يوسف الرمادي يكتب: أنا وأستاذي الشيخ الصادق بسيّس في شهر رمضان

كتب: يوسف الرّمادي
لم أكن أعرف عن الشيخ “الصادق بسيّس” عندما درّسني العربيّة في أوائل الستينات بمعهد” ابن شرف” إلّا دِفاعه إلى حَدِّ التعصّب عن الأمّة الإسلاميّة واللغة العربيّة وقضايا هذه الأمّة، وفي مقدّمتها قضيّة العرب الأولى قضيّة الشعب الفلسطيني التي كان لا يترك فرصة تمرّ دون أن يذكِّرنا أنّها قضيّتنا إذ المُشَرّدين من الشعب الفلسطيني هم إخوتنا في الدين واللغة والمغتصِبين هم شتات من جنسيات وجدوا الدعم من قوى غاشمة حمّلوا الشعب الفلسطيني العربي ذنبا لم يَقْترِفْه فاغتصاب” فلسطين” ليس استعمار بل هي عمليّة إحلال شعب مكان شعب مع العمل على طمس كلّ مقوّمات الشعب الفلسطيني ظلما وعدوانا.
كما ناضل الأستاذ طول حياته في سبيل إيقاظ الوعي عند الأمّة الإسلاميّة للنهوض بالقيم الأصيلة للدين الإسلامي حتى نكون كما أرادنا الله خير أمّة أخرجت للناس وقد كرّس كلّ حياته للدفاع عن القيم التي آمن بها وعمل صادقا على تفعيلها في المجتمع وبَذْرها بين الشباب التونسي المسلم وكان إيمانه قاطعا أنّ الحلول الجذريّة لما تعانين الأمّة الإسلاميّة والعربيّة لا تكون إلّا على يدي الشباب المتشبّع بروح الإسلام والمتجذّر في أصوله العربيّة.
ثمّ جاءت الفرصة للتعرّف أكثر على هذا الشيخ المصلح عندما أهداني الصديق الناقد الفذّ والأديب الأستاذ” بوزيّان السعدي” برّد الله ثراه كتابه عن الشيخ بسيّس حيث سجّل مناقبه وأعماله الجليلة التي تبعها نضال ميداني شرس في سبيل تحقيقها فقد كان “الصادق بسيّس” مصلحا في الدين والسياسة والفكر وقد خاض كثيرا من المعارك الفكريّة دفاعا عن آرائه متصدّيا لكلّ من يحاول المساس من اللغة العربيّة أو الدين الإسلامي كما كانت له مواقف سياسيّة وكان من مناصري حركة التحرير التونسيّة وسُجن في أحداث 9 أفريل 1938 كما ترأس جمعيّة الدفاع عن فلسطين العربيّة وكان يجمع التبرّعات ويجنّد المتطوّعين ويبعث بهم للشرق رحم الله أستاذي الشيخ” الصادق بسيّس” الذي أكنّ له كلّ الاحترام والتقدير لذلك ارْتَأيْتُ بمناسبة رمضان أن أتذكّر به كلّ تلاميذه وأصدقائه عن طريق هذه الطرفة التي كانت بيني وبينه في رمضان من ستينيات القرن الماضي كان الأستاذ يسكن في أريانة ويأخذ الحافلة للذهاب لمعهد” ابن شرف” ويبقي واقفا قرب باب الصعود إذ هو لا يستطيع الجلوس من أجل ساقه الاصطناعيّة التي لا يمكنه ضمّها ثمّ هو يُسْمح له بالنزل من نفس الباب الذي صعد منه في محطّة ” باب العلوج” ومن هنالك يتّجه لمعهد بن شرف بصعود ربوة مستشفى” شارل نيكول” وقد أمسك بقفّته من نوع” قِفاف نابل” المشهورة وكان يضع فيها محفظته عندما يكون صاعدا إلى ابن شرف من “باب العلوج “كما كان له في هذه” القفّة” مآرب أخرى فعندما يُنْهِ دروسه يتّجه لشراء ما يحتاجه من “المدينة” حيث يجالس خلّانه في المكتبات العتيقة ويقتني ما يصدر من كتب وقد يزور” مكتبة العطّارين”ليبحث عن معلومة هو في حاجة إليها ثمّ يعرّج على” سوق البلاط” فيتزوّد بما يحتاجه من المؤونة عندها تترك المحفظة مكانها في القفّة لمقتنيات الأستاذ ممّا لذّ وطاب من البضاعة الطازجة التي اشتهر بها “سوق البلاط” .
