هادي دانيال يكتب: متى يكفّ أردوغان عن الحؤول دون التئام الجرح الليبي؟

رجب طيب أردوغان

كتب: هادي دانيال

تاريخيّاً كان أسلاف ‘الطيّب رجب أردوغان’ يلجؤون إلى الحروب وإسالة الدماء أي إلى الغزو والاحتلال أو التدخل العسكري غير المباشر  لفرْض السياسات الإقليمية والدولية التي تخدم مصالحهم، وهم بذلك سبقوا الإمبريالية الأمريكية نفسها…فأسلافه العثمانيون غزوا سورية واحتلوها واحكموا سيطرتهم عليها بعد معركة مرج دابق سنة 1516 لأنّ حكّامها المماليك آنذاك رفضوا التحالف معهم ضدّ أعدائهم الصفويين في إيران…

وسلفه القومي أتاتورك

 أنهى سنة 1921 العداء بين بلاده وفرنسا عندما تخلّت له فرنسا عن كيليكية ومرعش السوريتين فتخلّى بدوره عن دعم الثورة السورية بقيادة إبراهيم هنانو والشيخ صالح العلي بالأسلحة كما كان يفعل…

بوابات سرية وعلنية

وفي النصف الثاني من القرن الماضي هدّدت أنقرة الرئيس حافظ الأسد بشنّ حرب على سورية إذا لم تطرد عن أراضيها جماعات حزب العمال الكردستاني PKK بقيادة “عبد الله أوجلان”، وفي عهد الرئيس بشار الأسد الذي أبرم معه “أردوغان” اتفاقيات جميعها تخدم المصالح التركية قبل المصالح السورية (في سياق سياسة أنقرة المزعومة “صفر مشاكل” مع دول الجوار) ولكن سرعان ما انقلب “أردوغان” على الرئيس الجار منخرطاً في دعم ‘ثورات الفوضى الخلاقة’ جنبا إلى جنب الكيانات الخليجية والكيان الصهيوني برعاية غربيّة (فرنسيّة-أمريكيّة خاصة) جاعلا من حدود تركيا مع سورية بوابات سرية وعلنية يعبر منها الإرهابيون وأموالهم وأسلحتهم الخفيفة والثقيلة والكيميائية ليعيثوا قتلا وخطفا و تدميرا و تخريبا ضدّ الدولة السورية والشعب السوري بذريعة دعم “الثورة السورية” التي فككت لهم مصانع حلب ونقلتها إلى الداخل التركي…

لا عهد ولا ميثاق

وواقع الحال أنّ لا عهد ولا ميثاق لقادة تركيا وخاصة خَلَفهم الحالي “أردوغان”، فما أن فاتحوه بخطط مؤامرة “الربيع العربي” القاضية بتدمير الدولة الوطنية  في المشرق والمغرب حتى سال لعابه من أجل ضمّ أراضٍ سورية جديدة إلى تركيا أسْوَة بسلفه أتاتورك الذي ضمّ لواء اسكندرون السورية إلى الدولة التركية الوليدة من رحم الإمبراطورية العثمانية عندما كانت الأخيرة على سرير الموت..

فكّ الارتباط

وعلى غرار “أتاتورك” انتهز “أردوغان” الفرصة الخبيثة لتتمدد أقدام أطماعه السوداء إلى عفرين وغيرها من التراب السوري، وعندما تعقّدت الأوضاع وتداخلت المصالح الأمريكية ـ التركية خاصة في الشمال السوري، وأبدى “أردوغان” رغبة في فكّ الارتباط ظاهريا على الأقل مع الجماعات الإرهابية التكفيرية السورية الموجودة على الأراضي السورية التي يحتلها الجيش التركي أو داخل الدولة التركية ردّت الجماعات الإرهابية الفعل مؤخرا في اسطنبول بعملية انتحارية وتفجيرين خشي “أردوغان” من تأثيرها عليه وعلى حزبه في الانتخابات المقررة بعد أشهُرٍ من الآن…
هذا التأثير المتمثّل باحتمال تحميل “أردوغان” وحزبه مسؤولية ارتداد الإرهاب الذي صدره إلى سورية على امتداد عقد ونيّف ليضرب داخل المدن التركية الكبرى ويذهب ضحاياه مدنيين أتراكا، وبالتالي انعكاس ذلك على نتائج الانتخابات.

عدوان وحشي

وفي محاولة منه لتلافي ذلك اختلق مسرحية أنّ “المرأة السورية” التي قدمتها وسائل الإعلام هي “انتحارية؟”(انتحارية وتبقى على قيد الحياة؟) أرسلها حزب العمال الكردستاني PKK من كوباني السورية لتفجّر  نفسها في شارع مزدحم من شوارع مدينة اسطنبول التركية.
وتذرّع بهذه المسرحية سيّئة الإخراج لشنّ عدوان وحشي صاروخي ومدفعي استهدف البنية التحتية لمناطق شمال وشرق سورية وذهب ضحيّته عشرات الشهداء من الجيش السوري ومن “قسد”. هكذا يدير “أردوغان” سياساته الداخلية والخارجية بإشاعة الدمار وإسالة الدماء…

فوضى ليبيا أيضا..

