نوفل سلامة يكتب: هكذا تدار حواراتنا وحواراتهم .. وهذا الفرق بيننا وبينهم

كتب: نوفل سلامة  

أتابع باستمرار وبانتظام ما يدور من حوارات ونقاش على القنوات الفرنسية وخاصة النقاشات التي تؤثثها القناة الخامسة الفرنسية في علاقة بالجائحة الوبائية التي تجتاح العالم والتي تضررت منها كل الدول والشعوب وفرضت على الحكومات اتخاذ اجراءات صحية وأخرى مالية لمواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا وما انتجه من فيروسات متحورة اتضح أنها أكثر فتكا وخطرا من الفيروس الصيني…

وما لفت انتباهي وأنا أتابع برنامجا حواريا على إحدى القنوات الفرنسية كان يناقش الظواهر المجتمعية الجديدة التي أفرزتها الجائحة الوبائية وأنماط الحياة التي بدأت تتشكل وتفرض نفسها على الشعوب بعد أن تضررت جراء انتشار فيروس كورونا، الذي فرض على الإنسان تغيير كل شيء في حياته وتغيير الكثير من العادات وتغيير التفكير والسلوك وطرائق الحياة من عمل ونشاط وعلاقات وتواصل وتعليم وترفيه وغيره، ما لفت انتباهي أن الكثير من ردود الأفعال التي نجدها عندنا والكثير من التذمر الذي نراه في حديث الكثير من الأفراد في بلادنا في علاقة بمسؤولية الدولة وفشلها في وضع الإجراءات اللازمة للحد من مخاطر انتشار الوباء وتأخرها في توفير اللقاح المطلوب لعموم الشعب يعرفها كذلك المجتمع الفرنسي الذي تعمه نفس المشاعر التي يشعر بها الشعب التونسي حيث دار الحديث في هذا النقاش الفرنسي على وجود ظاهرة القلق والتوتر عند الشباب بسبب ضغط الحجر الصحي ونتائج الامتحانات والمناظرات التي لم تكن كالمعتاد لا من حيث الكم ولا الكيف وبعد أن منعت عليهم الحكومة ارتياد المقاهي والمطاعم إلا بعد الاستظهار بما يفيد حصولهم على تلقيح…. وبعد أن فرضت عليهم الجائحة الحد من حريتهم وأصبحوا في حالة من الانفلات بارزة و تنامي مظاهر التشاؤم من المستقبل في صفوف كبار السن وحيرتهم بدل الاطمئنان على حياتهم وعزوف عدد كبير من الفرنسيين عن التلقيح سواء بسبب الخوف من الأعراض الجانبية أو بسبب تفسير تآمري لظهور الجائحة وانتشارها وحيرة أخرى لدى الكثير من المواطنين الذين فقدوا وظائفهم بعد أن اغلقت المصانع والشركات أبوابها وبعد أن فرضت عليهم الجائحة الدخول في بطالة قصرية وما نتج عنها من عدم القدرة على مجابة ضرورات الحياة وتم ذكر الكثير من النسب والإحصائيات التي تبرز ظهور مظاهر مجتمعية جديدة غيرت الكثير من سلوك المواطن.

المفيد الذي نخرج به بعد متابعة هذه الحوارات التي تدور في منابر القنوات الفرنسية أنها تعكس نفس ما هو موجود عندنا وتنقل ما يدور في المجتمع الفرنسي الذي هو شبيه بما يدور في مجتمعنا، وتبرز أن الكثير من ردود الفعل من تداعيات الجائحة هي متشابهة تقريبا في الكثير من المجتمعات والدول لكن الفارق الكبير بيننا وبينهم والذي ميز مثل هذه المجتمعات عن مجتمعنا أن هذه النقاشات تدور في جو هادئ وفي إطار بعيد عن التشنجات وخالية من التوتر والصراخ والاتهامات والسباب.  

كان النقاش يدور حول هل من الممكن أن يصبح التلقيح اجباريا وتلزمه الدولة على الجميع ومدى اتفاق هذا الإجراء مع مبدأ حرية الفرد في الاختيار وهو حوار تفرع للحديث عن مبدأ الفردانية والمصلحة العامة وكيف نوفق بين الاثنين وسجال بين أنصار الحق في رفض التلقيح وأنصار إجبارية التلقيح تحقيقا للمصلحة العامة وهل الأولوية اليوم في الدفاع على حرية الفرد أم حماية المجتمع من خيارات الأفراد التي تتسبب في كوارث وانهيارات جماعية وكيف يمكن في ظل تحكم الفردانية وحرية المواطن أن نحمي حرية هذا وصحة هذا بعد أن منعت الحكومة الدخول إلى الفضاءات العمومية إلا بعد الاستظهار بشهادة تلقيح و منع السفر على غير الملقحين و منع مباشرة وظيفة التدريس من دون تلقيح ومنع حضور المؤتمرات والندوات دون الاستظهار بشهادة تلقيح. 

كل هذه القضايا والمواضيع تم طرحها للنقاش بحرفية و مهنية عالية ودون تشنج ولا بحث عن التوظيف السياسي وبحضور أطباء وأصحاب الاختصاص الذين تكلّموا بسلاسة وبطريقة مبسطة لإفهام الناس.

الفرق الذي بيننا وبينهم  في مثل هذه المنابر الحوارية التي أثثت من أجل المعرفة وتحقيق الوعي وإفهام الناس أن من يتحدث ويناقش في الوضع الوبائي الحرج لا يستعمل لغة التخوين او التآمر على صحة المواطن رغم علمه بأن الدولة والحكومة رغم كل المجهودات التي بذلت فهي مقصرة و أن الاجراءات التي اتخذت غير كافية بل هناك من ينسب إليها الفشل ورغم ذلك تجد النقاش والحوار يعتبر أن الظرف ليس وقت تسجيل نقاط أو هو مجال تشكيك وبدل ذلك  تطرح أسئلة من نوع كيف يمكن أن نساعد الدولة في حربها على الوباء الذي يمتلك قدرات خارقة ؟ وكيف يمكن أن نعاضد مجهودات الحكومة ونتدارك النقائص الموجودة في مواجهة الجائحة؟ 

الفرق بيننا وبينهم في أنه لدينا نخبة سياسية لا هم لها إلا مصلحتها الخاصة وكسب معركة القيادة والصعود في نسب نتائج سبر الآراء في حين أن نخبهم تحدث شعوبها بضرورة التهيؤ للحياة الجديدة بعد أن اتضح أن الوباء سوف يلازمنا لفترة طويلة، وأن العالم ما بعد الجائحة لن يكون كما قبلها وأن المفيد اليوم في التفكير في أنماط عيش جديدة وطرائق حياة مختلفة وهي تتطلب أن نتأقلم مع الوضع الجديد الذي فرضه الوضع الصحي الجديد.

الفرق أن لدينا نخبا فكرية عقيمة لا تنتج معرفة ولا تقترح رؤى جديدة ولا مقترحات تفتح الطريق أمام الناس الحائرة .. في حين أن الآخرين لديهم نخبا فكرية لها القدرة على إنتاج المشاريع والنظر إلى المستقبل وتستشرف القادم البعيد حتى تجعل شعوبها تعيش أفضل مع هذا المستجد الذي أربك العالم و أوقف الحياة فيه.