وقد عُيّن في تلك السنة لتدريسنا العربيّة وكنت أصعد وأنا ذاهب للدراسة معه في نفس الحافلة وبما أنّه صار أستاذي فكنت أُحيِّه بتحيّة الصباح وغالبا ما يسألني عن أمور تخصّني مثل من أي جهة أنت ؟وماذا يفعل أبوك؟ وهل لك إخوة ؟كما كان يسألني عن كلّ ما يتعلّق بزملائي في القسم إلى غير ذلك وصرتُ عندما تصل بنا الحافلة إلى” باب العلوج” آخذ عنه القفّة والمحفظة وهي قفّة الشرف لأنّها قفّة العلم (وأنا فخور بـ«هِزّانِ” هذه القفّة) وأرافقه إلى أن نصل إلى المعهد ونظرا لإعاقته فكنّا نتوقّف من حين لآخر حتى يسترجع أنفاسه ثمّ صار يطلب منّي أن أسبقه لأعدّ ما يحتاجه لدرسه من دفتر مناداة وكرّاس الدروس والطباشير والممحاة إلى غير ذلك من الأمور التي ائتمنني عليها كما ائتمنني على إسناد العقوبات بالحجز للتلاميذ تبعا لإشارته فكان يقول لي أثناء الدرس عندما يبالغ أحد التلاميذ في التشويش أو عدم انتباهه للدرس :”أَعْط 4 ساعات لرقم 5 أو أعطي ساعتين لرقم 12 ” يقصد التلميذ المرسّم في دفتر المناداة تحت ذلك الرقم ـ وهي ساعات حجز ليوم الأحد تبدأ بساعتين وتصل إلى 8 ساعات وكانت هذه العقوبة من أبغض العقوبات على أنفسنا نحن قسم “الكوّارجيّة” ـ كما يسمينا شيخنا ـ إذ هي تحرمنا من اللعب في أنديتنا صباح يوم الأحد في أقسام الشباب كما تحرمنا من الفرجة على أهمّ مباريات كرة القدم مساء نفس اليوم.
وكان من الطبيعي أَنّه بقَدْر ما تَتَمتّن العلاقة بيني وبين الأستاذ “بسيّس”وتزداد ثقته بي بقدر ما يزداد حُسد زملائي لي على هذه الحظوة حيث كانوا يطمحون في أن أجاملهم وأخفّف عنهم من ساعات الحجر كأن أغيّر الأربع ساعات بساعتين والثماني ساعات بأربع ساعات ولم أكن أفعل ذلك إذ كنت أشعر أنّها مسؤوليّة كبرى لا يمكن أن أزيغ عنها وكان هذا يُقلقهم ويعتبرونه عدم وفاء للصداقة التي بيننا وكان التلاميذ المعاقبون يتبعوني عند انتهاء الدرس إلى باب مكتب القيّم العام ويتوسّلون أن أغيّر العقوبات لكن دون جدوى فينقلب التوسّل بعد أن أخرج من عند القيّم العام وقد أودعته الأمانة إلى ذمّ وشتم متعارف عليه بين التلاميذ.
وأهمّه:”يا قفّاف »….ودامت العلاقة بيني وبين الأستاذ ـ رحمه الله ـ على هذه الحال إلى أن كان شهر رمضان من تلك السنة حيث دعا الرئيس الحبيب بورقيبة للعمل وترك الخمول وذكّر أنّ البلاد حديثة عهد بالاستقلال ولا مخرج لنا من التخلّف إلّا بمزيد من العمل لتوفير الإنتاج واجتهد بما خلاصته أنّ الصيام يجب أن لا يعوقنا عن العمل وأن لا يكون شهر رمضان شهر الكسل والنوم والسهر بين أطباق الحلويات للصباح وأن لا يكون الصيام من مبرّرات التراخي عن العمل وأنّ الظرف يقتضي إن لزم الأمر تقديم أداء الواجب على الصيام في حالة تعذّر الجمع بينهما واستشهد بالأحاديث النبويّة وذكّر أنّنا في الجهاد الأكبر للقضاء على الجهل والفقر والتأخّر. والمهمّ أنّ الإدارة بقيتْ تعمل بنظام الحصّتين في رمضان وكذلك المعاهد حيث كنّا نرتاح ساعة عند منتصف النهار ونرجع للحصّة المسائيّة على الساعة الواحدة وكنت في وقت الفراغ أذهب مع مجموعة من زملائي في القسم إلى ساحة القصبة ونستغلّل ذلك الوقت في لعب الكرة مع فرق تأتي من الأحياء المجاورة ك”الملّاسين” و”النجاح” و”التوفيق” وحتى من “جيارة” ورأس الطابيّة أو كما نسميها وقتها “الفرجمول”.
