يوسف الرمادي يكتب لكم: حكاية مع الممثل القدير فتحي الهداوي داخل غرفة المستشفى!

كتب: يوسف الرّمادي
عندما تحملتُ مسؤوليّة رئاسة ديوان وزير الثقّافة في بداية التسعينات أصابني إرهاق ظننتُ من أوّل وهلة أنّه أمر بسيط لكن عندما تحولتُ لاستعجالي مستشفى الرابطة فرضَ عليّ الدكتور رئيس قسم الأمراض القلبيّة بالمستشفى الإقامة لمدّة معيّنة مع القيام بالفحوصات اللازمة. وقد رافقني في غرفة الإقامة شاب له نفس الأعراض التي انتابتني ويبدو أنّه حديث عهد بالزواج فكانت زوجته كلّ يوم قبل الإفطار تأتيه بالقفّة التي تحتوي بكلّ اختصار على كلّ المَمْنُوعَات على من له أعراض مرضه من مَقْليات وَمشويات ومُعَجّنات وحلويات وزلابيات وقطايف أي ما لذّ وطاب من “مُقْتِلات”رمضان…
فهذه القفّة لم تخل حتّى من العصبان وما شابهه من المَحْشِيات وقد رمتْ هذه “العروسة” عرض الحائط بكلّ توصيات الأطبّاء إذ المريض بالنسبة لها أوّلا وقبل كلّ شيء عليه أن “يَقْتَاتْ” ليقاوم المرض والأدوية وكانت تتعجّب عندما تراني أتناول المسلوقات وتقول لي :”يا سي يوسف يلزمك شويّ مُقَوِيَاتْ لتتغلّب على المرض بربّي خوذ شويّة مع خوك »…
وكان صديقي هذا مغرم بمسلسل تبثّه التلفزة الوطنيّة بعد الإفطار مباشرة كان بطله الممثل الكبير “فتحي الهدّاوي” أمّا أنا فكنتُ بعد الإفطار آخذ غَفْوة قصيرة أو ما اصطلح على تسميتها “تعسيلة ” تساعدني على السهر ومتابعة بعض برامج التلفزة وهي السلوى الوحيدة في الليل أمّا في النهار فكنت أستعين على الوحدة بقراءة بعض الكتب أو بعض ما له علاقة بالعمل…وكان صديقي في مثابة أخي المنصف السويسي رحمه الله قد زارني وعندما عبّر له الصديق “فتحي الهدّاوي” عن رغبته في أن يرافقه لزيارتي نصحه “المنصف” أن يكون ذلك بعد الإفطار مباشرة تفاديّا لإجراءات الدخول الذي لا يكون إلّا عند الزيارة، وفعلا بينما كان جاري في سريره سارحا مع المسلسل وقد ظهر فيه الهدّاوي وكان سرير زميلي في أوّل الغرفة فإذا به يرى الباب يُفتح ويدخل منه الهدّاوي بشحمه ولحمه بكلّ هدوء وعلى أطراف أصابعه…ولم تكن مرّت سوى لحظات على رأيته على شاشة التلفزة فأصابه هلع شديد ولم يستطع حتّى الصياح وقد استيقظتُ من نومي على صوت المنصف السويسي الذي يحاول تهدئة روع جاري بقوله لا تخف فأنا والهدّاوي جئنا لزيارة سي يوسف…لكن ملامح جاري كانت تدلّ على هلع كبير أصابه فقد ظنّ أنّ فتحي الهداوي قد خرج له من شاشة التلفزة عندما كان بين يقظة ونعاس وكان هلعه شديد وازداد وجهه اصفرارا وطلب منّي أن أطفأ التلفزة فناولته شربة ماء فهدأ روعه قليلا لكنّني اضطررت دعوة طاقم الخدمات الليليّة تحسّبا لما عسى أن يقع طوال الليل من مفاجآت وفعلا أحاط به الطبيب المكلّف بالاستمرار مع بعض الممرضين قاموا نحوه بما يلزم من قياس ضغط الدمّ وحقنه بدواء مهدّئ وفي الغد أعْلِم رئيس القسم بالحادثة فلم يكن في موقفه أي مجاملة وهو المعروف بصرامته فقد غضب غضبا شديدا واعتبر أنّ زميلي قد نجا بأعجوبة من الصدمة القويّة كانت ستزيد في تعكير حالته الصحيّة والتي والحمد لله تحمّلها قلبه العليل وذهب الغضب برئيس القسم إلى التهديد بمعاقبة حرّاس الليل…
كان من حين لآخر وهو يفحص زميلي يقول متعجّبا :” تصوّر وأنتَ تشاهد مسلسل تلفزي وتلتفت فجأة حولك فترى الممثل لحما ودما أمامك ومتّجها نحوك والله لقد نجا من صدمة خطيرة.
أمّا المنصف السويسي والهداوي فقد اتّصلا بي من الغد يسألان عن حالة رفيقي في الغرفة وعندما أعلمتهما بما قاله رئيس القسم حول خطورة الصدمة التي انتابته قال لي المنصف بضَمَارِهِ المعروف:
“الحمد لله ربّي لا يجعلنا جرّة ” رحم الله المنصف السويسي ومتّع الله الفنان القدير فتحي الهداوي بالصحّة والعافية ليواصل مسيرته الموفّقة والحمد لله أنّ مسلسل تلك السنة لم يكن اسمه الغول وإلّا لتصوّر رفيقي أنّ الغول خرج له من الشاشة…وعندها يحدث ما لا يحمد عقباه.