وما حدث في سورية يحدث في ليبيا أيضا، فقُبيل أن يقود “ساركوزي” حلف “الناتو” في فيفري 2011، إلى إطاحة نظام معمر القذافي وتدمير ليبيا في سياق مؤامرة “الربيع العربي؟” كانت تركيا قد حصلت على نصيب كبير من العقود في قطاع البناء الليبي عام 2010، وقام المستثمرون الأتراك بضخ مليارات الدولارات  في هذا القطاع، وحصلت شركات الأعمال التركية على   304 عقود تجارية في البلاد…
ونظرًا إلى مصالحها الاقتصادية الكبيرة في ليبيا، عارضت أنقرة أول الأمر التدخّل العسكري لحلف شمال الأطلسي “الناتو” ضدّ صديقها العقيد معمر القذافي، خاصة وأنّ البلاد دخلت في حرب أهلية لاحظت تركيا بفزع أنها قد تخسر من جرّائها أكثر من 15 مليار دولار أمريكي، لكنها عندما أُمِّلَتْ بتقاسم الثروات الليبية مع بقية أعضاء “الناتو” المتدخِّلين في الشأن الليبي ما لبثت أن انقلبت على موقفها 180 درجة فلم تساند ‘ثورة الناتو’ فقط بل جعلت من الأراضي الليبية مراكز تجميع وتدريب على السلاح للإرهابيين التكفيريين المرتزقة من الجوار الليبي العربي والأفريقي خاصة، قبل أن يتم تسفيرهم إلى الموانئ والمطارات التركية ليلتقوا هناك بالإرهابيين القادمين من مختلف أنحاء العالم فيُنقَلوا برعاية المخابرات التركية إلى الحدود التركية السورية ومنها إلى داخل الأراضي السورية.  

صراعات قائمة

بسرعة فائقة تَمَوقَعَ الأتراك من خلال دعم الجماعات التكفيرية الليبية بالأسلحة والتدريب ليتطوّر الدعمُ إلى رفدهم بقوات تركية مباشرة على الأراضي الليبية بعد أن صادقَ البرلمان التركي، في الثاني من جانفي 2020، على مشروع قرار يسمح بإرسال قوات تركية إلى ليبيا لدعم حكومة “الوفاق الوطني؟” في طرابلس، هذه الحكومة التي يرأسها عبد الحميد دبيبة ذراع “أردوغان” في ليبيا  وتدعمها أنقرة لضمان المصالح التركية، وذلك لمواجهة “الجيش الوطني الليبي” الذي يقوده الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر ” ويسيطر على بقية البلاد تقريبا من الشرق إلى الجنوب.  فمنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، سادت ليبيا الصراعات السياسية المسلحة والانقسامات وصولا إلى الحال الراهنة إذ تتنافس فيها حكومتان على السلطة؛ واحدة مقرها طرابلس بقيادة عبد الحميد الدبيبة منذ مطلع عام 2021، والأخرى بقيادة “فتحي باش آغا” عيّنها مجلس النواب في مارس الماضي ويدعمها “خليفة حفتر”.    

 ولزيادة أوار هذه الصراعات المسلحة ضاعفت تركيا الدعم العسكري لقوات دبيبة والميليشيات الإخوانيّة المنضوية تحت لوائه بالأسلحة الثقيلة، بل تطوّر هذا الدعم ليصبح غزوا عسكريا تركيا لليبيا تمثّل بوجود القوات التركية عدّةً وعتاداً على الأراضي الليبيّة بغطاء من حكومة دبيبة. ولتدعيم الوجود التركي  أبرمت الحكومة التركية وحكومة “الوفاق الوطني”(أي وفاق؟)، في 27 نوفمبر 2019، مذكّرة تفاهم بشأن السيادة على المناطق البحرية في البحر الأبيض المتوسط، حيث تشهد منطقة شرق المتوسط خلافات بين دُوَلِها حول ترسيم الحدود البحرية، بعد أن أثبتت المسوحات الجيولوجية وجود مخزون هائل من النفط والغاز القابل للاستخراج فنيًا، الأمر الذي بيّنَ بوضوح أنّ هدف تركية من المذكّرة يتجاوز الأوضاع في ليبيا إلى مسألة التواجد في المتوسط من خلال استئجار المناطق الليبية البحرية للتنقيب عن الغاز واستثمارها.
كما قام الطرفان بتوقيع مذكّرة للتعاون الأمني، شملت التدريب العسكري، والهجرة غير النظامية، واللوجستيات، والخرائط، والتخطيط العسكري، ونقل الخبرات.

اتفاقيات مثيرة للجدل

وفي وقت لاحق، أي بعد ثلاث سنوات ، وبناء على اتفاقية 2019 وقّعَ رئيس حكومة “الوفاق الوطني”(من أسماء الأضداد) في ليبيا “عبد الحميد الدبيبة” مع وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” اتفاقيتين جديدتين للتعاون العسكري، الأولى وُقّعت في إسطنبول تنصّ على رفع كفاءة قدرات الطيران الحربي في ليبيا بالاستعانة بالخبرات التركية في هذا المجال، والثانية، تضمنت “بروتوكولات تنفيذية للاتفاقية الأمنية الموقعة من قبل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني عام 2019”. والمفارقة الساخرة أنّ وزير الدفاع التركي زَعَمَ أنّ هدف أنقرة من ه\ين الاتفاقيّتين “يتمثل في الإسهام في تشكيل ليبيا التي تعيش بسلام واستقرار وتضمن وحدة ترابها ووحدتها السياسية”؟!.

