هادي دانيال يكتب لكم: جو بايدن والتطيُّر مِن الرّايات الوطنيّة عَبْرَ العالَم

كتب: هادي دانيال
تلجأ الإدارات الأمريكيّة إلى الحرب خارج الحدود في حالَتَيْن ، الأولى عندما تشعُر أنّ مصالحها الإمبرياليّة التي تقوم على حساب المصالح الوطنيّة غير الأمريكيّة / مصالح شعوب العالم الأخرى قاطبةً، والتي تمّ التنظير لها في العقود الأخيرة تحت عنوان “العَولَمة” التي عَرَّفها البعْض بأنّها فَرْض نَمَط الحياة الأمريكيّة عبر العالم ، بينما الأقرب إلى الصّواب أنّ “العولمة” ترمي إلى توظيف شُعوب العالم بما في ذلك مصائرهم الوجوديّة وثرواتهم التي تحت ترابهم الوطني وفوقه ، أي ثرواتهم الوطنيّة الطبيعيّة والبشريّة ، في خدمة مصالح دوائر النفوذ السياسي الصناعية والمالية والإعلامية والأمنية الصهيو أمريكية داخل الولايات المتحدة وخارجها .

فآخِرُ ما يُمكِنُ أن يفكّر فيه أصحابُ القرار في الولايات المتحدة أن يكتظّ المشهد السياسي الدولي بأنظمة وطنيّة ديمقراطيّة معنيّة باستقلال ورخاء وازدهار شعوبها وتقدّمها وسيادتها على مقدراتها ، فالشعار الأمريكي المتعلّق بمساعدة الدُّوَل والشُّعوب لبناء ديمقراطيّة مزعومة ليس إلّا ذريعة للتدخُّل في الشؤون الداخليّة للدُّوَل وَفرْض “الفوضى الخلّاقة” كَنَهْج “تقليدي” وجدت الإدارات الأمريكيّة أنّه “الأنجع” لإبقاء الدُّوَل المُسْتَهْدَفة خائرة القٌوى مُفَكَّكة الأوصال تتقاذفها إلى ما لانهاية رياحُ المصالح الإمبرياليّة الغربيّة والصهيونيّة العالميّة على أرصفة طريق الدَّمَقْرَطَة الأمريكيّة المسربلة بالضباب ودماء الضحايا الأبرياء، وخاصة منها تلك الهوّة العمياء التي يسمّونها “الانتقال الديمقراطي”، ولنا في أفغانستان والعراق وليبيا واليمن وغيرها أمثلة دامغة على ذلك.
والحالة الثانية التي تجعل الإدارات الأمريكيّة تقرع طُبُولَ الحرب على عدوّ خارجي تختاره أو تَصنعه هي حالة الاضطرار لإزاحةِ نَظَر الرأي العام الأمريكي عن أزمةٍ داخليّة حادِثَة.
وقد تسير الحالتان كَتِفاً إلى كَتِف في الدفْع إلى قَرْعِ طبول الحرْب في الآنِ نفسه ، كما هُوَ الوضْعُ حاليّاً.

الولايات المتحدة الأمريكيّة كقوّة إمبرياليّة عُظْمى تفرض على البشريّة المُعاصرة مصالحَها بقوّة السلاح ورفاق السلاح

