نوفل سلامة يكتب: هزيمة الاسلاميين في الانتخابات المغربية قراءة أخرى لما جرى…

كتب: نوفل سلامة

خسر كما هو معلوم حزب العدالة والتنمية الإسلامي بالمغرب غالبية مقاعده في الانتخابات البلدية والتشريعية التي جرت منذ أيام قليلة وتدحرج من المرتبة الأولى وكأكبر كتلة برلمانية إلى المرتبة الأخيرة بحصوله على 12 مقعدا فقط في حين كان قد تحصل في الانتخابات قبل الأخيرة على 125 مقعدا، وبذلك يكون قد خسر 113 مقعدا جعلت منه حزبا صغيرا وخارج دائرة المعارضة فضلا عن المشاركة في الحكم…

وقد قدمت نتائج الانتخابات المغربية على أنها هزيمة مدوية للإسلاميين ونهاية تجربة حكمهم التي لم تدم إلا عشر سنوات وغلق آخر قوس للأحزاب الإسلامية وللإسلام السياسي الذي وصل إلى الحكم في سياق ثورات الربيع العربي التي سمحت لهم بالمشاركة الديمقراطية وممارسة الحكم والسلطة…

إغلاق القوس؟

وقوس المغرب قد أغلق أسابيع قليلة بعد أن أغلق قوس الإسلاميين في تونس إثر الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد استجابة إلى الحراك الاجتماعي 25 جويلية بناء على حالة الخطر الداهم التي نص عليها الدستور، وذلك بتعطيل عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة وتجميع كافة السلط في يد واحدة وبهزيمة الإسلاميين في الانتخابات المغربية يكون قوس حكم الإسلاميين قد أغلق في كامل الوطن العربي بعد تجربة حكم قصيرة لم تتجاوز العقد من الزمن….
لقد سوّق الإعلام العربي ما يحصل في تونس وما حصل في المغرب على أنه سقوط آخر قلاع الإسلاميين ونهاية تجربة السلطة للإسلام السياسي، كما قدمت قراءة للجمهور على أنها مرحلة من تاريخ السياسة في العالم العربي قد طوت دون رجعة في إشارة إلى أن الهزائم المتتالية للأحزاب الإسلامية وتراجعهم في البلدان العربية مرده فشلهم في إدارة الشأن العام وقلة خبرتهم وغياب الكفاءة بشكل كبير وعدم اقتدارهم في ممارسة الحكم والسلطة…
فهل تستقيم هذه القراءة التي يروج لها الإعلام العربي؟ أم أن التعثر والتراجع له أسباب أخرى فيها ما هو ذاتي وفيها ما هو موضوعي بكيفية كان العامل الموضوعي هو المؤثر في المقام الأول.
والسؤال اليوم هل ما تشهده الأحزاب الإسلامية من تعثر وتراجع والذي منعها من البقاء في الحكم والسلطة بعد الوصول إليهما يعود إلى فشلها أم إلى رفض لوجودها؟    
القراءة الموضوعية والمنصفة تذهب إلى أنه لا يمكن إنكار الأخطاء الفادحة التي ارتكبها حزب العدالة والتنمية أثناء ترؤسه الحكومة وفشله في تمثيل الطبقة الوسطى والفئات الاجتماعية الفقيرة التي كانت دوما تصوّت لفائدته والتي كانت دوما تضع ثقتها فيه في تغيير حالها وتمثيلها وتحقيق مطالبها، فهذا الخزان الاجتماعي والكتلة الكبيرة من الشعب قد قام هذه المرة بمعاقبة الإسلاميين بعد أن فشلوا في الوفاء بالوعود الانتخابية التي قطعوها على أنفسهم ولم يكونوا أوفياء لناخبيهم في علاقة بتصاعد حدة البطالة في صفوف الشباب وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل في المجتمع وفي علاقة بعدم قدرة الإسلاميين وهم في السلطة على الحد من تدهور المقدرة الشرائية للناس بعد أن تزايد الغلاء وتواصلت أسعار المواد الغذائية في الارتفاع حتى أصبحت المعيشة لا تطاق….
وفي المقابل لم تفعل حكومة الاسلاميين أي شيء للحد من هذه الأزمة الخانقة التي أرهقت المجتمع وقد زاد من غضب الشعب على حزب العدالة والتنمية الحاكم اعتماد نظام التعاقد بدل نظام الترسيم في توظيف المدرسين وهم شريحة كبيرة في المغرب ولها ثقلها المجتمعي وكذلك ما حصل من فرض قانون جديد للتقاعد من الوظيفة لم يكن في صالح الأجراء المتقاعدين فضلا عن عدم التوفيق في حل الكثير من المشكلات في قطاعات أخرى كالصحة والتعليم والإدارة هذا من دون أن ننسى موافقة الحزب على قرار التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي اتخذه الملك والذي أضر كثيرا بصورة الاسلاميين وسمعتهم و رتبت لهزيمتهم المنتظرة في الانتخابات القادمة.

