هادي دانيال يكتب لكم: المجرم الأمريكي يُنَصِّبُ نَفْسهُ قاضياً عبْر العالَم!

كتب: هادي دانيال
مَنْ لا يزال غَفِلاً عن حقيقةِ أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة هي التي تصنع في مُختَبَراتها الجماعات الإرهابيّة مِن تنظيم “القاعدة” إلى “تنظيم الدولة الإسلاميّة” المعروف ب”داعش” وتستخدمها في حُرُوبِها الخارجيّة ، سابقاً ضدّ الأنظمة الاشتراكيّة التي كان يدعمها “الاتحاد السوفياتي” على غرار نظام “محمد نجيب الله” الشيوعي في “كابول”، ولاحقا ضدّ الدُّوَل الوطنيّة التي رفضت فَرْض العولمة الأمريكيّة عليها؟.
وَمَنْ لا تزال تنطلي عليه أكاذيب “واشنطن” المُتَعَلّقة بحرْصِها على تمكين شُعوب بعينِها مِن “الديمقراطيّة” فتشنّ الحروب على دُوَلِ هذه الشُّعُوب وتطيح أنظمتها وتَنهب ثرواتها الطبيعيّة وتتركها مسرحا للفوضى تعيث فيه الجماعات الإرهابية المُصَنّعة أمريكيّاً قَتْلاً وتدميراً ، كما حَصَلَ في العراق وليبيا؟ في حين تدعم تنظيمات الإسلام السياسي الإرهابية وتتدخّل لإقصاء الأحزاب الوطنية تحت شعار دعم الانتقال الديمقراطي المزعوم كما هو الحال في تونس،
وتُفاخر بأنّها تحمي أنظمة أوليغارشيّة عريقة في دكتاتوريّتها مقابل تبعيّتها وسلب شعوبها سيادتهم الوطنية الاقتصادية والسياسية والعسكرية على أراضيهم وبحارهم وأجوائهم، كما هو حال أنظمة الكيانات الخليجيّة؟…
وَهَل ثمّتَ مَن نَسِيَ كيف ادَّعَت الإدارة الأمريكيّة في عهد “البُوشَيْن” أنّ العراق يمتلك أسلحة دمار شامل فحاصرَته وغزته واحتَلَّتْه وفككت جيشه ونهبت ثرواته الطبيعية والثقافية ودمّرت ما لم تستطع سرقته من أوابده الحضاريّة وقتلت أطفاله ونساءه وشيوخه وعلماءه و ارتكبت أبشع أنواع التعذيب ضدّ مواطنيه في سجن أبي غريب، ثُمّ اعتَرَفَتْ بعد خراب البصرة بأنّها اعتمدت في كلّ ذلك على تقارير كاذبة “ضَلَّلت؟” المخابراتُ الأمريكيّة بِها دوائر القرار؟.
وَهَلْ بات غائبا عن أصحاب البصائر أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة هي التي تدفَع بالجماعات الإرهابيّة إلى الدُّوَل المُسْتَهْدَفة ثمّ “تدبّ الصوت” وتجرّ جيوشها للتدخّل العسكري وليس السياسي فقط في هذه الدّوَل زاعمة أنّها تريد تخليص شُعُوبها مِن الإرهاب، وذلك طبعاً خارج القوانين والشرعية الدولية التي تمنع التدخّل بدون طلب من السلطات الشرعية الرسمية في الدوَل المعنيّة ، فتبني القواعد العسكرية وتدعم الميليشيات المسلحة الخارجة على السلطات الشرعيّة وتضع يدها على الثروات الطبيعيّة أينما وطئت أقدام المارينز؟.
