نوفل سلامة يكتب: هل غاب التوازن والموضوعية العلمية في خطاب فوزي البدوي عن ‘خطر’ الإسلام السياسي؟

كتب: نوفل سلامة
فاجأنا الدكتور فوزي البدوي الباحث التونسي وأستاذ الدراسات اليهودية والعربية بالجامعة التونسية بمقاله المنشور بموقع ‘الصريح’ في عدد يوم الأحد 28 جوان الجاري بحديثه عن خطر الإسلام السياسي والتنظيمات الجهادية التي تتبع تنظيم داعش الإرهابي، وبما سمي بصيحة فزع أو الإنذار الأخير الذي يطلقه قبل أن تحدث الكارثة ويعم المشهد الجامعي الفكر الإرهابي المتطرف بعد أن يصبح المدرسون بالجامعة التونسية أساتذة لهم ارتباط وثيق بالفكر الداعشي والمنظومة الفكرية للسلفية الجهادية التكفيرية.
ودواعي المفاجأة أني أعرف الرجل وواكبت له بعض الندوات الفكرية وخاصة محاضرته القيّمة التي ألقاه في مؤسسة ‘مؤمنون بلا حدود’ في خريف سنة 2017 حول شخصية ابن تيمية بمناسبة الجلسة الحوارية التي دارت حول موضوع ابن تيمية في الخطاب الإسلاموي، والتي تحدث فيها عن ابن تيمية كما لم يتحدث عنه غيره ودافع عن فكره أفضل من دفاع أنصاره عنه ومما أذكره في المحاضرة أنه يفصل بين الفكر الداعشي والفكر الإخواني، ويعتبر ابن تيمية شخصية قد تم اختطافها من قبل الجماعات التكفيرية التي استحضرت منجزه الفكري وقامت بتنزيله في سياقات العنف السياسي والديني المعاصر وأولت تلك السياق التاريخي السياسي الذي عاش فيه بين هجمات الفرنجة من جهة وهجمات التتار من جهة أخرى وقد وجدت حركات الإسلام السياسي ـ المقصود هنا الجماعات الداعشية ـ في ذلك السياق ما يشبه الوضع في زمانها والحال أن السياق الحاضر غير السياق التاريخي الذي ظهر فيه ابن تيمية وأنتج ذلك الفكر الذي فرضته هجمات أعداء الإسلام وهذا يعني أن ابن تيمية قد تم توظيف منجزه الفكري بطريقة استعمل فيها القياس الفاسد وتم توظيف فتواه عن التتار في غير محلها وموقعها.
أما بخصوص فكر الإخوان المسلمين وحركة الإسلام السياسي التي بدأت مع حركتهم فإن فوزي البدوي يقول عنها “لقد بحثت في فكر حسن البنا ورجعت إلى كل نصوصه المؤسسة فلم أجد أي ذكر لإبن تيمية ما عدا موضعين اثنين لا غير” وهذا يعني أن التوجه العام لفكر حركة الاخوان المسلمين لا ينهل من الفكر الجهادي التكفيري ولا يستند إلى استحضار مقولات دينية للعلماء القدامى من أمثال ابن تيمية وغيره وتنزيلها التنزيل الخطأ على واقعها في زمانها الذي تختلف سياقاته عن السياقات التاريخية التي فرضت ظهور ابن تيمية وغيره.
لماذا عدنا إلى هذه المحاضرة المرجع؟ في الحقيقة عودتنا إليها سببها هو ما بدا لنا خطأ منهجيا وقعه فيه أستاذنا لما خلط بين الفكر الداعشي والفكر الإخواني ولما وضع الإثنين في سلة واحدة وهي سلة الإسلام السياسي في حين أن الإخوان ليسوا داعش حتى وإن خرج بعض أفراده عن جماعة الإخوان وأسسوا تيارات متشددة تتبنى العنف أداة للتغيير ذلك أن الدراسات التي رصدت نشأة تيار الإسلام السياسي قد نبهت إلى ضرورة التمييز بين التيارات التكفيرية الإرهابية التي لا تؤمن بالدولة ولا تعتقد في الديمقراطية أداة للوصول إلى الحكم وبين الحركة الإخوانية التي تعتقد في الوسائل المدنية طريقا إلى الحكم.
