان يتعفف من الحديث مع من هم دونه معرفة، وكان ولا يحب العيش في مجتمع جاهل لا يقرأ ولا يحب القراءة لذلك اختار العزلة والانزواء في ركن من بيته ليس استعلاء وإن كان هناك شيء من هذا.. ولكن اختياره هجر الناس وملازمة كتبه كانت من وراء شعوره أنه يعيش غربة في مجتمع الناس فيه على دين ملوكهم لقد كان يحلم في صمت بمجتمع واع متحضر يقرأ ولا يشترى برغيف خبز في كل مناسبة انتخابية…
هذه جوانب مخفية من حياة هشام جعيط حاولنا الاتيان على بعضها لإكمال الصورة التي نحملها عن الرجل .. رحم الله فقيد العلم والمعرفة والبحث.. رحم الله المفكر الكبير هشام جعيط…
حين قتل بطل الأسطورة الاغريقية ” أشيل ” في حصار طروادة قال صديقه في الحرب ” أكتبوا عني أني عاصرت العظماء .. أكتبوا عني أني حاربت هيكتور ابن ملك طروادة مروض الخيول واكتبوا عني أني عاصرت العظيم أشيل .. و تأسيا بهذه المقولة نحمد الله على أننا عاصرنا عظيما من عظماء هذه البلاد.