هادي دنيال يكتب/ السياسة الأمريكيّة تجاه ليبيا: مواصلة الاستثمار في تدمير البلدان وتعذيب وقتْل الشُّعُوب

كتب: هادي دانيال
عندما أقدمَ “الحلفُ الأطلسي” بقرار غَرْبي أمريكي – أوربي على تدمير ليبيا وقتْل شَعبها والتمثيل بزعيمه آنذاك (العقيد معمّر القذّافي) لإشاعة الفوضى “الخلّاقةَ ! صهيو-أمريكيّاً” في مجتمع قَبَلي عشائري مُحافِظ قابِل مثله مثل بقيّة مجتمعاتنا الشبيهة لأن يكون بَعْضُه حاضناً للإرهاب التكفيري المحلّي والوافد،
لم يكُن يَتَوقَّعْ أن يكون مِنْ بين ضحايا هذا الإرهاب سفير الولايات المتحدة الذي تَمَّ قَتْلُهُ في بنغازي يوم 11 سبتمبر 2012.
هذه المُفاجأة أبقَتْ التواجُدَ الأمريكيّ غَيْرَ مستقرّ على التراب الليبي ، لكنّه يتدخّل مِنَ الجو والبحر والتراب المجاور عندما تقتضي المصلحة الأمريكيّة ذلك، إلّا أنّ واشنطُن عَوَّضَتْ ذلك بالوجود الفاعل لإدامة الفوضى في ليبيا بأن عَزّزت نسبيا وجودَها العسكري والأمني في الجوار اللصيق بغرب ليبيا وأوكلت لتركيا العضو “المسلم” في الحلف الأطلسي مهمّة الوجود العسكري المُباشر على التراب الليبي وإدارة الجماعات التكفيرية الإخوانية الليبية ورَفدها بنفاياتٍ إرهابية جرى تدويرُها بعدَ أن خسرت معاركها في سوريا والعراق.
هذا الوجود العسكري الأمريكي بأدوات أطلسيّة وإرهابيّة كان ولا يزال الهدف منه إسالة المزيد مِن الدماء بين عشائر وقبائل الليبيين وبالتالي إقامة المزيد من الجدران الصلبة بينهم للحؤول دون أن يستعيد الشعبُ الليبي عافيته الوطنيّة بالإفادة مِن هذا الدرس الدامي الذي يُفْتَرَض أنّه أدْخَلَ في وَعي المواطن الليبي أنّ وجوده ووجود ليبيا مُهدّدان إذا لم يتجاوز الانتماءَ إلى القبيلة والعشيرة أو الطائفة الدينية أو العرْقيّة بالانتماء الواعي والصادق إلى الوطن الليبي بأسره، هذا الانتماء الذي يمكّنه من إعادة بناء دولة وطنية مدنية مستقلة ذات سيادة تُعيدُ إلى المواطن الليبي ثروات بلاده المنهوبة فوق التراب والماء الوطنيين وتحتهما وتمكّنه مِن إقامة علاقات نِديّة مع بقيّة دول العالم، قائمة على المصالح المتبادلة المحميّة القانون والشرعيّة الدوليين.
لاشكّ أنّ الولايات المتحدة وحلفاءها الأطلسيّين وأتباعها الرجعيين أرادوا ليس فقط نَهْبَ ثروات ليبيا مِن نِفْطٍ وغازٍ وغيرهما، بَل اختاروا أن تكون بلادُ “عُمَر المختار” مراكز تجميع و تدريب الجماعات الإرهابية الوافدة إلى ليبيا مِن كلّ حَدْبٍ وصَوب بما في ذلك “تنظيم داعش” على الأسلحة والقتْل، والتي تجنّدها المخابرات الأمريكيّة في حروبها عبْر العالم.
