نوفل سلامة يكتب: محاورة راقية بين سامي براهم وفتحي النصري تعليقا على كتاب: «صديقي رضا لينين سيرة جيل معطوب»

كتب: نوفل سلامة
كتب المفكر والناشط السياسي الأستاذ سامي إبراهم نصا على صفحته على الفايس بوك عرض فيه ما لفت انتباهه وتوقف عنده بعد قراءته لكتاب أستاذه فتحي النصري ” صديقي رضا لينين ، ورقات من سيرة جيل معطوب ” وهو كتاب استعرض فيه فتحي النصري سيرته الذاتية كيساري قادم من رحم التدين قبل أن يحول رحله إلى الماركسية وأهم المحطات التي مر بها في تجربة نضال منكسرة والأهم من ذلك خيبة الأمل التي مني بها ومعه جيل كامل وصفه بالمعطوب نتيجة فشل اليسار الماركسي في تحقيق حلم المشروع الشيوعي وضياع وقت طويل في النضال السياسي حتى وصل اليوم إلى قناعة أن الحل يكمن في التعايش بين الجميع والقبول بالخصوصية التونسية…
ونظرا لقيمة هذه المحاورة الفكرية التي جرت بين طرف محسوب على التيار الإسلامي وآخر ينتمي إلى الحقل اليساري في موضوع حارق هو اليوم محل جدال معرفي وسياسي فقد ارتأينا تعميما للفائدة أن هذا الحوار إلى قراء الصريح.
قال الأستاذ سامي براهم : منذ مدّة قرأت كتاب أستاذي العزيز الدّكتور فتحي النّصري الذي درّسني مسألة الشّعر السّردي “وهي محور رسالة دكتوراه أنجزها ” من خلال نموذج الشّاعر العراقي الكبير سعدي يوسف وأذكر أنّني شرحت إحدى قصائده عن الحياة السّجنيّة ” وكنت حديث عهد بالحياة السّجنيّة لكنّني كنت أتكتّم على ذلك ” فأثار شرحي انتباهه واعتبر أنّني أحسنت تقمّص شخصيّة الشّاعر …منذ تلك السّنة الجامعيّة لم ألتقه ولكن بقيت متابعا لكتاباته وأشعاره وابتسامته البريئة لا تفارق الذّاكرة … كتابه المذكور هو ” صديقي رضا لينين ورقات من سيرة جيل معطوب ” نشر دار مسكلياني طبعة أولى 2020 … في الحقيقة ما أغراني باقتناء الكتاب وقراءته هو الرّغبة في التعرّف على صديق أستاذي الذي ظهر في الصّورة فجأة بعد غياب طويل … وكان صديقه بمثابة طيف الذّاكرة القديمة الذي استبدّ به من جديد كما يقول بمناسبة تواتر إسمه على صفحات التّواصل الاجتماعي في علاقة بمرشّح الانتخابات الرّئاسيّة … واعتبر أستاذي أنّ صديقه العائد من غيبته الكبرى ” لا يمكن أن يكون مجرّد متطوّع عادي ولا أتصوّره يقدم على خوض هذا المعترك دون مبرّر سياسي وجيه ينسجم مع تصوّراته عن الثّورة والتغيير الثّوريّ ” ص 11
المهمّ التهمت الكتاب التهاما متطلّعا إلى بغيتي في التعرّف على هذه الشّخصيّة الغامضة … لكن بعد آخر سطر أحسست بخيبة الانتظار … فلم يكن الكتاب عن صديق أستاذي بل عن سيرة أستاذي الذّاتيّة … أو سيرة جيله الذي اعتبره معطوبا … لم يرد ذكر صديقه إلّا لماما في سياق عتاب خفيّ لتجاهله صداقته أو في ذكر بعض السياقات التي جمعتهما …لكنّ الشيء الوحيد البارز في هذه العلاقة والذي أطال فيه ورد في الصفحة 141-142 من الكتاب أُورِدُه بنصّه :
” التقيت رضا لينين بدار الكاتب ودار الحديث في ذلك اليوم على إمكان الدّخول إلى حزب التجمّع الدّستوري الحاكم وافتكاكه من الدّاخل. وكان رضا كثيرا ما يجنح لتبرير فكرته أو تزيينها إلى توظيف الأدبيّات الماركسيّة اللينينيّة. وكانت حجّته هذه المرّة أنّ مجموعة من الثّوريين المتمرّسين بالنّضال يمكنهم نظرا لإنخرام وضع الحزب الدّاخلي وضعف التّكوين السّياسي لدى إطاراته أن يؤثّروا فيه من الدّاخل ويوجّهوا ممارسته السّياسيّة. أو لم يقل لينين إنّ بإمكان دستة من الأذكياء التفوّق على مائة من الحمقى.
وكان ردّي واضحا وإن صغته في استفهام إنكاريّ ” أ تعتقد أنّ الحزب الذي قاد حركة التحرّر الوطني وبنى دولة الاستقلال يمكن أن تستولي عليه دستة من الأذكياء ؟ ولم يزد كلمة في الموضوع فلم يكن من ذلك النّوع الذي يزايد أو يكابر ” انتهت الإحالة.
