نوفل سلامة يكتب/ محاورة راقية بين سامي براهم وفتحي النصري تعليقا على كتاب صديقي رضا لينين سيرة جيل معطوب (2/2)

كتب: نوفل سلامة

العزيز الأستاذ سامي براهم. هداني هذا الصباح صديق إلى منشورك عن كتابي “صديقي رضا لينين، ورقات من سيرة جيل معطوب”. وإني لأشكر لك اهتمامك بالكتاب وإتاحة هذه الفرصة لي لمصافحتك عن بعد فأنت تعلم أنّك كنت في نظري أكثر من طالب.

لقد التقينا في فترة كنتَ فيها جريحا جرح السجن الذي لم يلتئم آنذاك بعد ولا أدري إن كان قد التأم الآن وكنتُ فيها سجين الإحباط. وربّما لذلك كان يحلو لنا أن ننخرط في أحاديث لا تنتهي في الشأن العام. وها أنت تتيح لي مشكورا فرصة أخرى للحوار. ولكني إذ قرأت بعض التعليقات على منشورك أدركت أني في أرض زلقة وعليّ أن أتقدّم على حذر. فأنا منذ ثلاث أو أربع سنوات صرت أمتنع عن الخوض في أي جدال سياسي ما لم يتوفّر في هذا الفضاء الافتراضي الحدّ الأدنى من شروط الجدال النزيه المثمر.

… لقد انشغلت الطبقة السياسيّة بالمعارك الهامشيّة التي كانت من إفرازات الممارسة والوقائع اليوميّة بل وحتّى الشائعات أحيانا

لقد قرأت مقالك عن كتابي وأعلم أنّك أذكى من أن يفوتك أنّك كتبت ما كتبت وأنت مشدود إلى دوّامة الصراع السياسي الجاري في أعلى هرم السلطة فكانت قراءتك انتقائيّة تبتغي تسجيل بعض النقاط لطرف على حساب الآخر. وأنت حرّ في هذا طبعا. ولكن، ولا أظنّ أنّ هذا يفوتك أيضا، أنت تدرك أنني كتبت هذا الكتاب من أجل تجاوز هذه النوع من السجال بالذات. فتونس أكبر من الصراعات السياسيّة الظرفيّة ومن الانتماءات الإيديولوجيّة إلى أفكار ماتت. إنّني كتبت الكتاب بهذا الوعي الذي جعلني وأنا أحاور صديقي رضا لينين أتّخذ المسافة الضروريّة التي تسمح بالتلاقح المفيد للأفكار والمواقف. وإنّي أطمع منك في قراءة أخرى لا تنصرف عن أهداف الكتاب الأساسيّة بسبب ما هو عارض وظرفيّ. فالتونسيّون ومهما اختلفت مشاربهم أحوج ما يكون اليوم إلى أن يصغي بعضهم إلى البعض الآخر. وأولى وأحرى بالنخبة المثقّفة أن تسعى إلى إصلاح ما أفسده الساسة بأن تساهم من موقعها في وضع حدّ لتقاليد اللجاج والمماحكة من أجل إرساء ثقافة الحوار البنّاء. واسمح لي أخيرا عزيزي سامي أن أقتطف شيئا من كتابي لتوضيح بعض ما قلت :
” … لقد انشغلت الطبقة السياسيّة بالمعارك الهامشيّة التي كانت من إفرازات الممارسة والوقائع اليوميّة بل وحتّى الشائعات أحيانا. وتركت لبّ الأمور وظلّت تلاحق الوقائع بدل من أن تعمل على التحكّم في الواقع. فهل كان من الصعب أن تدرك الطبقة السياسيّة بمختلف مكوّناتها أنّها جميعا لها مصلحة في التحوّل الديمقراطي في تونس وأنّ الانقسام المفتعل إلى حكومة ومعارضة لا يتماشى مع طبيعة المرحلة الانتقاليّة. وهو لا يعكس في الحقيقة سوى رغبات محمومة في الوصول إلى الحكم. وهل كان من الصعب أن تدرك هذه الطبقة أنّ مقدّرات البلاد الاقتصاديّة لا تسمح بأن تطول المرحلة الانتقاليّة أكثر ممّا ينبغي. وإذا كان خيار المجلس التأسيسي مجازفة فإنّ المراهنة على المزيد من إطالة المرحلة الانتقاليّة يعدّ انتحارا.