ولم يجد “أكار” حرجا في التبجُّح  بأنّ بلاده ستواصل أنشطة التدريب والمساعدة والاستشارات العسكرية لدعم “الليبيين”، مبيّنًا أن تركيا “ليست قوة أجنبية في ليبيا”، مذكّراً بأن “تركيا ساعدت في تأسيس سلاح الجوي الليبي في عهد المملكة سنة 1963، بقيادة المقدم الهادي الحسومي خريج كلية الطيران التركية” وأبْعَد من ذلك أن ليبيا كانت ولاية عثمانية..
والأرجح أنّ “أكار” ينسج على منوال “أتاتورك” عندما تمّ فصل لواء اسكندرون عن سورية وبدأوا في تتريك أرضه وسكّانه، حيث زعم “أتاتورك” أنّ سكّان كيليكية “العلويين” السوريين هم في الأصل “أتراك حثّيّون”!.  

 من الطبيعي أن يثير ذلك كلّه ردود فعل سلبية خاصة من اليونان وقبرص ومصر بل وكذلك من إيطاليا وفرنسا وروسيا وغيرها من الدول التي ترى أنّ من حقها الاستثمار في ليبيا وفق قوانين دولية تضمن حقوق الشعب الليبي، خاصة وأنّ النشاط التركي في ليبيا يحاول استثمار تداعيات الحرب في أوكرانيا وانشغال العالم بها عن سواها، بما في ذلك الأزمة الليبية.
ولكن من الغريب الحديث عن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، هذه الاتفاقية لم يرفضها البرلمان الليبي فقط، بل رفضتها أيضا مصر واليونان والاتحاد الأوروبي، لأنها تشكل اعتداء صريحا على اليونان، ذلك أنّ الحدود البحرية التركية بموجب القانون الدولي لا تصل إلى ليبيا من دون الاعتداء المباشر على اليونان، ناهيك عن أن ظروف ليبيا الحالية لا تسمح بإبرام اتفاقيات من هذا النوع قبل تسوية الأزمة الليبية وعودة الاستقرار إلى البلاد في ظل حكومة منتخبة تبسط سيطرتها على كل شبر من التراب الليبي وفوقه وتحته وحوله، وإلّا فإنّ حقوق الشعب الليبي ستُهدَر في هكذا اتفاقيات لصالح أطماع تركيا ورهط من عملائها المحليين….

انتخابات في ليبيا؟

إنّ مهمة حكومة دبيبة الذي انتهت مدة ولايته  يجب أن تنحصر في التحضير لانتخابات تأتي بحكومة جديدة، لكن تركيا ترفض ذلك لأنها تخشى من أنّ الانتخابات قد تُبْعد رجلها “عبد الحميد الدبيبة” وبالتالي تخسر نفوذها هناك، لذلك هي تمضي في تسليح ميليشيات الدبيبة حتى بالسلاح الجوي، وأكثر من ذلك تُشْرِكُ هذه الميليشيات  في مناورات تابعة لحلف شمال الأطلسي في تركيا إلى جانب 35 دولة.  

إنّ اتفاقيات عسكرية واقتصادية يجب أن تكون مع طرف ليبي شرعي، وهذا الطرف غير موجود الآن قبل تسوية الأزمة وإجراء انتخابات تشريعية نزيهة، وما يقوم به “أردوغان” وعملاؤه المحليون ليس إلا محاولات إجرامية لفرض المصالح التركية في ليبيا ليس فقط على حساب مصالح الدول الأخرى بل أساسا على حساب مصالح الشعب الليبي وحقه في الأمن والأمان والاستقرار والازدهار في دولةِ مُواطَنةٍ حُرّةٍ مستقلّة  ذات سيادة تحفظ حقوقه ووحدته الترابية و الجغراسياسية والمجتمعية.

سيناريو قادم؟

ويزداد سلوك “أردوغان” خطورة، إذا أخذنا في الحسبان أنّ المعطيات في غرب آسيا وشمال أفريقيا تؤشِّر وجودَ تحضيرات لتنفيذ سيناريو جديد للمؤامرة المتواصلة ذاتها، مؤامرة “الربيع العربي” لإسقاط الدولة الوطنية وأنظمتها في العواصم التي لا تزال صامدة بقوّة أو تترنّح، ولأردوغان دور في السيناريو الجديد على الرغم مِمّا يبدو على سطح المشهدين السياسيين الإقليمي والدولي، فالعلاقات بين أنقرة وواشنطن وتل أبيب أوثَقُ مِمّا يُظَنّ، وبقاء جرح ليبيا مفتوحا وأرضها مستباحة يخدم السيناريو الجديد أيضا.