وعندما تَلَمَّسَتْ القاهرة وموسكو والجزائر الخطر الصهيو أمريكي القادِم مِن ليبيا والذي يُهدّد استقرارهم الأمني ومصالحهم الاقتصاديّة، كان طبيعيّاً أن يتحرّكوا لِدَعْمِ قُوَّة ليبيّة ذات نزوع وطني فَوَجدت بما عُرِفَ بـ«الجيش الوطني الليبي” الذي يقوده الجنرال “خليفة حفتر” ضَالَّتَها. لاشكّ أنّ “حفتر” بعْدَ أسْرِهِ في الحرب على “تشاد” وَقَعَ في أيدي المخابرات الأمريكيّة، ولم يَعُدْ إلى ليبيا إلّا بَعْدَ إطاحة العقيد القذّافي ، ولكن الرهان الأمريكي عليه كان خاسرا مثل الرهان على الجماعة الإرهابيّة التي قتلت السفير الأمريكي في بنغازي. (ربما لأنّ حفتر وتلك الجماعة ليسا من الإخوان؟) أيْ أنّ الجرائم الأمريكيّة حتى التي يزعمون أنّها “نظيفة” غالبا ما تكون غير مكتملة ولها ارتداداتها السلبيّة على المجرم الأمريكيّ نفسه. فَما أن بدأ الدعم المصري الروسي للجيش الوطني الليبي خاصة يأتي أكُلَه فدقّ أبواب طرابلس العاصمة مَدعوما برغبة شعبيّة ليبيّة للتخلُّص من الجماعات الإرهابية والعودة إلى العيش في ظلّ النظام والقانون، حتى أوعزت واشنطن لأنقرة أن تفَتح بدورها أبوابَ خزّان المرتزقة والتكفيريين ليتدفّقوا إلى الأراضي الليبية لإبقاء الحال الليبي في إطار “الفوضى الخلاقة” التي يريدونها أن تفضي إلى تقسيم ليبيا وفق خرائط “الشرق الأوسط الكبير” أو مؤامرة الربيع العربي. ولكن بوصول “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض الذي لجم نسبيا سياسة شنّ حروب عسكرية لتحقيق مصالح اقتصاديّة واعتمد بالمقابل سياسة ابتزاز أهدافه كالسعوديّة مثلا لعقد صفقات ماليّة هائلة لصالح الخزينة الأمريكيّة وفي الآن نفسه تقديم “جوائز ترضية” للصهيونيّة العالميّة على غرار الاعتراف بضمّ الجولان السوري المحتل إلى الكيان الصهيوني والاعتراف بالقدس الموحدة “عاصمة أبدية لدولة إسرائيل اليهوديّة” وما سُمِّيَ “صفقة القرْن”.
في هذه الفترة وأمام ارتباك مخططها العثماني في سوريا، أقدمت أنقرة على تمثيل ذات الدور الذي خدعت به الرئيس السوري بشار الأسد (بتكليف من واشنطن) قبل أحداث مارس 2011، ولكن هذه المرة مع الجزائر ومصر. حيث حاولَ “أردوغان” إخفاء لؤمه الآسيوي متدرّعاً بنفاقه الإخوانيّ ، فعاد إلى قناعه القديم مُتَوجِّهاً إلى الجزائر بزيارة قامَ بِها في جانفي 2020، زاعماً أنّه عازم على إقامة علاقات استراتيجيّة مثاليّة مع دولة المليون ونصف مليون شهيد، التي لم يكفّْ التآمُرُ الصهيو أمريكي ضدّها يوماً واحدا منذ القرن الماضي مستخدما الجماعات الإرهابية التكفيرية تارة والجماعات العرقية الانفصالية أو الجماعات الطائفية الدينية أحيانا.
لقد أدرك “أردوغان” أنّ صفحات جديدة من مؤامرة “الربيع العربي” لم تُنَفَّذ بَعْد وأنّ ثمّت قراراً أمريكيّاً صهيونيّاً بتنفيذها، وبالتالي فإنّ طموحاته العثمانيّة التي لم تتحقّق كما أراد لها في المشرق يُمكِن أن تلقى نجاحاً أكبر في المغرب، أي في شمال أفريقيا. ولذا أراد أن يدعم حضوره في ليبيا وتونس بأن يفتح الأبواب الجزائرية والمصرية المُغلَقَة في وجهه. لكنّ قناعه المُهترئ سقطَ مُؤخرا أمام الجزائريين الذينَ اكتشفوا مؤخّراً أنّ المخابرات التركية عقدت اجتماعات مع “حركة رشاد” الإخوانية الجزائرية وأنّ السلطات التركية –حسب جريدة “الخبر” الجزائرية- وعَدَتْ “حركة رشاد” بدعم لوجستي وسياسي طالبة منها تحريك الخلايا النائمة لهذه الحركة في الجزائر عند الإعلان عن ساعة الصفر لتنفيذ السيناريو الصهيو أمريكي المُعَدّ لاستهدافِها بالتصادم مع الشرطة والتي كانت متوقعة في الذكرى الثانية “للحراك الشعبي”. وفي ذات الوقت تزعم أنقرة أنها تلبّي كلّ طلبات الرئيس عبد الفتّاح السيسي لإعادة العلاقات مع القاهرة المطلوب تحييدها مؤقتا بانتظار إعادة الكرّة الإخوانيّة عليها لاحقا.
