نوفل سلامة يكتب: هل من العدالة أن يطبقها المرء بمفرده حتى وإن كان صادقا؟

كتب: نوفل سلامة  

ما سأتحدث عنه اليوم هي قصة من التاريخ القديم تعود إلى الزمن السلجوقي وتحديدا في أواسط القرن الخامس الهجري أين تأسست امبراطورية مسلمة في التراب الآسيوي محاذية للدولة العباسية عرفت بإسم الدولة السلجوقية التي يعود لها الفضل في القيام بالكثير من الفتوحات والحروب نسبت إلى التاريخ الإسلامي وخاصة ما قامت به من تصد للإمبراطورية البيزنطية وإيقاف تهديد الصليبيين للمسلمين ودولتهم الوليدة طرية الغصن .. في ذلك التاريخ القديم للإسلام المبكر كانت هناك قبيلة تركية كبيرة يطلق عليها إسم قبيلة ” الكاي ” هي إحدى قبائل ” الأوغوز ” التركية التي تشترك مع السلاجقة المنحدرين من قبيلة ” القنق ” في هذا الأصل والنسب التركي والجذور القبلية للأتراك الأوغوز ..

الأب الروحي للأتراك

 في ذلك الزمن السحيق اضطرت قبيلة الكاي الى مغادرة منطقة آسيا الوسطى بعد أن حدث الكثير من المشاكل بين القبائل والاستقرار بمنطقة أذربيجان وبحر القزوين قبل أن يستوطنوا أرض تركيا وهناك اعتنقوا الإسلام وأصبحت لهم علاقات متينة مع السلاجقة .. وتروي قصة التاريخ العثماني أنه بعد القائد أرطغرل الملقب بالغازي أرطغرل لكثرة حروبه إلى جانب السلاجقة والذي يعود له الفضل في توطين قبيلة الكاي التركية في هذه الأراضي بما عرفته من اشعاع وقوة في حماية الحدود الإسلامية من التهديد الصليبي البيزنطي خلفه إبنه عثمان الملقب بالمؤسس عثمان الذي واصل جهد والده في تحقيق التمكين للقبيلة وتوسيع نفوذها وتحقيق الحلم التركي الكبير وهو تأسيس إمبراطورية إسلامية عظيمة في تلك الربوع.
يروي كل من أرخ لبداية الحلم التركي بعد أن اعتنقت قبيلة الكاي الإسلام أن الفضل الكبير لعملية التأسيس الأولى التي قادها عثمان إبن أرطغرل يعود إلى ” الشيخ أديب علي ” الأب الروحي للأتراك ولقبيلة الكاي أو ما يطلق عليه بالمؤسس الروحي للدولة العثمانية الذي تروي عنه كل كتب التاريخ أنه لعب دورا محوريا فيما تحقق فيما بعد للأتراك من تمكين بعد أن  تسلموا مشعل الخلافة الاسلامية ليمتد حكمهم لقرابة 600 سنة كان العالم بأسره حينها يخشاهم ويهابهم ويقرأ لهم ألف حساب.
هذا الرجل الصوفي والمتدين لقي في يوم من الأيام المحارب عثمان وهو في قمة الغضب فسأله هل قطعت يوما يد رجل في السوق ؟ فأجاب عثمان بنعم….فقال الشيخ أديب علي ولماذا قطعت يده يا عثمان ؟ فقال قطعت يده يا شيخ لأنه سرق كيس نقود من امرأة عجوز كانت تتبضع في السوق . فقال الشيخ هل العدالة يا عثمان أن تطبقها بنفسك حتى وإن كنت صادقا ومشهود لك بالنزاهة ؟ أين الشهود ؟ وأين الأدلة ؟ وأين المحكمة التي سوف تقضي بين الخصوم ؟ و أين دفاع المتهم عن نفسه .. إن العدالة يا عثمان أن تستشير قبل أن تنطق بالحكم و أن لا تنفذ العدالة بمفردك فهذا ليس من حقك…

علاقة بحاضرنا

نستحضر هذه القصة ونعود إليها لأهمية مضمونها في حاضرنا وما نعيشه من أحداث في عصرنا الحاضر وخاصة ما له علاقة بواقعنا التونسي بعد أن شرع الرئيس قيس سعيد في حربه على الفساد والمفسدين وما قام به من تجميد الحصانة عن جميع النواب ومن وضع الكثير من الأفراد رهن الإقامة الجبرية ومنع الكثيرين من السفر حتى إشعار آخر بدعوى تحقيق العدالة وتطبيق القانون…. قيمة هذه القصة التي تعود إلى الزمن السلجوقي في أيام الشيخ  أديب علي الأب الروحي للدولة العثمانية في القاعدة الثمينة التي تركها لنا في تحقيق العدل بين الناس والتي تفيد أنه لا يحق لأي شخص مهما بلغ درجة من الصلاح وعرف عنه من صدق ونظافة اليد وثقة الناس في نزاهته أن يطبق العدالة بمفرده وكما يراها هو ..

قيمة العدالة

قيمة القصة في الدرس الذي تركته للأجيال المسلمة القادمة في كيفية تطبيق العدالة بين الناس حتى لا يظلم أحد باسم العدالة وحتى لا يدعي أي شخص أنه تم التعدي عليه لذلك ينبه الشيخ أديب على أن أهم شيء في تطبيق العدالة أن لا نلوث العدالة ونجعل الناس تنبذها وكرهها يكون حينما نزعم أننا نقدر على تطبيقها بأنفسنا من دون حاجة إلى محاكمة عادلة ومن دون أدلة ولا تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه حتى وإن علمنا بأن الأدانة ثابتة وتدينه .. وكره الناس للعدالة حينما نتعسف في تطبيقها ونحكم على الناس من قبل أن تحكم عليهم محكمة عادلة أو يصدر في حقهم حكم إداري او قضائي عادل .. إن العدالة يا عثمان أن لا تطبقها بنفسك حتى وإن كنت صادقا ..