هذه السيناريوهات الإجراميّة جميعها استخدمَتْها وتستخدمها الولايات المتحدة الأمريكيّة ضدّ الدولة الوطنية السوريّة ، فَعَلى مَدى أكثر مِن عَقْدٍ لم تدخر واشنطن وحلفاؤها الأوربيون والعرب جهدا عسكريا وماليا وإعلاميا وسياسيا لتدمير الدولة الوطنية السورية وقتل مواطنيها ، وعندما تصدّى الجيش العربي السوري وقيادته لهذه الحرب الشرسة التي دمّرت المدن والبلدات السورية والاقتصاد السوري واستباحت خلالها الجماعاتُ الإرهابية المدنيين السوريين ذبحا ورميا بالرصاص والمدافع وخطفاً وتشريداً ، وفقد شعبنا خلال هذا التصدّي عشرات آلاف الشهداء من جيشنا الباسل، لم تكتف واشنطن بهذه الجرائم بل رَفَدَتْها بقرارات قانون قيصر الوحشي لتجويع ما تبقّى مِن شَعْبنا، والآن لا يرفّ لسياسييها المجرمين وأتباعهم الغربيين جفْنٌ وهم يبحثون عن ذرائع لاتهام جيشنا وقيادتنا بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة . لماذا؟ لأنّ الدولة الوطنيّة السوريّة لا تزال تتنفّس ؟. والتنفُّس ممنوع حتى على المواطن الأمريكيّ الذي صَدَّقَ أنّه يعيش في بلد ديمقراطي ويحقّ له أن يتظاهر مُعبّراً عن رأيه كما كانت حال المواطن الأمريكي الأسود “جورج فلويد”، فكيف يكون مسموحا بالتنفُّس لدولة “مارقة؟” يرفض نظامها الإملاءات الأمريكيّة ؟.
والمُفارَقة أنّ الولايات المُتّحدة التي يكتظّ تاريخها المعاصر بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانيّة هي التي تُنَصِّب نَفْسَها قاضيا على دُوَل وشُعوب العالَم في هذا المجال ، وكأنّ ذاكرة العالم ماتت أو مُحِيَت مِن صفحاتها الدامية جرائم هذه الدولة التي تأسست على جماجم السكّان الأصليين الذين أبادت خمسا وتسعين بالمائة منهم ، أي ما يزيد على ثلاثمائة مليون هندي أحمر ناهيك عن ما تلا ذلك مِن تعذيب وقتل المواطنين الأمريكيين مِن أصْلٍ أفريقيّ إلى هذه اللحظة. فَمَن غير الجيش الأمريكي قتَلَ في الفلبين مليوناً ونصف المليون مواطناً فلبّينيّاً؟، وفي اليابان مائة وأربعين ألف يابانيّ بقنبلة نووية أمريكيّة على هيروشيما وثمانين ألف قتيل ياباني بقنبلة نووية أمريكيّة أيضاً على ناكازاكي؟.
وَمَن غير أدعياء الديمقراطية في البيت الأبيض والسي آي إيه والبنتاغون ارتكب جرائم قتل خمسة ملايين فيتنامي بينهم أربعة ملايين مدني ، اعترف وزير الدفاع الأمريكي “روبرت ماكنامارا” بمسؤوليّة بلاده عن قتل ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف منهم؟.
وفي العراق مَن غير الجيش الأمريكي وحلفائه الغربيين والخليجيين قد قتَلَ مليونَ عراقيّاً منذ غزو العراق سنة 2003، ناهيك عن ضحايا الحصار الجائر الشامل الذي دام أكثر من 12 سنة والذين من بينهم مليون طفل عراقي صرّحت اللعينة “مادلين أولبرايت” أنّ موتهم ثمن مقبول لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين؟!.
هذا غير ضحايا الجيش الأمريكي وعملائه في أفغانستان الذين جاوزوا المائة وأحد عشر ألفاً، وغير الانقلابات العسكرية التي نفذتها المخابرات الأمريكية في تشيلي وبنما والكونغو التي ذهب ضحيّتها الرؤساء سلفادور أليندي وعمر توريخوس وباتريس لومومبا ، ومحاولات الاغتيال والاغتيالات التي لم تقتصر على المناضلين الوطنيين عبر العالم الذين لن يكون آخرهم كبار العلماء والقادة الإيرانيين كمحسن فخري زادة وقاسم سليماني بل طالت أيضا حلفاء الولايات المتحدة كرئيس فيتنام الجنوبية “نغو دييم” عندما اقتضت المصلحة الأمريكيّة ذلك، هذه المصلحة التي امتدت يدها الآثمة أيضاً إلى الرئيس الأمريكي “جون ف كينيدي” في أحد شوارع دالاس.