الميلياردير يُنهي خرافة الإسلاميين

إذا كانت مسؤولية الإسلاميين في المغرب واضحة في جعل الناس تغيّر وجهتها نحو أحزاب أخرى غير التصويت لهم وإذا كانت الأسباب الذاتية لا يمكن إنكارها إلا أن ما حصل للإسلاميين في الانتخابات المغربية الأخيرة لا يمكن فهمه من دون الأخذ في الحسبان أن منافس الإسلام السياسي في هذه الانتخابات والذي افتك منه المرتبة الأولى بحصوله على 97 مقعدا هو الملياردير الليبرالي وصاحب كارتال البترول ” عزيز أخنوش ” الصديق المقرّب من الملك محمد السادس وحزبه التجمع الوطني للأحرار الذي أوجده الملك في سياق هزم الأحزاب المغربية التاريخية، وفي مقدمتها الأحزاب الإسلامية ومن دون الانتباه إلى هذا المعطى لا يمكن فهم الانتخابات المغربية ونتائجها الأخيرة في علاقة بالقوة المالية الرهيبة التي يمتلكها زعيم حزب الأحرار، ويكفي أن نذكر كيف أثرّت الأموال في الناخبين وكيف استطاعت السلطة المالية أن تحول إرادة الناس نحو الحلم بمغرب أفضل مع أخنوش وتحويل الوعود إلى واقع وحقيقة مع صاحب أكبر شركات النفط في المغرب؟
لا يمكن أن نفهم هزيمة الإسلاميين في المغرب وتعثر تجربة حكم حزب العدالة التنمية من دون الانتباه إلى معطى آخر أثّر بقوة في هذه الهزيمة يتعلق بتراجع حركة ” التوحيد والاصلاح ” عن دعم الإسلاميين في الحكم والتوقف عن المساندة في ممارسة السلطة وهي الذراع الدعوي لحزب العدالة التنمية…. ولمن لا يعرف حركة التوحيد والإصلاح في المغرب نقول بأنها حركة دينية قوية متغلغلة في المجتمع وتجمع في صفوفها غالبية الطبقة الشعبية من المحافظين ومن عموم الشعب الكادح وتأثيرها في الفضاء الديني قوي للغاية، وقد كانت دوما هي السند الحاسم في ترجيح كفة الإسلاميين في الانتخابات غير أن دعمها هذه المرة كان باهتا لأسباب معلومة وهو سلوك اعتبر عند المحللين أحد عوامل الهزيمة البارز بما يعني أنه لو أن هذه الحركة واصلت دعمها لحزب العدالة والتنمية لربما كان ترتيبه يكون أفضل ولما كنا نتحدث عن هزيمة مدوية للإسلام السياسي في المغرب ولا عن غلق قوس حكمه.

قراءة موضوعية…

ما أردنا قوله هو أن ما روج له الاعلام العربي وحتى التونسي من أن ما حصل في نتائج الانتخابات المغربية من هزيمة للإسلاميين على أنه غلق قوس حكمهم بسبب فشلهم في إدارة الحكم، وبسبب هدرهم فرصة منحت لهم للبقاء في السلطة لسنوات أخرى لقلة خبرتهم وكفاءتهم يحتاج إلى الكثير من التنسيب ويحتاج قراءة موضوعية منصفة على اعتبار أنه رغم ما فعلته الادارة العميقة من عرقلة وتعطيل ومن بطء في تلبية قرارات الحكومة، ورغم الانسحابات المؤثرة التي حصلت في الائتلاف الحاكم الذي يقوده حزب العدالة والتنمية من قبل أحزاب المشاركة في الحكم ما جعل الحكومة هشة وضعيفة في مواجهة المشاكل ورغم الخطة الذكية التي اتبعها الملك محمد السادس بإقحام الإسلاميين في آلة الحكم في مواجهة الادارة العميقة حتى يقع طحنهم وتهرئتهم، وبالتالي إخراجهم من باب الانتخابات والفشل..فإن وجود عامل تخلف حركة الإصلاح والتوحيد الخزان الشعبي الكبير عن تأييد الإسلاميين ووجود منافس قوي ومرعب يمثل سلطة المال وقوة الجاه قد أثرا بقوة فيما اعتبر هزيمة مدوية للإسلاميين وإغلاق قوس حكم الإسلام السياسي  في المغرب بعد أن أغلق في تونس بطريقة أخرى وصفها البعض بالانقلاب على الشرعية الدستورية…

استوعبوا الدرس!
المهم في كل ذلك هو أنه على الإسلاميين أن يستوعبوا الدرس وأن يفهموا أن  ما يحصل لهم ليس بسبب عدم كفاءتهم وقلة خبرتهم وقدرتهم فغيرهم ليس أفضل منهم ولا أقدر وإنما الذي يحصل لهم منذ عشر سنوات من ملحمة الربيع العربي هو رفض مبدئي لوجودهم مهما فعلوا وعدم القبول بهم في الحكم والسلطة وأن ما يحصل لهم يتحملون فيه جزء من المسؤولية لكونهم لم يغيروا من واقع الناس ولم يكونوا على قدر الوعود التي قطعوها على أنفسهم تجاه ناخبيهم وتجاه الشعب فالشعوب لا تحكم بالصورة الدينية ولا بالانتماء الديني وإنما تحكم بالنتائج الملموسة التي تغيّر من واقع الافراد وحياتهم…
يقول الأستاذ الجامعي والباحث في علم الاجتماع محمد الجويلي ” لقد انتقلنا بشكل لافت إلى مجتمع الأفراد الذي لا يبحث عن الفكرة بقدر بحثه عن الجدوى »…