لاشكّ أنّ الولايات المتحدة تريد إسقاط الجزائر كي تتمكّن بالقوّة العسكريّة مِن مواجهة النفوذين الصيني والروسي في قارّة أفريقيا، ولئن كانت قوّة الصين في أفريقيا اقتصاديّة ، فإنّ لروسيا تحالفات لها بعدها العسكري مع مصر والجزائر وليبيا ويمكن أن تتطوّر إذا اقتضى الأمر إلى وجود عسكري روسي كما هو الحال في سوريا . مع الفارق أنّ موسكو تستخدم قوّتها العسكريّة لحماية المصالح المشتركة بينها وبين هذه الدوَل وفي احترام للقانون والشرعيّة الدوليين بينما واشنطن تستخدم قوّتها العسكريّة لفَرْض مصالحها بتدمير الدول وتعذيب الشعوب وقَتْلِها ودائما خارج القانون والشرعيّة الدوليين. ولأنّ الولايات المتحدة تُدْرِك أنّ تنفيذ هذا السيناريو ضدّ الجزائر لن يكون بالمُتَناوَل في ظلّ المعطيات الحالية للدُّوَل المحيطة بالجزائر خاصّة ، فقد حاولت تضليل الرأي العام في ليبيا بوقف إطلاق نار وتسوية هشّين مادامت لم تأخذ في الحسبان أنّ خياطة الجرح قبل تنظيفه سيزيده تعفّنا وتقيُّحاً وبالتالي يصبح أكثر خطرا على الجسد الوطني الليبي. فواقع الحال أنّ هذا التغيير الشكلي للحكم في ليبيا كان خطوة أمريكية للاستفراد بالملف الليبي وإبعاد الصين وروسيا ودول الجوار الليبي عنه، كما أنّ القادمين من ليبيا يؤكدون أنّه لم يترك أثراً إيجابيا مطمئنا، فلا وجود لدولة قانون ومؤسسات على أرض الواقع. بل هي مجرّد مسكّنات قد تمنح الأمريكيين الوقت المطلوب لإعادة صياغة الواقع الليبي على الشاكلة التي تساعدهم على استهداف الجزائر من الأراضي المجاورة خاصّة. وفي هذا السياق يأتي الاستهداف الأمريكي المباشر والمسعور للحزب الدستوري الحرّ بزعامة الأستاذة “عبير موسي” لأنه بقاعدته الشعبية الواسعة وموقفه المبدئيّ الرافض لمؤامرة الربيع العربي سيُعرقل استخدام تونس في استهداف شقيقتها الكبرى الجزائر. أمّا في حال وصول هذا الحزب إلى الحكم فإنّه سيشكل مع النظامين الوطنيين في مصر والجزائر داعما مهما لإقامة نظام وطني في ليبيا وبالتالي تجريد السياسة الأمريكية من أخطر أدواتها التخريبيّة عندما يتمّ كنْس الإسلام السياسي مِن كلّ شبْر مِن شمال أفريقيا.
هكذا أيضا نفهم ” قلق واشنطن من تداعيات الأزمة الليبية على ملفات استراتيجية أخرى منها متطلبات أمن مناطق نفوذ حلف شمال الأطلسي (ناتو) وإمدادات النفط والغاز واستقرار منطقة الساحل والصحراء الأفريقية، وهي ملفات تشهد متغيرات متسارعة لا تريد واشنطن أن تتجاوزها لصالح قوى إقليمية ودولية منافسة على رأسها روسيا والصين”.
وفي هذا السياق تأتي الدعوة التي وجهها رئيس البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة ريتشارد ميلز جونيور، بـ”الشروع فورا في سحب القوات التركية والروسية من ليبيا.. بما فيها جميع العناصر المرتزقة والمندوبين العسكريين الأجانب”.
ولا يَخفى أنّ المقصود هُو الوجود الروسي للاستفراد بالجيش الوطني الليبي وإعادة الفوضى المنظمة مجددا إلى جوار الجزائر ذي الحكومات الضعيفة وغير القادرة على تأمين المتطلبات الأساسية لحياة مواطنيها في ظلّ الانهيارات الاقتصادية والمالية والصحيّة واستبداد وباء الكورونا وحلفائه السياسيين.
وواقع الحال أنّ واشنطن لا تُقْدِمُ على هذا الطلب إلّا بالتنسيق مع حليفها الأطلسي “أردوغان” الذي تنوء أرض بلاده تحت وطأة 12 قاعدة عسكرية أمريكيّة، وبالتالي على الجميع في شمال أفريقيا أن يفتحوا أعينهم على أي موقف أو سلوك أو تواجد تركي أو إخواني، فقد ثبت تاريخيّا أنّ عمالتهم بلا هامش وطنيّ وأنّ وحشيّتَهم تُرْبِكُ الضّواري وأنّ نفاقهم جاوَزَ طاقةَ الحرْباء، وهنا يصلح المثل القائل ” خذوا أسرارهم مِن صِغارِهم” ، وصغار أمريكا هنا هُم أدواتها مِن حلفاء وأتباع وعملاء.