فالولايات المتحدة الأمريكيّة كقوّة إمبرياليّة عُظْمى تفرض على البشريّة المُعاصرة مصالحَها بقوّة السلاح ورفاق السلاح ، فالمهمّة الأولى للدوائر العسكريّة والأمنيّة هي تنفيذ السيناريوهات الهوليوديّة التي تضعها دوائر القرار في واشنطن، إمّا بالذهاب إلى الحروب باستخدام السلاح الأشدّ فَتْكاً كما جرت العادة منذ الحرب على الفيتنام ، أو بإبرام الصفقات المالية والاقتصادية بتوظيف القوة العسكرية الأمريكية لابتزاز الدُّوَل المُسْتَهْدَفَة وهو النهج الذي سلَكَه الرئيس السابق “دونالد ترامب” مع بعض الدول كالسعودية.وبالتالي فإنّ الرئيس الأمريكي الحالي “جو بايدن” الذي أعاد قطار السياسة الأمريكية إلى السكّة التقليديّة بعد أن انحَرَفَ عنها “دونالد ترامب” نسبيّاً ، ولأنّ الصراع المُعْلَن بين “الحزب الديمقراطي” و”ترامب” وأنصاره الذين يُشكّلون قوّة لا يُسْتَهانُ بِها أفْضى إلى أزمة داخليّة مُتَعدّدة الأبعاد وَجَبَ لفت الأنظار بعيداً عنها، خاصّة بعد فضيحة اقتحام الكونغرس إبّان تنصيب “بايدن” رئيساً جديدا والتشكيك في نزاهة الانتخابات الرئاسية و نتائجها ، بَعْدَ ذلك بادر “بايدن” إلى التلويح بحربٍ أمريكيّة على جبهات عديدة عَبْرَ العالَم. والعدوّ هذه المرّة ليس اليسار الذي تمكّنوا ، بَعْدَ انهيار الاتحاد السوفياتي، مِن ترويضه وتحويل بعْضِهِ إلى أداةٍ مِن بين أدواتهم كما هو حال “الحزب الشيوعي ” في العراق شريكهم في حكومة بريمر، و”الاتحاد الديمقراطي pyd ” الكردي حليفهم الحالي في سوريا، تحت شعار مقاومة “الدكتاتورية” تارة ومقاومة تنظيم “داعش” الذي صنعته المخابرات الأمريكيّة نفسها من هجينة الإسلام السياسي تارة أخرى (مع التأكيد على أنّ قوى يساريّة أخرى رفضت الإذعان للإرادة الصهيو أمريكية لذلك تجري محاولات إضعافها وتفكيكها بالمحاصرة والشيطنة والاختراق الاستخباراتي والاغتيالات) ، وطبعا لم يعد “الإسلام السياسي” عدوّا بعدَ أن تمكنوا من جعله أداة في خدمة السياسة الخارجية الأمريكيّة بَدْءاً مِن تنظيم “القاعدة” الإرهابي وصولاً إلى أكثر فروع تنظيم الإخوان المسلمين الدولي “مَدَنيّةً واعتدالاً” مَزعُومَيْن ، وخاصة بعد أن أوكلوا إليه إبّان “ثورات الفوضى الخلاقة” تحت شعار مقاومة “أنظمة الاستبداد”(إلا إذا كانت هذه الأنظمة المستبدة أدوات طيّعة لواشنطن كأنظمة الخليج وما شاكَلَها في منطقتنا والعالَم) ، أوكلوا إليها إدامة هذه الفوضى إلى أن يستكملوا إقامة “الشرق الأوسط الجديد” بعد تدمير دُوَل المنطقة وإعادة شعوبها إلى مكوّنات ما قبل الدولة الوطنية (قبائل عرقيّة وطوائف دينيّة) وتقسيم المنطقة إلى دُوَيلات فاشلة تقوم على أسس عرقيّة وطائفيّة وتدور جميعها في فلك دولة إسرائيل اليهودية الكبرى /حارس المصالح الغربية التي أنشأت الكيان الصهيوني منذ سنة 1948.
فَمَن العَدوّ الجديد إذَن ؟. إنّه الدُّوَل الوطنيّة الكبرى التي تقف في مواجهة نيوليبراليّة واشنطن المتوحّشة ، وفي مقدمة هذه الدول الصين وروسيا الاتحاديّة اللتان في سياق تصدّيهما للسُّعار الأمريكيّ الجديد تُساندان الدّول والقوى الوطنيّة في العالم الثالث خاصة ، و التي ترفض الإذعان للإرادة الأمريكية كما هو حال سوريا والجزائر وفنزويلا وإيران وكوريا الشمالية ، وكما هو حال القوى الوطنيّة غير الحاكمة وتقود معارضة فاعلة ضدّ السياسة الخارجية الأمريكية التي تستهدف الدولة الوطنية، ونذكر هنا “الحزب الدستوري الحر” الذي برز في السنوات الأخيرة بتونس وزعيمته الأستاذة “عبير موسي” التي تحوّلت عن جدارة إلى رمز وأيقونة للنضال الوطني المُعاصِر.

دول وطنية ترفض الإذعان للإرادة الأمريكية كما هو حال سوريا والجزائر وفنزويلا وإيران وكوريا الشمالية