وكان الأستاذ الصادق” بسيّس” قد اُسْتُثْنيَ من الرجوع للتدريس بعد الظهر وسُمِح له أن يُدرّس من منتصف النهار إلى الساعة الواحدة مراعاة لظروفه الصحيّة فكان يدرّسنا يوم الثلاثاء من منتصف النهار إلى الواحدة بعد الزوال وقد صعب عليّ أن أفرّط في لُعْبَة كلّها متعة حيث كنّا نتّفق على عين المكان مع فريق ونتبارى معه بحماس شديد وكان الفريق المغلوب يشترط على الفريق الغالب أن يُعْطَى فرصة في اليوم الموالي ليأخذ بثأره فكانت المقابلات شبه بطولة بين الأحياء فيها الذهاب والإياب وكم من لاعب صار مشهورا في ما بعد تَعَرَفْتُ عليه في ملاعب ساحة القصبة أين كانت تجري أربع أو خمس مباريات في نفس الوقت قبل أن يحرم منها شباب تلك المناطق .
وتحت تأثير بعض الزملاء تغيّبتُ عن درس الأستاذ بسيّس وخَيَرْتُ أن أُساند زملائي في مباراة مبرمجة مسبّقا مع فريق من حي” النجاح” وعلمتُ في ما بعد أنّ الزملاء الذين حضروا درس “الأستاذ “بسيّس” قد تَشَفّوا منّى فهم يعلمون أنّ الأستاذ ضدّ الإفطار في رمضان فألصقوا بي تهمة الإفطار والتشجيع عليه ورفض الدراسة على الساعة الواحدة وأنّي قلت”: ما على الأستاذ إلّا أن يدرّس بعد الظهر مثل زملائه” وما شابه ذلك من التهم التي أوْغَرَتْ صدر الأستاذ ولا تسل ممّا انتاب الشيخ من غضب وحسرة وقد خاب ظنّه فيّ وتوعّد بالقصاص منّي وهو الذي لا يعرف النفاق ويخبر بكلّ ما سيفعله فصار لا يردّ عليّ التحيّة الصباحيّة في الحافلة وينظر لي بطريقة توحي أنّه يتبرّأ منّي أو هو لا يعرفني إطلاقا أمّا في القسم فقد أسند مهمّة الإعداد للدرس لغيري وصرتُ أعاقب بأربع ساعات عن أي حركة يراها الأستاذ خارجة عن الدرس فكان يقول للتلميذ المُكلَّف :”هذاك عدد13 أعملو 4 ساعات “فكان لا يُسَمّين باسمي بل بالرقمي العددي في الدفتر كأنّي نكرة بالنسبة له. وقد عانيتُ الأمرين لأنّي لا أقدر على الذهاب للحجز فيوم الأحد هو للعب في فريقي صباحا والذهاب للفرجة في الكرة بملعب “جِيأَنْدَرِي” (زويتن حاليا )مساء ولا يمكن بحال أن أذهب للحجز وكانت عقوبة التغيّب عن الحجز تبدأ بتضعيف العقوبة وتنتهي بالطرد واستدعاء الولي والحمد الله أنّ الأخ منصف السويسي ـ رحمه الله ـ كان يجد لنا حلّا في مشكلة استدعاء الولي ( وهو حلّ طريف يطول شرحه وقد أرجع له في يوم من الأيام) وبقية الجفوة بيني وبين الأستاذ” الصادق بسيّس” إلى أن كان إرجاع موضوع في الإنشاء من الأستاذ بعد إصلاحه وكان الموضوع:”مررت بروضة فاسْتَمَعْتَ لوردتين تتحدّثان أذكر ما دار بينهما من حوار “. وكان ممّا كتبته أنّ الوردة قالت لأختها :”نحن الأزهار نموت ويأتي الربيع فنبعث من جديد بخلاف الإنسان فإنّه لا يبعث من جديد في هذه الحياة”. فحلّق الأستاذ هذه الجملة بالقلم