نوفل سلامة يكتب: معالجة الإرهاب مسألة صعبة ومعقدة وتحتاج نفسا طويلا

كتب: نوفل سلامة
ما زالت العملية الارهابية الفظيعة التي حصلت منذ أيام قليلة في مدينة ” بومبويي ” الفرنسية والتي ذهبت ضحيتها موظفة إدارية تعمل في الشرطة الفرنسية على يد التونسي ” جمال شقران ” بعد أن سدد للضحية ثلاث طعنات بسكين على مستوى الرقبة فأرداها قتيلة تلقي بظلالها على كامل المشهد الفرنسي الذي واصلت مختلف وسائل إعلامه الحديث حول هذا العمل الإرهابي حيث استغلت المعارضة وخاصة أحزاب اليمين المناسبة للضغط على الحكومة ومطالبتها باتخاذ المزيد من الإجراءات للحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية وإجراءات أخرى لمحاصرة تنامي المد الإسلامي المتطرف في فرنسا المعادي لقيم الجمهورية والرافض للاندماج في المجتمع الفرنسي الذي تأسس على فكرة اللائكية وتحييد الشأن الديني عن السياسة وعن التدخل لتنظيم حياة الأفراد والمجتمع .
بالموازاة مع البدء في إجراء التحقيقات الأمنية من الجانبين التونسي والفرنسي و التي على ما يبدو سوف تكون صعبة للغاية بعد أن اتضح أن الجاني كان موجودا فوق التراب الفرنسي منذ سنة 2009 مما يجعل من توسيع دائرة الأبحاث عملية صعبة، وكذلك انتماء هذا النوع من العمليات إلى ما يعرف بظاهرة ” الذئاب المنفردة ” وهم أفراد لا يعرف لهم سوابق عدلية في مجال التطرف ولم تذكر أسماؤهم في قائمة من قائمات الإرهابيين ولا يعرف لهم رابط واضح مع أي جماعة من الجماعات المتشددة ، بالتوازي مع ذلك كان الهاجس والقلق هو الإجابة على سؤال : هل نحن في الاتجاه الصحيح في محاربة الظاهرة الإرهابية ؟ وهل قمنا بما يجب القيام به لمحاصرة هذه الظاهرة التي أساءت وتسيء لصورة البلاد بعد أن كشفت المعطيات أن حوالي 80 % من حالات الإرهاب التي حدثت في فرنسا تحديدا كان وراءها تونسيون وهنا نذكر فقط على سبيل الذكر عملية مدينة نيس في سنة 2016 التي ارتكبها التونسي محمد ” لحويج بوهلال ” وذهب ضحيتها 86 ضحية وخلفت 458 جريحا وعملية مدينة برلين الألمانية في ديسمبر من نفس السنة والتي خلفت 12 قتيلا على يد التونسي ” أنيس العمري ” والعملية التي تعرضت لها كنسية نيس في سنة 2020 والتي ذهب ضحيتها 3 مسيحيين تعرضوا إلى الذبح على يد التونسي ” إبراهيم عيساوي ” كل هذه العمليات الإرهابية وغيرها والتي كان وراءها فاعلون من الشباب التونسي أضر كثيرا بصورة تونس وشوه السمعة التي كانت تعرف بها كبلد منفتح متسامح و متمدن يمتاز على غيره من الشعوب العربية بتبنيه قيم الحداثة وفكر التنوير مما جعل شعبه مرحبا به في كل بلدان العالم وبلاده قبلة لكل الأجانب من سياح و مستثمرين وأصحاب أعمال لما يتوفر لديه من مناخ فكري وسياسي واجتماعي يسمح ويشجع على القدوم والعيش والاستثمار، لكن هذه الصورة قد تلوثت كثيرا في السنوات الأخيرة الأمر الذي جعل دبلوماسيين غربيين يصرحون علنا أن تونس قد تحولت اليوم إلى بلد يصدر السموم ولا يأتي منه إلا الشرور فهو بلد الهجرة غير الشرعية وما تخلفه هذه الظاهرة من صعوبات لبلدان الحدود وهو بلد منبع الارهاب ويرسل المقاتلين والإرهابيين إلى بؤر التوتر حيث كشفت المعطيات أن أكثر المقاتلين في تنظيم داعش الإرهابي شراسة وعنفا هم العناصر التونسية وأخيرا أصبحت تونس بلد الفقر وهي تصدر في الفقراء كل هذه المعطيات جعلت هؤلاء الغربيين يصرحون بأن قدوم شركاتهم التجارية إلى تونس لم يعد مجديا ولا مربحا.
