نوفل سلامة يكتب: هذا ما يحصل حينما تتحول اللجنة العلمية لمكافحة كورونا إلى واجهة سياسية

فيروس كورونا

كتب: نوفل سلامة

من الهيئات الوطنية التي تحظى بمصداقية وثقة كبيرة عند الشعب اللجنة العلمية لمجابهة جائحة كورونا التي تشكلت إبان بداية انتشار فيروس كورونا في بلادنا…

وضمت في البداية أفضل ما لدينا من الأطباء والمختصين في علم الأوبئة والجراثيم ما مكنها من تقديم أداء كبير في محاصرة هذه الجائحة في الوقت الذي عرف فيه العالم حيرة كبرى وتخبطا في وضع الاستراتيجية الناجعة لإنقاذ البشرية وفي تحقيق المعادلة الصعبة بين خيار أولوية الصحة، وخيار أولوية الاقتصاد وتقديم انقاذ الانسان على انقاذ الاقتصاد أو العكس…
بعد أن تسبب الوباء في حصول وفيات كثيرة مع تراجع اقتصادي كبير على المستوى العالمي تسبب في غلق الكثير من الشركات والمصانع وتسريح الآلاف من العمال وتراجع نسب الانتاج الصناعي الأمر الذي اضطر الحكومات إلى التدخل اجتماعيا لإسناد العائلات الفقيرة
والفئات الاجتماعية المتضررة.

ظروف صعبة

في تلك الظروف الصعبة والمخيفة كان لهيئة مجابهة جائحة كورونا دور كبير في  تقديم الرأي العلمي لأصحاب القرار السياسي وكان صوتها عاليا في التحذير من مغبة التراخي عن اتخاذ التدابير اللازمة للحد من انتشار الفيروس…وكانت تقدم رأيها العلمي المحايد والمطلوب ويبقى للسياسي وللحكومة أن تأخذ ما تراه صالحا من قرارات وهذا السلوك جلب لها احترام الشارع التونسي واحترام منظمة الصحة العالمية التي ثمنت العمل الذي تقوم به…
غير أن هذه اللجنة عرفت تقلبات كثيرة من حيث تركيبتها التي أُبعدت منها الكثير من الكفاءات العلمية المحايدة وعرفت محاولات لاختراقها من أجل توظيفها سياسيا وتحولت بعد إجراءات 25 جويلية في خدمة منظومة التدابير الاستثنائية والخطر الداهم والبناء القاعدي، وتحولت من هيئة مستقلة ومحايدة إلى جهاز يعمل عند المنظومة وفي خدمتها ما جعلها تفقد قليلا من مصداقيتها عند الشعب وصورتها تضعف في الشارع التونسي الذي لم يعد يثق في توصياتها بعد أن لمس تحولا كبيرا في أدائها وعدم الاقتناع بقراراتها…وقد برز ذلك جليا في قراراتها الأخيرة بعدم غلق المدارس والمعاهد لعدم خطورة ” متحورة أوميكرون ” رغم ارتفاع الإصابات في صفوف التلامذة والإطار التربوي في مقابل منع أداء صلاة الجمعة ومنع التجمعات والمظاهرات حتى وإن حصلت في الأماكن المفتوحة غير المغلقة والحال أن الوضع الصحي داخل الفضاء المدرسي هو أخطر بكثير من الفضاءات الأخرى كالمساجد مثلا التي لم يكن هناك داع من غلقها طالما وأن فيروس أوميكرون لا يشكل أي خطر على صحة المواطن كما تقول اللجنة العلمية.

كلام غير دقيق!

المشكل الآخر الذي يثير القلق مع تصريحات اللجنة هو اعتبارها أن متحورة أوميكرون وإن كانت سريعة الانتشار فإنها لا تشكل خطرا كبيرا على المصاب به ويكفي أخذ بعض الادوية العادية وخمسة أيام من الراحة حتى يعود المريض إلى سالف نشاطه..
وهذا ما قيل تبريرا لعدم غلق المعاهد والمدارس والحال أن هذا الكلام ليس دقيقا من الناحية العلمية حيث جاء في بلاغ عن منظمة الصحة العالمية على لسان مديرها العام أن جائحة كوفيد 19 لم تنته بعد، وأن الفكرة القائلة بأن متحورة أوميكرون لا تسبب الاذى أو قليل الخطورة هي فكرة غير دقيقة علميا…
حيث اتضح على خلاف ما يُقال فإن هذا الفيروس المتحور يتسبب في دخول المستشفيات ويتسبب في حصول الوفيات وهو وباء خطير لأنه يسهل معه ظهور متحورات أخرى جديدة.

توظيف سياسي؟

ما أردنا قوله هو أن توظيف سياسي قد حصل في الآونة الأخيرة لقرارات اللجنة العلمية وتوجيه مقصود لتوجيهاتها في اتجاه إخفاء الكثير من الحقائق عن الوضع الوبائي في البلاد حتى لا ينسب الفشل للحكومة الحالية في التعاطي مع الوباء ولا تلام وزارة الصحة الحالية على تردي الوضع الصحي في علاقة بما حصل من توظيف للوضع الوبائي في زمن حكومة المشيشي وتضخيمه، وتعمد تعفينه وعدم التدخل في الوقت المناسب لإنقاذ أرواح التونسيين من أجل الوصول إلى لحظة 25 جويلية فما يحصل اليوم هو التقليل من الحديث عن الحالة الوبائية وتعمد عدم مدّ الشعب بالمعطيات الواقعية والمحينة وتجنب ظهور الهيأة العلمية يوميا كما كان يحصل في السابق وأخيرا استعمال اللجنة في التمكين السياسي وإدامة الوضع الاستثنائي…
ما أردنا قوله هو أنه حينما تسيّس مثل هذه الهيئات وحينما يصبح العلم في خدمة السياسة وحينما يكون الرأي العلمي في خدمة الموقف السياسي حينها تحدُث المغالطة ويفقد الناس الثقة في الرأي العلمي خاصة في مسألة دقيقة كمسألة انتشار الوباء في البلاد وتداعياته على صحة المواطن وعلى كيفية التعاطي معه دون حسابات سياسية ضيقة.