الأحمر وأخرج منها سهما كبيرا أوصله إلى الطُرَّة أين كتب بخطّه الغليظ “إنّ الله سيُحيّك بعد مَمَاتك ويُعَاقبك على أفعالك السيّئة”وأسند لموضوعي العدد4 من عشرين أنا الذي كانت أعدادي في الإنشاء تتراوح بين 12و14 عندها شعرتُ بالخطر ونحن على أبواب امتحان الثلاثي فعقدتُ العزم على التصالح مع الأستاذ كلّفني ذلك ما كلّفني فتَحَيَنْتُ يوما كان فيه الأستاذ منشرحا وقد أتْحَفَنَا بكثير من الحكايات الطريفة وتحققتُ أنّه في “صحنه”كما يقال وكان من عادته أن يتأخّر في الخروج من القسم عندها دخلتُ عليه وقلت له ” تَوَّ سيدي يِجِدْ عليك أنا نَفْطُرْ رُمْضَان أنا من عائلة مسلمة وأمّي هي أوّل من ستعاقبني إن فعلتُ ذلك لكن أنت تعرف أنّي من قسم تسميه أنت قسم” الكوّارجيّة” ولا أصبر على الكرة فكنّا نذهب للقصب للعب وما قيل ضدّي هو من باب حسد زملائي لي على علاقة الثقة التي حبَيْتَنِي بها ” فأمعن فيّ النظر وقال لي “يا وليدي يا رَمَادي أنا شَكِيتْ في ما قِيلَ لي عنك لكنّك أنت” صَحَحْتْ رَاسك” ولم تأتي لتعتذر وتشرح لي سبب غيابك .فما خَرجْتُ من عنده إلّا وأنا حامل للقفّة المحتوية على المحفظة وأنا أمشي أمامه مخترقا جموع التلاميذ الذين كانوا يفسحون لنا الطريق وكنت مَزْهُوّا بانتصاري عليهم رافعا رأسي موحيا للجميع بالتحدّي الذي قد يصل للقصاص في الأيام المقبلة ولا تسل عن دهشتهم من هذا الانقلاب الذي لم يكن متوقَّعا.
رحم الله الأستاذ” صادق بسيّس” فقد كان أستاذا من أساتذة” الأيام الجميلة” للمدرسة التونسيّة حسن الهندام مع رائحة طيب محترمة لا تغيب عنه وقد وهبه الله ذكاء حادا وحضور بديهة ومواقف طريفة مع تَشَدُّد في الحقّ وحِلْم عند المقدرة وكم كان جادا ومهابا ومخلصا في عمله و رغم ما نلمح عليه من علامات الإعياء للإعاقة الظاهرة في ساقه وقد يكون يعاني من أمراض أخرى غير باديّة لنا فقد كان يقوم بعمله بأريحيّة وسماحة تدلّ على صفاء سريرته كما كان أسلوبه “البيداغوجي” المرح يساهم كثيرا في تعلّقنا به وفهم دروسه التي لا يغيب عنها النصح والإرشاد والتذكير بالقضيّة الفلسطينيّة .أدعو له في هذا الشهر المبارك أن يسكنه العليّ القدير فراديس جنانه إنّه على كلّ شيء قدير.
ولا يفوتني بهذا المناسبة من أن أتحسّر على ما آلت إليه التربّة في هذه الأيام حيث صارت المدرسة ملتقى لمن هبّ ودبّ وغاب فيها احترام هذه المهنة المقدّسة التي تتطلّب حسن المظهر والسريرة والقدوة الحسنة والعلم الغزير والأسلوب البيداغوجي السلس والذي لا يكتسب إلّا بالمثابرة على الدراسة والتكوين لا بالتسيّس وال”تَكَنْبين”.فأين مدارسنا ومدرّسيها اليوم ممّا قاله شوقي في مدرسي مدارس أيام زمان.
قِفْ للمعلّم ووفّه التَبْجِيل كَادَ المعلّم أن يكون رسُول