لقد فهمت ممّا اطّلعت عليه ما فهمت. ولعلّي أُقرّ جلّ ما تقرّه ولكن ليس هذا مهمّا

لقد اعترف الجميع اليوم بأنّ البلاد تتخبّط في مأزق سياسي وأنّ مخاطر جمّة تحفّ بها من جميع الجهات. وأدركت الطبقة السياسية وإن بصورة متأخّرة أنّه لا خيار سوى الحوار. فلا خلاص بمعزل عن الوفاق الوطني الذي غدا ضرورة حيويّة. فعلى الأحزاب السياسية الفاعلة الآن أن تكفّر عن أخطائها وتتحلّى بنكران الذات وأن تتولّى النقد الذاتي قبل نقد الآخرين وأن تتجاوز منطق السجال والتجاذب السياسي فلا غالب ولا مغلوب اليوم. ولكن إن لم يتحقّق الوفاق فسيكون الوطن الخاسر الأكبر وسيحمّلهم التاريخ أوزار المرحلة التي لن تكون إذا غاب الوفاق إلاّ حالكة. “
” لقد فهمت ممّا اطّلعت عليه ما فهمت. ولعلّي أُقرّ جلّ ما تقرّه ولكن ليس هذا مهمّا. فالسياسيّ فيّ قد هبط الأرضَ منذ زمن وخلّف سماء الحلم للشاعر. ولو سألتني ما المطلوب اليوم لقلت دون تردّد: ” الوفاق الوطنيّ والسلم الاجتماعيّة وإعادة الاعتبار لقيمة العمل. فلْنُضحِّ ولْنتَقاسمِ التضحية ولْنَعمل على خلق الثروة ولْنتشارَكْها بعد ذلك “. هذه هي المهمّة العاجلة في تقديري. فإذا أُقِرّت وأُقِيمَ أوَدُ البلاد جاز الجدال في الديمقراطيّة التشاركيّة التي تبنى من الأسفل والمجالس ونظام الاقتراع ودور الأحزاب وما شئت من المسائل. المهمّ في الطور الراهن مثلما أكّدتَ أن نجتمع مثل عائلة واحدة على طاولة واحدة دون تباغض أو تناحر من أجل أفكار ماتت. وذلك أنّني أخشى إذا بقي الوضع على ما هو عليه ألاّ يبقى للساسة سوى النفخ في الرماد. وقديما قالت العرب: ” وإنّ غدا لناظره قريب”.
” ما أيسر في جيلي أن تكون أمميّا أو إسلاميّا أو عروبيّا. ولكن أين نحن من تونس؟ وأين تونس منّا؟
أنا جيل الرفض والخروج.
أنا الجيل الذي قتل الأب وادَّعى إلى غير أبيه.
أنا الجيل الذي افترست عينيه الرؤى ولمْ يَرَ.
أنا جيل اليوطوبيّات والأشواق التائهة.
أنا جيل الحنين.
بقوّة هذا الحنين صرنا خَلْقا آخر”
لن نُعادَ خَلْقا آخر حتّى نبرأ من هذا الحنين.
وأنّى لنا أن نبرأ منه ؟
وإذا ثاب الواحد منّا إلى رشده وأناب إلى نفسه وسار في طريق العودة الطويل أدمته المسافات وأضنته المعاناة وخلّفت في الروح الندوب.
أنا سيرةُ جيلي المعطوب.
هل كان لابدّ من تلك الرحلة الدامية لينتهي المرء إلى حقائق بسيطة كانت من البداية أمام ناظريه ولكن حالت دون رؤيتها غشاوة على عينيه ، كأن يدرك مثلا أنّنا تونسيّون قبل أن نكون شيئا آخر وأنّ ما يوحّدنا أكبر بكثير ممّا يفرّقنا وأنّنا ننجو معا أو لا ننجو.”
مع مودّتي وتحيّاتي فتحي النصري