ويتساءل أستاذي إن كان ما طرحه عليه صديقه عرضا أم فكرة عابرة خاصّة أنّه انتقل من التيّار الوطني الدّيمقراطي إلى الحزب الشّيوعي التّونسي لكنّه يقرّ أنّ ” إمكان تغيير سياسة الحزب الحاكم من الدّاخل لم يكن غريبا عن بعض فصائل اليسار” ويتساءل أستاذي عن عرض صديقه :
” هل كان لحديث رضا صلة بهذا السّياق ؟ أم كان يسرّ لي ببعض ما اعتمل في نفسه ليتعرّف رأيي ؟ هل كان يجسّ نبضي ؟ وهل فعل ذلك من تلقاء نفسه أم أنّ الأمر يتعدّاه ؟ ” أسئلة بقيت معلّقة. وبنبرة أسى يتحدّث أستاذي عمّن استقطبوه للتيّار الوطني الدّيمقراطي ثمّ انخرطوا في الحزب الحاكم ” فترى الرّفيق القديم الذي شرّبك حين كنت صفحة بيضاء الفكر اليساريّ وقادك إلى الخطّ الوطني الدّيمقراطيّ يظهر على شاشة التّلفزة ليعلن بكلّ صفاقة أنّ التّاريخ عرف ثورات ثلاث الثّورة الفرنسيّة والثّورة البلشفيّة وثورة السّابع من نوفمبر. وعندئذ يكون أساك بلا حدّ وكأنّ شيئا منك قد مات ” ص 143
يوجّه أستاذي لرفيقه القديم خطابه ورسائله وأسئلته ليستفهم منه طبيعة العلاقة التي تربطه بالرّئيس الجديد والرّؤية التي تجمعهما وخاصّة خلفيّاتها الأيديولوجيّة في علاقة بالحلم اليساري الذي جمع بينهما في الفترة الطلّابيّة ولكنّه لا يتلقّى جوابا … وتبقى صورتنا عن القادم بعد غياب غائمة.
أستاذي كان يستحضر ذاته من خلال استحضار صديقه ” لم يكن استحضاره سوى استحضار للشابّ الذي كنت. فنفسي إذا كنت أطلب وأنا الذي طرحتُ عنّي نفسي أكثر من مرّة فمن أكون ؟ ومن أنا من أطواري التي لا أنكر أيّا منها ” ص 183
وبقدر ما كانت صورة صديقه غائمة كانت صورة أستاذي أكثر وضوحا بعد التّجارب التي طوّحت به بين التديّن والنضال اليساري الثّوري صلب الخطّ الوطني الدّيمقراطي ثمّ صلب اليسار الإصلاحي ” الحزب الشّيوعي التّونسي ” الموصوم بالتّحريفي داخل اليسار …
هو من جيل كانت السّياسة عنده عقيدة ” وإذا انخرط الواحد منّا فيها كان شيوعيّا يعتقد الماركسيّة ويسلّم بالاشتراكيّة ، أو إسلاميّا يدين بالأمّة الإسلاميّة ودولة الشّريعة ، أو قوميّا يؤمن بالعروبة والوحدة العربيّة ” ص 183-184
لكنّ أستاذي يعيب على هذا الجيل أنّه لا ينهل من الأصول ( فالشّيوعيّ لا يصدر عن الماركسيّة وإنّما عن نسخة لينينيّة ستالينيّة سوفياتيّة أو ماويّة صينيّة أو تروتسكيّة. والإسلاميّ ليس مجتهدا في الإسلام وإنّما له منه النّسخة الإخوانيّة المصريّة وما تفرّع عنها. والقوميّ لم يمحّص الفكرة القوميّة وإنّما هو بعثيّ أو ناصريّ أو عصمتيّ ” ص 184
وينتهي أستاذي إلى طرح السّؤال ” ما أيسر في جيلي أن تكون أمميّا أو إسلاميّا أو عروبيّا ولكن أين نحن من تونس ؟ وأين تونس منّا ؟ ” ص 184
وجوابا على هذا السّؤال المؤرق يطرح أستاذي سؤال آخر إنكاريّا حارقا ” هل كان لا بدّ من تلك المرحلة الدّامية لينتهي المرء إلى حقائق بسيطة كانت من البداية أمام ناظريه ولكن حالت دون رؤيتها غشاوة على ناظريه كأن يدرك مثلا أنّنا تونسيّون قبل أن نكون شيئا آخر وأنّ ما يوحّدنا أكبر ممّا يفرّقنا وأنّنا ننجو معا أو لا ننجو ” ص 185
لا يبرّئ أستاذي جيله بل يحمّله عوائق البداية لكنّه يعيب على الأجيال اللاحقة النّسج على المنوال نفسه وتكرار أخطاء التّاريخ كأنّما أُورِثت سيرة الهباء أو حُمِّلَت أوزار التّاريخ …
لكنّ الأمل قائم بعد الثّورة التي باغتت الجيل الذي طالما حلم بها ويعتبر أنّه ” بعد الرّابع عشر من جانفي أصبحت الفرصة سانحة لكتابة تاريخ آخر بنظرة أخرى إلى تونس ” ص 186. لعلّ بهذه الثّورة يكون أوان الخروج من الدّائرة قد آن وتلك قد تكون سدرة المنتهى لسيرة جيل و ” نكتة الحكاية التي حجبتها الرّواية ” ص 186
هذه بعض من حصيلة كتاب عن سيرة ذاتيّة وجماعيّة معطوبة لجامعيّ جمع بين البحث الأكاديمي والتّدريس والأدب والنّقد والسّياسة … وفي كلّ عائلة فكريّة وسياسيّة أجيال معطوبة تحتاج مساحة نقاهة فكريّة ونفسيّة لتنفض عنها وعثاء الطّريق وتتحرّر من كلّ الدّغمائيّات وتتخفّف من ثقل الذّاكرة …وللمقال صلة.