نوفل سلامة يكتب: هذه آلة رهيبة صُنعت للتحكم في الشعوب..وخدمة المصالح الاسرائيلية..

كتب: نوفل سلامة
تكثف في الآونة الأخيرة الحديث عن وضعية شبكات التواصل الاجتماعي تويتر، وفيسبوك في علاقة بالقضية الفلسطينية بعد أن قامت الإدارات المشرفة على هذه المواقع بحجب العديد من الصفحات ومعاقبة أصحابها بمنعهم من التعبير عن آرائهم الحرة تجاه الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني وآلته الحربية ضد سكان غزة المحاصرة.
وقد خلف هذا التصرف الصادر عن المشرفين على هذه الشبكات الافتراضية للتواصل الاجتماعي الكثير من الأسئلة وطرح العديد من نقاط الاستفهام حول حقيقة هذه المواقع وعن الدور الذي تلعبه في صناعة رأي عام موجه نحو الرؤية المنحازة للاحتلال الاسرائيلي وصناعة صورة لا تخدم إلا مصالح الاستعمار الغربي الجديد.
ما حصل هذه المرة مع الاحتجاجات التي عمت الأراضي الفلسطينية المحتلة هو نجاح الشباب العربي في تطوير أشكال وأساليب مقاومة ضد المحتل الصهيوني والتمكن من توظيف مختلف مواقع التواصل الاجتماعي لنصرة القضية الفلسطينية وحشد الدعم العالمي لها في عملية إسناد إعلامية لافتة وعضد الجهد العسكري الذي تقوم به مختلف فصائل المقاومة المسلحة لرد إجرام الاحتلال الاسرائيلي…
ما حصل أن العالم بأسره وخاصة العالم العربي قد انكشفت له حقيقة هذه الشبكات الافتراضية التي ملكت العقول وشغلت الناس حتى بات الدخول إلى هذه المواقع واستعمالها للتواصل الاجتماعي عن بُعد أو للتعبير عن موقف أو استقبال معطيات وتبادل معلومات مسألة حيوية وضرورية في حياة الأفراد ..هذه الحقيقة التي اتضحت بكل جلاء اليوم هي أن هذه الشبكات والمواقع الافتراضية لم تكن يوما محايدة ولا كانت في خدمة أغراض إنسانية اجتماعية، ولم تكن يوما تحتكم للمعايير الديمقراطية وتحترم مبدأ حرية الرأي و التعبير وإنما هي في الحقيقة منصات قد صممت خصيصا لخدمة القضايا الغربية وحماية المصالح اليهودية وخاصة حماية مصالح الكيان الاسرائيلي ودولته العنصرية الاستعمارية وهي شبكات اتضح اليوم أنها متواطئة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ومنخرطة في سياساتها الاستعمارية الاستيطانية.
ذكر كريم بوزويتة المختص في علم التواصل السياسي خلال استضافته في برنامج ” ميدي شوفو ” في حصة يوم الثلاثاء 18 ماي الجاري أن موقع الفيسبوك قد أحدث “مجلس إشراف” مهمته إدارة المحتوى الذي يتداول على المنصة الافتراضية واختار له من بين أعضائه المديرة العامة السابقة لوزارة العدل الاسرائيلية التي مارست ضغطا لحذف الآلاف من المنشورات التي لها علاقة بالقضية الفلسطينية والتي وقفت إلى جانب الحق الفلسطيني.
وأضاف بوزويتة أن المحتل الصهيوني ومنذ سنة 2000 وتزامنا مع انتفاضة الأقصى وتعميم الانترنات في المنطقة العربية بدأ العمل على استهداف الفضاء الرقمي من خلال بعث “جيش رقمي” مهمته استهداف المقاومة الفلسطينية والتصدي لكل المنشورات التي تفضح جرائم الاحتلال الاسرائيلي والتي تنتصر للقضية العادلة للشعب الفلسطيني وخلال كل هذه الفترة الزمنية تمكنت المنصة من فسخ أكثر من 6000 صفحة لمدونين فلسطينيين وحذف ما يزيد عن 60 ألف منشور ندّد بالإجرام الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني…
لقد اتضح اليوم وبعد التصرف المدان الذي قامت به الإدارات المشرفة على هذه المواقع الافتراضية وخاصة ما قامت به إدارة فيسبوك من تعسف وانتهاك للمبادئ والقيم الكونية التي تؤمن بها الإنسانية المعاصرة من محاصرة الكلمة الحرة وتكبيل الإرادة الحرة و صنصرة التعبير الحر والقيام بحذف العديد من المنشورات وغلق الكثير من الصفحات لا لشيء إلا لأن أصحابها قد عبروا بكل حرية عن وقوفهم إلى جانب الشعب الفلسطيني ومناصرتهم للقضية العادلة تجاه الآلة الحربية الصهيونية وجرائم القادة العسكريين لدولة الاحتلال..
لقد اتضح أن هذه المنصات الافتراضية التي سوقوا لها وقدموها للعالم على أنها أداة نزيهة للتواصل الاجتماعي ووسيلة للتقارب والتعارف بين البشر رغم بُعد المسافات ووسيلة للالتقاء افتراضيا وتكوين العلاقات والصداقات فضلا عن تبادل المعلومات والتجارب والخبرات والتعبير عن المواقف من شتى القضايا والإطلاع عما يحدث في العالم من أخبار وأنباء، ما هي في الحقيقة إلا أشكال جديدة للسيطرة والتحكم في البشر من خلال ما نقوم به بمحض إرادتنا وبكل تلقائية من الكشف عن خصوصيتنا ونشر معطياتنا الشخصية وخفايا حياتنا الخاصة في أدق تفاصيلها.
لقد انقاد الأفراد من تلقاء أنفسهم وأفصحوا عن أحوالهم النفسية وعن مشاعرهم وانطباعاتهم وميولاتهم ومعارفهم وأحاسيسهم وعلاقاتهم مما حول البشر إلى صفحة مكشوفة يمكن التحكم فيها وتطويعها بعد دراستها بكل يسر وسهولة.
لقد تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى أجهزة للتحكم في الأفراد وتوجيه الشعوب. يقول الفيلسوف البولندي ” زيجمونت باومان ” في كتابه ” الشر السائل ، العيش مع اللا بديل ” في تحليله لخطر شبكات التواصل الاجتماعي وخاصة منصة الفيسبوك ” إن الفيسبوك هو ابتكار ذكي لكن ظهوره حمل معه إمكانات الخطر القاتل والشر المميت إنه يطلب منك أن تتجرد من ملابسك بموافقتك و بإرادتك الحرة وأن تفعل ذلك وأن تسعد بما تفعل. إننا نتعرى بأنفسنا ونسعد بذلك .. لقد صنعوا هذه الشبكات للتواصل الاجتماعي من أجل السيطرة وجعل الانسان يتنصل عن ذاته وخصوصيته وهويته ومن أجل صناعة واقع وهمي وإقناع الناس على أنه هو الواقع الحقيقي .. إننا نعيش في ظل مجتمع فقد فيه الإنسان الإيمان بأنه قادر على أن يغير شيئا في هذا العالم وأغرق في عالم تتحكم فيه الحتمية والقدرية والعجز والكوابيس المفزعة وصورة المستقبل الكارثي ..”