نوفل سلامة يكتب: معطيات جديدة في قضية اغتيال صالح بن يوسف قد تنتهي إلى غلق الملف

صالح بن يوسف

كتب: نوفل سلامة

بعد ما يزيد عن الثلاث سنوات من التقاضي في القضية عدد 20 من قضايا العدالة الانتقالية المتعلقة بإعادة النظر في ملف اغتيال الزعيم الوطني صالح بن يوسف والتي انطلقت الأبحاث فيها في سنة 2016…

جلسات استماع

حيث خصصت الدائرة المتخصصة في قضايا العدالة الانتقالية بالمحكمة الابتدائية بتونس عدة جلسات للاستماع إلى طلبات محامي الدفاع عن الشهيد صالح بن يوسف، وكذلك إلى سماع الشهود في هذه القضية التي هزت الرأي العام في حينها… وكانت سببا في تقسيم الشعب إلى مناصر للرئيس بورقيبة ومناصر للزعيم صالح بن يوسف…
وما نتج عن ذلك من عداوة لا تزال آثارها إلى اليوم بادية خاصة بعد ما حصل لليوسفيين على يد البورقيبيين من اغتيالات وتصفيات دموية وإقصاء للأفراد على أساس شبهة الانتماء وحرمان جهات بأكملها من حقها في التنمية وأن يكون لها مكان في دولة الاستقلال بسبب تأييدها للزعيم صالح بن يوسف.
بعد ما يزيد عن الثلاث سنوات من إعادة فتح ملف اغتيال المرحوم صالح بن يوسف وإعادة النظر في كل ملابسات عملية الاغتيال وتوجيه التهمة إلى ستة من التونسيين يُشتبه في ضلوعهم في عملية الاغتيال حيث وجهت تهمة إعطاء الأوامر للقيام بعملية الاغتيال إلى الرئيس الحبيب بورقيبة وتهمة التنفيذ إلى 5 أشخاص آخرين…
الجديد في هذا الملف أن الجلسة العاشرة في هذه القضية والتي دارت وقائعها يوم الخميس 28 أفريل المنقضي قد توصلت بما يفيد وفاة آخر المتهمين في القضية…وبوفاته يكون كل المتهمين في اغتيال صالح بن يوسف قد فارقوا الحياة مما يجعل من الاستحالة بمكان على المحكمة توجيه تهمة القتل العمد إليهم بناء على القاعدة القانونية التي تفيد أنه لا محاكمة لميت وبالتالي فمن المنتظر أن تتجه المحكمة في الجلسة المقبلة المقررة ليوم 24 جويلية من السنة الحالية إلى حفظ الملف في حق المتهمين.

فريق للاغتيال

وللتذكير بأطوار الملف ومن أجل تنشيط الذاكرة والعودة إلى الأحداث التاريخية التي جدت في صائفة سنة 1961 وتحديدا في يوم 12 أوت من تلك السنة فقد تنقل فريق الاغتيال إلى ألمانيا وحجزوا غرفة لشخصين في فندق ‘رويال’ بمدينة فرانكفورت الألمانية الذي يقع بالقرب من محطة قطارات المدينة، وفي حدود الساعة الرابعة من زوال ذلك اليوم هاتف أحد المشتبه بهم صالح بن يوسف واستعجله للقدوم إلى النزل لمقابلة ضابطين من الجيش التونسي للحديث معهم حول ترتيب عودته إلى تونس، وبعد أن امتنع في البداية صالح بن يوسف عن القدوم لكونه متواجدا في مدينة “فيزبادن” ولكونه يستعدّ في مساء نفس اليوم للسفر إلى غينيا لحضور قمة دول عدم الانحياز بدعوة من الرئيس الغيني ” سيكوتوري ” قرر القدوم بعد الإلحاح عليه للحضور وإقناعه بأن هذا اللقاء لن يستغرق وقتا طويلا…

قتل بمسدس..

