هادي دانيال يكتب لكم: الأمم المتحدة مُطالبة بِسَنّ قانون السيادة الوطنية المُلْزِم على الأنترنت

كتب: هادي دانيال
باتَ واضحاً أنّ هيمنة الولايات المتحدة على شبكات الأنترنت المختلفة تكاد تكون مُطلقة وطليقة، والهدف مِن هذه الهيمنة القسريّة هو توجيه شبكات الأنترنت في خدمة المصالح الأمريكيّة وخاصة عندما ترفض إدارات أجهزة الشبكات تلك إعطاء مفاتيح المنظومات الألكترونية للدول التي تستوردها كي تبقى أسرار الدول المعنية والمعطيات الشخصيّة لمواطنيها تحت العيون الاستخباراتية الأمريكيّة، الأمر الذي يُبْقي المعطيات الشخصية لإنسان هذا القرن والسيادة الوطنية لدُوَلِهِ مُخْتَرَقة ومُهدّدة عبر العالم.
وعندما تمكنت دُوَل عظمى كالصين وروسيا وَبعض دُوَل الاتحاد الأوربي مِن مواجهة الاحتكار الأمريكي للمعلومات في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والتقنية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والعسكرية والأمنية التي تحصدها شبكات الأنترنت مِن القطب إلى القطب، عندما تمكنت من هذه المواجهة بتطوير الصين نظاما معقّدا للرقابة على الأنترنت ونجاحها في إقامة منصات تواصل اجتماعي صينية شبيهة باليوتيوب والواتساب وتويتر ، ومثلها فعلت روسيا خاصة بعد أن أقامت الأخيرة شبكة أنترنت خاصة بها ووقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مشروع “الأنترنت السيادي” الذي يمنع أنترنت الليبرالية الغربية المتوحشة من الإمعان في اختراق المجتمع وأجهزة الدولة الروسيتين، ومن خلال سن ألمانيا قانون تنظيم الأنترنت الذي يجبر مثلا شبكات التواصل على حذف كلّ ما له صِلَة بخطاب الكراهية، ناهيك عن قيام كوريا الشمالية التي يتوافق الغرب بأسره وعملاؤه على شيطنتها ، بحجب الأنترنت بالكامل لتحصين المجتمع والدولة سياسيا فضلاً عن حماية الأطفال الكوريين، وحين لجأت دول عديدة يستهدفها الإرهاب بأشكاله إلى سنّ قوانين تجرّم استخدام الأنترنت لترويج العنف وتصنيع الأسلحة المحليّة والتحريض على إشاعة الفوضى ، أصيبت الإدارة الأمريكية بالسعار وحرّكت أدواتها “الحقوقيّة” على غرار منظمة ” هيومن رايتس ووتش” ومنظمة” مراسلون بلا حدود” ومنظمة “فريدوم إن ذا نت” للنواح على الحريّة المقيّدة والحقوق المنتهكة.
والحرية التي يتباكون عليها ليست بالتأكيد حرية مواطن هذه البلدان في اختيار النظام السياسي الذي يلائم تطلعاته الوطنية والإنسانية وحقوقه التي يشيرون إليها ليست حقوقه الأساسية المشروعة في الحياة والغذاء والماء والصحة والسكن والكساء والتعليم و العمل والأمن والأمان في وطنه، فهذه الحريات والحقوق يعتدي عليها الغرب الأوربي ـ الأمريكي وصنيعته “إسرائيل” وأتباعه من أنظمة الخليج وأعضاء “حلف الناتو” منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في الأقل، بل هم يريدون أن يفرضوا على مجتمعاتنا الحقّ في خيانة الوطن والعمالة للأجنبي، والحرية التي يتباكون على تهديدها هي حريّة الاستخبارات الأمريكية من خلال الأنترنت باختراق مؤسسات الدول الوطنية وتضليل الرأي العام وتجييش شباب الدول المستهدفة ضدّ أنظمتهم الوطنية وتسهيل توظيف مشاكل هذه الدول الاقتصادية والاجتماعية لتهديم بناها التحتية ومؤسساتها وتقسيم مجتمعاتها بإثارة النعرات الطائفية والعرْقية وإضرام الحروب الأهلية أو الإرهابية التكفيرية بغية تقسيمها جغراسياسياً إلى دويلات فاشلة يسهل السيطرة المطلقة على ثرواتها فوق وتحت التراب الوطني لكلّ من هذه الدول كالكفاءات العلمية والفكرية (“تقنيي المعرفة” لأنّ المثقف العضوي الوطني الإنساني هَدَفٌ لبنادقِهِم القاتلة) وكالأيدي العاملة الفنّيّة والماء والغاز والنفط والنحاس والفوسفات واليورانيوم والذهب إلخ.
فضلا عن استخدام الأنترنت في الجرائم المنظمة كالتجارة بالبشر والمخدرات والأسلحة وتسفير الإرهابيين التكفيريين والمرتزقة، وهذا كله شاهدناه ولمسناه في مسارح “ثورات الفوضى الخلاقة ” التي كانت تنفيذا وحشيا لسيناريوهات مؤامرة الربيع العربي. كما شاهدنا ولمَسْنا كيف تكيل شبكات التواصل بمكيالين حينَ تمنع أي انتقاد لهمجيّة وجرائم الاحتلال الإسرائيلي ولجرائم تنظيم الإخوان المسلمين في المنطقة بينما تُشَجِّعُ أي خطاب تضليلي وتشويهي ضدّ الرموز الوطنية المارقة على السياسة الخارجية الأمريكية أو غير المرضيّ عنها أمريكيا في المنطقة والعالًم!.
ولأنّ الأنترنت مثله مثل جميع اختراعات البشر كالبخار والبارود والكهرباء والليزر وعلم الذرة وما شابه لا يمكن التراجع عنها لأنها من محطات مفصلية في التطور الصناعي والتقني إلّا أنّه كما يمكن توظيفها لإلحاق الأذى بالبشر إلى حدّ جرائم الإبادة فإنّ لها جوانبها الخيّرة عندما نوظّفها في ما يفيد الإنسانية كصناعة الأدوية والبناء والتواصل ورفاه الحياة اليومية، لذلك فإنّ المجتمع الدولي المُمَثَّل في الأمم المتحدة وخاصة الأعضاء دائميّ العضوية في مجلس الأمن ، هذا المجتمع الدولي المُهدّد الآن بالحروب والأوبئة مُطالب بالوصول إلى اتفاقيات مُلزِمة تُجرّد الإمبريالية الأمريكيّة مِن إمكانية استخدام الأنترنت سلاحاً فتّاكا لهدم مجتمعات ودول شعوب العالم وتجريدهم من الخصوصيّة والسيادة الوطنية المحميّتين نظريا من القانون والشرعيّة الدوليّين.
هذه الاتفاقيات التي تحتاجها الشعوب والدول الفقيرة والنامية ، أو ما تُعْرَف بدوَل العالم الثالث، قَبْلَ غيرها، لأنّها عاجزة عن حماية نفسها من تسونامي التقنيات الإلكترونية والشبكات العنكبوتية التي تسقط فيها قِيَمُنا الحضارية جثثا تغتذي عليها أسراب الذباب الأزرق وغيره من ذباب “الثورات الملوّنة”، بينما الدول العظمى كالصين وروسيا وكذلك الدول الإقليمية القوية أقدر منا على تحصين نفسها بنفسها مِن هذا الخطر القائم وتداعياته على مجتمعاتنا ودولنا و مواطنينا.