أمام هذا الواقع المرير وهذه الصورة المشوشة التي عفنت سمعة البلاد وجعلت شعبا بكامله تلتصق به صفة الإرهاب فإننا نتساءل ماذا فعلت الحكومات المتعاقبة لتحسين الصورة؟ وماذا فعلت النخبة الفكرية والسياسية لإيقاف هذا التشويه الذي تتعرض له البلاد على يد البعض من شبابها من الذين سرقوا منا إسلامنا واحتكروا التكلم بديننا وتقديمه مشوها؟ وهل هناك إرادة سياسية صادقة لتلافي ما يحصل من أعمال إرهابية يقوم بها شباب تونسي؟
ما يمكن ملاحظته في علاقة بالعملية الإرهابية الأخيرة التي ذهبت ضحيتها موظفة إدارية تعمل في الشرطة الفرنسية أن الجاني هو شاب تونسي موجود فوق التراب الفرنسي منذ سنة 2009 غير معروف لدى الشرطة الفرنسية من بين العناصر المتشددة وكان طوال هذه السنين يتنقل بين تونس وفرنسا باستمرار و بكل سهولة ويتصل بالكثير من الأشخاص من دون أن تظهر عليه علامات أو سلوكيات متشددة مما جعل من الظاهرة الإرهابية ظاهرة معقدة وصعبة الفهم.
والملاحظة الأخرى التي أكدتها هذه العملية الإرهابية الأخيرة التي تنتمي إلى ما يعرف بظاهرة الذئاب المنفردة أن الإرهاب في تونس وكذا في الكثير من البلدان وحتى في فرنسا البلد الذي حصلت فيه الجريمة توجد به حاضنة شعبية داعمة لهم ويتوفر على حزام قابل به ويتفاعل معه إيجابيا ويتعاطف مع أفراده وهذا المعطى الهام في فهم الظاهرة الإرهابية يؤكد حقيقة باتت اليوم واضحة وهي أن معالجة الإرهاب مسألة صعبة وعملية معقدة تتجاوز المعطى الديني التقليدي الذي يجعل من الإرهاب ظاهرة وراءها تطرف ديني و فهم مغلوط للدين ومتشدد مما يتطلب مقاربة دينية لترتقي إلى مسألة معالجتها صعبة للغاية وتحتاج فهما واسعا وإدراكا شاملا وقبل ذلك نفسا طويلا لتعقد الظاهرة وتشابكها وتداخلها لأن الإرهاب في حقيقته وعمقه مسألة تتطلب تغييرا في العقلية والذهنية والثقافة القابلة بالإرهاب والمتسامحة مع الارهابيين وأكثر من ذلك ما يتوفر للمتشددين من الحاضنة شعبية داعمة لهم وهذا يجعل من المقاربة التي تقتصر على معالجة التطرف والتشدد الديني من خلال الردع والتدخل الأمني وحده غير كاف ولا تحقق المطلوب.
فما هو مطلوب اليوم هو العمل على معالجة الإرهاب من وجهة نظر تنظر إلى الظاهرة في عمقها وجذورها وتراهن على العملية التعليمية التربوية وتركز في المقام الأول على منظومة القيم الغائبة لدى الشباب وعلى النماذج والقدوات المفقودة والتي اهتزت كثيرا نتيجة خيارات تربوية هدمت المرجعيات وضيعت النماذج الصالحة وجعلت التعليم مجرد تدريس لمواد جافة من دون روح ولا معنى لننتج في النهاية جيلا خاويا من المعرفة والثقافة يسهل تطويعه والتلاعب به واحتوائه.
نحتاج إلى رؤية واضحة وشاملة ونفس طويل في التطبيق وإصرار على توخي الجدية في المعالجة التي لا تركز على المقاربة الأمنية فقط وإنما على استراتيجية دائمة ولا مناسباتية أو ظرفية تراهن على تفتيت الحاضنة الشعبية للإرهاب والحزام الداعم له وتركز في المقام الأول على المقاربة التعليمية الثقافية لتغيير العقليات والذهنيات ودون ذلك دوران حول الظاهرة لا يقدم ولا يؤخر.