وفي الاخير استجاب للدعوة بناء على ثقته في مخاطبه وعلاقة القرابة التي تجمعهما واصطحب زوجته صوفية معه التي بقيت في انتظاره في مقهى النزل بينما طُلب منه الصعود إلى غرفة الطابق العلوي وبدخوله وجلوسه على أريكة الغرفة باغته شخصان وأطلقا عليه النار من مسافة قصيرة في مستوى الرأس ومن جهة الخلف بمسدس كاتم للصوت ثم غادرا المكان وأعلما عون الاستقبال أنهما سيعودان بعد وقت قريب، ومن هناك غادرت كامل المجموعة التراب الألماني نحو سويسرا ومنها إلى تونس وبعد مرور ساعتين من الزمن استرابت صوفية بن صالح عدم رجوع زوجها خاصة وأن موعد السفر إلى غينيا قد حان فصعدت إلى الغرفة لتجد زوجها ملقى على الأريكة غارقا في دمائه.  

مستجدات جديدة

اليوم وبعد هذا المستجد الذي ظهر في هذه القضية  بتنقل قاضيين من المحكمة إلى وزارة الداخلية وإطلاعهما على ارشيف صالح بن يوسف سواء قبل أو بعد الاستقلال واختيار 114 وثيقة لها علاقة بعملية الاغتيال وتضمينها في جدول في انتظار الحصول على نسخ رسمية منها و تقديم ما يفيد وفاة آخر المتهمين والمتورطين في عملية الاغتيال وبعد اتجاه القضاء التونسي إلى حفظ القضية وغلق ملف هو من أهم ملفات الذاكرة الوطنية وصعوبة توجيه تهمة القتل لكل المتورطين فإن الملف السياسي في اتجاهه إلى الغلق والحفظ…

الملف التاريخي مازال مفتوحا

غير أن الملف التاريخي الذي يهم الذاكرة الوطنية ما زال مفتوحا وكذلك ملف العدالة الانتقالية التي تهدف إلى معرفة الحقيقة والمصالحة بعد الاعتذار ما زال لم يُغلق بعد في علاقة بما تطلبه عائلة صالح بن يوسف من رد الاعتبار له، وإلغاء الحكمين الصادرين في حقه الأول كان قد قضى بإعدامه والثاني تعلق بمصادرة جميع أملاكه بما في ذلك منزله…
وفي هذا الاطار فقد تقدمت عائلته بطلب لمقابلة الرئيس قيس سعيد الذي يمثل اليوم الدولة التونسية ومطالبته بالاعتذار نيابة عن الدولة فيما حصل من اغتيال سياسي على يدها، والاعتراف بما حصل من جريمة سياسية كان وراءه رأس الدولة وعدد من المقربين من جهاز الحكم والسلطة والحزب الحاكم واعتذار آخر لكل ما حصل للعائلة من مضايقات وتشويه…
إن المفيد اليوم وملف اغتيال صالح بن يوسف على مشارف الغلق والحفظ القانوني هو الحرص على تحقيق المصالحة مع التاريخ والاستفادة من هذه الفرصة التي وفرتها العدالة الانتقالية لإعادة النظر في التاريخ المدوّن الذي كتبه السياسي المنتصر ومراجعة مثل هذه المحطات من تاريخنا المعاصر من أجل كتابة جديدة لبعض أحداثه التي تحتاج إلى مراجعة ومن أجل حفظ الذاكرة الوطنية حفظا لا يعرف اختلافا حولها ولا يجعل الشك والأحقاد تتواصل وتستمر مع الأجيال في عملية توريث للخلافات خطيرة…
ومن دون هذا الاعتراف بالخطأ التي وقعت ومن دون اعتراف الدولة بما نُسب لها فإن تاريخنا المعاصر وخاصة تاريخ الحركة الوطنية سوف يبقى مختلفا حوله ولا يمثل إطار وحدة وتجميع.