في هذا السياق سارَعَ “جو بايدن” إلى التكشير عن أنيابه الاستعماريّة في وجه رايات وطنيّة في منطقتنا كالرئيس السوري “بشار الأسد” فلم يكتف بتشديد العقوبات بقانوني “قيصر1″ و”قيصر2” ، بل سرّبت أجهزته الاستخباريّة أنّ قرار اغتيال الرئيس “بشار الأسد” بات على طاولة سيّد البيت الأبيض الجديد. و”جريمة” الرئيس السوري أنّه قاد مقاومة باسلة على رأس الجيش العربي السوري لِمَنْع انهيار الدولة الوطنية في سوريا فارتبك المخطط الصهيو أمريكي لإقامة شرق أوسط جديد على أبواب دمشق ممّا أوجَبَ صهيو أمريكيّاً مُعاقبة الشعب السوري وجيشه ورئيسه الوطنيين بالحصار الاقتصادي والاغتيال السياسي وغيرهما من الجرائم التقليدية والمبتكرة المتوفرة في الجراب الصهيو أمريكي.
وعلى الخلفيّة الاستعماريّة ذاتها، ولأنّ آخِر ما ترغب واشنطن أن يُفاجئها في تونس هو وصول الزعيمة التونسية “عبير موسي” وحزبها إلى سدّة الحكم وتنفيذ برنامج مُعْلَن للحفاظ على الدولة الوطنية المدنية الحداثية المستقلة ذات السيادة ونظامها الجمهوري ذي السياسة الخارجية المنطلقة من حماية المصالح الوطنية العليا والقائمة على حسن الجوار وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ناهيك عن حرص الحزب وزعيمته على أخذ تونس وشعبها إلى ديمقراطيّة حقيقيّة في أفُق وَطَني. الأمر الذي يجعل تونس خارج الدور الذي رسمته واشنطن لها الآن وغداً، ولأنّ معطيات الواقع السياسي يُؤشّر توسُّع شعبيّة الحزب الدستوري الحرّ وزعيمته واكتسابهما يوميّا وباطراد ثقة المواطنين التونسيين على حساب القوى المحليّة التي تراهن عليها الدوائر الأمريكية المعنيّة بشؤون المغرب العربي وشمال أفريقيا ، فقد تسرّبت أيضا “معلومات” عن قرار أمريكي بإزاحة عبير موسى وإدخال الحزب الدستوري الحر في بيت الطاعة الصهيوأمريكي. وهكذا بدأت سناريوهات المحاصرة والشيطنة والتضييق تُنَفَّذ ضدّ “موسي” وحزبها الواحد تلوَ الآخَر بمحاكاة محلّيّة للأساليب الهوليوديّة المعروفة.

يدرك بايدن أنّ بلاده ذات إرثٍ أسود عريق في الاعتداء على الشرعيّة والقانون الدوليين وطبخ الانقلابات العسكرية القذرة واغتيال المناضلين الوطنيين عبر العالم

ولأنّ “بايدن” يدرك أنّ واشنطن لم تعد اللاعب الوحيد على الساحة الدوليّة، وأنّ بلاده ذات إرثٍ أسود عريق في الاعتداء على الشرعيّة والقانون الدوليين وطبخ الانقلابات العسكرية القذرة واغتيال المناضلين الوطنيين عبر العالم ، ودوس حقوق الإنسان وإهانة الشعوب بتعذيبهم في المعتقلات وقصف المدنيين بدون وازع إنساني وليس اغتيال “أرنستو تشي غيفارا” وفضائح سجن “أبو غريب” وحرب الفيتنام واحتلال العراق ناهيك عن قيام الولايات المتحدة نفسها على أنقاض شعبها الأصلي من الهنود الحمر ، ليس هذا كلّه إلاّ قطرة من بحر الجرائم الإنسانية التي اقترفتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة “الديمقراطية” و”الجمهورية” ضدّ البشريّة المُعاصرة ، ثمّ يُحاضِرُ علينا هذا العاهر الدردبيس بايدن يوم 17مارس المنصرم بخطاب سوقيّ عن “الشرف”!. فيصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنّه “قاتل” ، وبأن بوتين “سيدفع ثمن تدخله في الانتخابات الرئاسية” الأمريكيّة.
ولقد كان ردّ الرئيس الروسي الذي تمنى لبايدن دوام الصحّة لائقا برئيس شعب عريق في حضارته وإرثه المنافح عن السلام العالمي، كما أنّ هذا الردّ أفضل ما يُمكن أن نختم به مداخلتنا هذه.
قال حفيد تولستوي ودستويفسكي وبوشكين وتشيخوف وغوركي ولينين الرئيس فلاديمير بوتين في حديث طويل اخترقته ذكرياتٌ من الطفولة لها مغزاها، بَعْدَ استدعاء السفير الروسي في واشنطن لإجراء مشاورات: “عندما نقيّم الناس الآخرين، أو عندما نقيّم الدول أو الشعوب الأخرى، فنحن دائماً كمن ينظر في المرآة ويرى نفسه فيها، لأننا دائماً نحمّل الشخص الآخر ماهية أنفسنا في واقع الأمر.. وأذكر أنه في أيام الطفولة كنا نقول عندما نتجادل مع بعضنا في أفنية المنازل: من ينعت الآخر بشيءٍ ما، فإن ذلك من صفاته هو.. وهذا ليس مصادفة أو مجرد مزحة أطفال، فهناك معنى نفسي مهم جداً فيه، إذ إننا دائماً نرى في الشخص الآخر صفاتنا الخاصة، ونعتقد أنه مثلنا، وانطلاقاً من هذا، نقوم بتقييم أفعاله ونعطيه تقييماً عاماً “.
ما قاله بوتين يُمكن أن يقوله أيضا الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد والزعيمة الوطنية التونسية الأستاذة عبير موسي ويوجهانه إلى “جو بايدن” وأدوات سياسته المحليين في منطقتنا المنكوبة!…