وعودتنا إلى هذه المحاضرة المرجع التي خففت كثيرا من الفزع الذي رافق الحديث عن الإخوان والتهويل المفرط من خطورة فكرهم وتعمد تشبيه حركتهم بالتيارات السلفية المقاتلة هو لقناعة حصلت من أن الأستاذ البدوي بالغ في تصدير الخوف من الإسلام السياسي ممثلا في تنظيم الإخوان في حين انه في كل محاضراته السابقة قد نبه إلى وجود فرق شاسع بينها وبين الحركات المتطرفة العنيفة.
وعودتنا كذلك لمحاضرة ابن تيمية لها غاية أخرى وهو ما اعتبرناه مصادرة غير مفهومة لحق الطلبة الذين لهم توجهات دينية وميولات للإسلام السياسي الحقيقي لا الداعشي ما يبدو استكثارا عليهم الدراسة الجامعية ليصبحوا أساتذة في المستقبل وهو حق كل طالب تونسي حينما يقول بأن هؤلاء الطلبة ” يفلحون في اجتياز كل الامتحانات مستغلين ثغرات نظام التقييم والامتحانات وفوضى الإصلاحات الجامعية التي هي أقرب إلى المفاسد في مجال الإنسانيات وبعضهم بدأ يدخل وسيدخل تباعا إلى إطار التدريس …”
والسؤال هنا كيف يمكن لأستاذ جامعي أن يصادر حق مواطن تونسي مهما كانت ميولاته من أن ينجح ويصبح مدرسا طالما أهلته كفاءته العلمية لذلك ؟ ثم كيف يقول هذا الكلام والمعلوم أن الجامعة التونسية وخاصة كلية الآداب كانت محسوبة على التيارات اليسارية والطلبة الشيوعيين حتى عرفت بفترات زمنية طويلة بأنها كلية اليسار فهل نقول ليس من حق هؤلاء أن ينجحوا ويصبحوا فيما بعد أساتذة ومؤطرين.
وعودتنا أخيرا مبناها توجس له علاقة بمهمة الأستاذ الجامعي التي جعلها الأستاذ فوزي البدوي تدور حول تغيير قناعات الطالب وإدخال الشك الذي يبنى على إيمانه بما يعني أن دور الجامعة ليس نشر العلم والمعرفة وتنمية القدرات الفكرية وفق منهج موضوعي، وإنما تحويل وجهة الأفراد وتغيير فكرهم من مجالات الايمان والتصالح مع دينهم إلى مجالات تجعل الفرد متحفظا على كل القناعات التي تربى عليها ويتحول الإيمان في الدرس الجامعي إلى وجهة نظر ومجال نقاش ومسألة نسبية…وبما أن الأستاذ الجامعي لم يعد قادرا على تحقيق هذه المهمة فإن الجامعة حسب رأيه تفقد كل دور لها طالما وأن ” الطالب – والكلام للأستاذ البدوي – يأتي جاهزا إلى الجامعة من حيث القناعات ولا يفلح إلا مع القليل منهم بسبب أن أجهزة مختلفة قد عملت في فترة المراهقة وفترة الثانوي قد أدت إلى تشكيل نهائي للأدمغة ” التي يصعب على الأستاذ إعادة تشكيلها وفق ما يريد.
إن المشكلة في ما ورد في مقال الأستاذ فوزي البدوي وما اعتبر صيحة فزع وبيان إنذار وخوف مفزع من هول القادم إلى الجامعة في المستقبل بعد أن يكتسح الطلبة من ذوي التوجهات الدينية الجامعة التونسية، ويلتحقون بإطار التدريس هو في التهويل المفرط فيه وفي تصدير الخوف المبالغ الذي صوّر لنا الجامعة التونسية وتحديدا كليات الآداب في المستقبل وكأنها قلعة من قلاع داعش، والحال أن الصورة ليست على هذه الشاكلة حيث أن الجامعة التونسية قد عرفت في كامل تاريخها الطويل وجود تيارات فكرية مختلفة و مد وجزر وفترات تعاقبت فيها تيارات الفكر التحرري وتيارات الفكر اليساري وأخرى تيارات إسلامية وتعايش الجميع وتلك سنة الوجود وقانون التداول…