هذه الدولة العظمى التي تقوم سياساتها الداخلية والخارجية على الدم والجرائم ضدّ الإنسانيّة ، تُريد أن تُقاضي جيشَ وقيادةَ الدولة الوطنية السورية لأنها دافعت وتدافع بشرف عن وُجود شَعبها الذي تُهدده الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون الذين سفكوا دماء مليون ونصف المليون في الجزائر ، وارتكبوا جرائم الهولوكوست ضدّ اليهود في أوروبا التي “كَفّروا” عنها بتحويل ضحاياها إلى جلّادين ينفّذون سيناريو إبادة الهنود الحمر الأمريكي وسيناريو الهولوكست الأوروبي إضافة إلى سيناريو الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ضدّ الشعب الفلسطينيّ الأعزل منذ أربعينات القرن الماضي إلى هذه اللحظة. هذه الدولة الإمبريالية العظمى وحلفاؤها الغربيّون غاظَهُم أنّ الشعب السوري الجريح والجائع بصدد ممارسة حقّه الديمقراطيّ في الانتخابات ، فيزعمون أنّها ليست انتخابات شرعيّة. لماذا ؟. لأنّها ليست بإشراف بريمر مثلاً؟.
والمفارقة أنّ هذا الغرب الأمريكيّ الأوربي الذي يتشدّق كاذباً بحرصه على إشاعة الديمقراطيّة عبر العالم لا يجد حرجاً بتساقط الأقنعة واحداً تلو الآخر عن نفاقه المُقَزِّز، ففي الوقت الذي يتواطأ فيه مع الكيان الصهيوني لمنع إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينيّة في القدس الشرقيّة وبالتالي لتعطيل هذه الانتخابات في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، أصابه سُعار أمام عزم القيادة السورية على إنجاز الانتخابات الرئاسية السورية في وقتها المحدد بما يتفق مع القوانين السورية والدولية التي بدورها تُجَرِّمُ نُباح الغرْب على الاستحقاق الانتخابي السوري وتعدّه تدخُّلاً سافراً في الشؤون الداخلية للجمهورية العربيّة السورية المستقلّة ذات السيادة.
وعلى الرغم من أننا نرنو إلى إجراء تعديل على الدستور السوري الحالي بَدْءاً مِن البند المتعلّق بديانة رئيس الدولة أو ذاك المتعلّق بمصدر التشريع فيها ، إلّا أننا إلى أن يتمكّن السوريون مِن تعديل دستورهم في أفق وطني تقدّمي يليق بتاريخهم الحضاري ، فإننا نتمسّك بدستورنا الحالي وبقوانين دولتنا الوطنية المستقلة ذات السيادة ، رافضين أي تدخّل أجنبي في أي شأن مِن شؤوننا الداخليّة رفضاً مُطْلَقاً.
فنحن والكثير من شعوب المنطقة والعالم، صرنا على يقين مِن أنّ الغرب الأوربي الأمريكي لم يسبق له أنْ تدَخَّلَ يوما في شأن داخليّ لدولة ما لصالح شَعبها ، وأمامنا ما حصلَ في رواندا في تسعينات القرن الماضي عندما أثار الغربيون الفِتَنَ بين قبيلتيّ التوتسي والهوتو ولم يتدخّلوا لِحَقْن الدّماء إلّا بَعْد مقتل ما يزيد على مليون شخص من القبيلتين.
ولاشكّ أنّ دم شعوب المنطقة ما أن يكاد ييبس نسبيّا على أيدي الغرب الأمريكي-الأوربي وأتباعه وعملائه الإقليميين حتى يلمع طازجا مرة أخرى ، وهذه الحال ستستمر إذا لم نقرأ دروس الدم والجوع والدمار البليغة ونستوعبها تحت عنوان :
لا أمل ولا مستقبل لشعوب المنطقة إذا لم نشهد تحالفا فاعلا بين الدول والقوى الحيّة الوطنية التقدّميّة لكنس الوجود الغربي الأوربي الأمريكي بدءاً مِن جماعاته الإرهابية وصولا إلى قواعده العسكريّة، ودون ذلك غَرَقٌ متواصل في بَحْر الآلام الهائج .